تونس وفرنسا: الرهان المتبادل

معقدة دوما ومتشابكة أيضا العلاقات التي تجمع بين مستعمرة قديمة وقوة استعمارية سابقة ،علاقات يتداخل فيها التاريخي مع الرمزي والبشري

والصراعات القديمة والمصالح المتبادلة الحديثة بين نوازع التبعية ،شمالا وجنوبا ،وإرهاصات الاستقلال الودي أو العنيف ..

ولكن بما أن لا أحد يستطيع إصلاح الماضي أو إلغاءه فلابدّ أن يأتي زمن التجاوز النهائي ، تجاوز لا يعني النسيان ،نسيان الجراح والمظالم ولكنه تجاوز يسمح بالنظر إلى الأمام وبعدم تحميل لا نهائي لأجيال اليوم مسؤولية أفعال واختيارات أجداد الأجداد وإلا لكان حاضرنا اجترارا أزليا للماضي وأسرا لا فكاك منه في غياهبه ..

وللحقيقة نقول بأن علاقة تونس بفرنسا لا تنتمي منذ الاستقلال إلى اليوم ،إلى تلك العلاقات التراجيدية بين بعض المستعمرات والقوى الاستعمارية الكلاسيكية وان استقلال البلاد وإن جاء بعد حرب تحرير وإعدامات واعتقالات واهانات ولكنها لم تكن بالدموية التي شهدتها تجارب تاريخية أخرى ثم إن التفاوض كان حاضرا في جلّ الفترات رغم المعارك والحروب قبل الاستقلال وبعده كما أن القيادة الوطنية بزعامة الراحل الحبيب بورقيبة قد أرادات ومنذ فترة التحرير الوطني بناء علاقة ودية مع فرنسا الأنوار والديمقراطية ،بل وكما كان يقول الزعيم : لقد حاربت فرنسا (الاستعمارية) بفرنسا (الأنوار) وهذا ما سمح بتضميد جلّ جراحات الماضي منذ عقود ..

التراجيديا الاستعمارية لم نعشها فقط نحن في الجنوب كمستعمرات قديمة أسست جزءا من هويتها الوطنية من خلال الصراع مع المستعمر ولكن كذلك في الإمبراطوريات الاستعمارية وبخاصة فرنسا إذ عاش جزء من نخبتها ومواطنيها فقدان مستعمراتها القديمة ،أو بعضها على الأقل،كعملية تمزق هويية وكبداية لانحدار حضاري اثر انهيار الإمبراطورية الاستعمارية..
وتذكر جيّدا كيف انقسمت فرنسا نخبا شعبا حول تقييم تجربتها الاستعمارية وكيف أراد اليمين منذ سنوات قليلة إدراج مفهوم «الدور الايجابي للاستعمار» في كتب التاريخ المدرسية ..
ولكن إن ننسى فلا ننسى أن تصريحات ماكرون في فيفري 2017 بالجزائر عندما كان مرشحا للانتخابات الرئاسية في بلاده قد مثلت بدورها منعرجا في علاقة السياسيين بهذا الماضي المشترك الأليم عندما قال ما لم يقله أي مسؤول سياسي كبير في بلاده : « الاستعمار الفرنسي للجزائر كان جريمة ضدّ الإنسانية» وكيف أن هذه الجملة قد البت ضده قوى عديدة ونخب سياسية وفكرية كادت تكبده هزيمة انتخابية ..

ولكن فوز ماكرون يدل بدوره على أن صفحة بصدد الطي بصفة نهائية ..
لقد طويت هذه الصفحة في تونس منذ مدة طويلة وخاصة في العلاقات الاقتصادية والتجارية والبشرية اليومية ولكنها لم تطو بصفة جذرية بمعنى أن هنالك مخيالا استعماريا بمعنى الكلمة (العداء المرضي أو التبعية العمياء) مازال يحرك بعض النفوس والعقول والحال أن البلدين بصدد البناء الفعلي لمستقبل تتقاطع فيه المصالح وكذلك الأهداف والقيم ..

فرنسا اليوم هي شريكنا الأول تجاريا واقتصاديا وهي شريك ايجابي كما لا توجد لنا شراكة مع أي بلاد أخرى إذ يكفي أن نعلم أننا صدرنا لفرنسا في سنة 2017 ما قيمته 10.5 مليار دينار من السلع واستوردنا منها حوالي 7.5 مليار دينار فقط وحققنا بذلك فائضا في المبادلات التجارية بـ3 مليار دينار في نفس السنة التي بلغ فيها عجزنا التجاري حوالي 15 مليار دينار كما توجد ببلادنا زهاء 1300 مؤسسة فرنسية باستثمارات جملية تناهز 1.3 مليار اورو أي قرابة 4 مليار دينار وهي تشغل 135.000 تونسية وتونسي في الصناعات المعملية بالأساس ..وبهذا تكون فرنسا أول مستثمر في تونس إذا ما استثنينا قطاع المحروقات..

وتؤكد هذه الأرقام لوحدها بأننا تمكنا من نسج شراكة إستراتيجية مربحة مع فرنسا استفدنا فيها من قربنا الجغرافي والبشري والثقافي مع بلاد الأنوار ،شراكة بإمكاننا تعميقها بمزيد الاستثمار والتصدير وخلق الشراكات الضرورية للاستفادة من التجربة الصناعية والعلمية والتجارية لكبريات الشركات الفرنسية خاصة في إفريقيا الفرنكوفونية..
والشراكة ليست فقط اقتصادية وتجارية بل ينبغي دفعها في مجالات التربية والثقافة والعلوم ..

بل ونزعم أنه بإمكاننا تحويل مجالات عديدة في التعاون الثقافي والعلمي والتربوي الى مشاريع ذات قيمة مضافة عالية ومردودية اقتصادية مرتفعة..

لقد شاءت حيل التاريخ أن تجعل موعدي الثورتين التونسية والفرنسية (14 جانفي و14 جويلية ) يشطران السنة نصفين متوازيين ولكن نحن لم نجعل بعد من ثورتنا مصدرا فكريا وثقافيا واقتصاديا لثروة تسهم في الرفاه العام للتونسيين..نحن لم نستثمر بالابتكار الكافي في اكبر واهم تجربة ديمقراطية في العالم العربي ..تجربة نريد منها جميعا الانخراط الكلي والكامل في العالم الديمقراطي دون ردّة إلى الوراء ..

لقد شاءت الصدف أن يترأس اليوم بلدينا رجل شاب يريد أن ينظر إلى المستقبل وأن يطهره من عقد الماضي ورجل كان شابا أثناء حركة التحرير الوطني ، شاب يحكم بلدا سن ثورته منذ ما يقارب القرنين ونصف القرن مع شيخ مازالت ثورة بلاده لم تتجاوز العقد من الزمن..
ولعل التاريخ يريد أن يقول لنا بأن العبرة ليست بالسن ،سن الرئيس أو سن الثورة ،بل العبرة بجدوى المشاريع المشتركة وبالتخطيط لشراكة أكبر وأهم وأوسع ،شراكة تحررت من عقد الماضي وتتأسس على رؤية طموحة للفضاء المتوسطي كإطار لرفاهية مشتركة ..
نحن أمام نافذة تاريخية لا يحق لبلدينا أن يفرّطا فيها

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115