رئيس الحكومة يشرح سياسته الاقتصادية والاجتماعية: أرقام وإصلاحات وتمنيات ..

قدم يوم أمس رئيس الحكومة أمام مجلس نواب الشعب الميزان الاقتصادي للسنة القادمة وقد أراد في كلمته توضيح الإطار العام الذي تندرج فيه خطة الحكومة وما هي الأهداف المرقمة لكل السياسات العمومية

وكذلك الإصلاحات الهيكلية التي ستبدأ بصفة ملموسة خلال السنة القادمة..

حرص يوسف الشاهد في البداية على رسم نوع من المحصلة الاقتصادية للسنة الحالية فلم يذكر إلا ما اعتبره انجازات ايجابية من تطور ايجابي للفسفاط والسياحة وبعض الصناعات المعملية وما نجم عنه من تجاوز عتبة %2 في النمو للثلاثي الثالث وكذلك التطور اللافت في التصدير ..

وتغيب عن هذه اللوحة الوردية التراجع الكبير في قطاع المحروقات وأننا لم نتمكن من الاقتراب من معدلات إنتاج الفسفاط في 2010 وان الواردات تنمو بنسق أرفع من الصادرات وأن نسبة التغطية في تراجع ..هذا دون الحديث عن التراجع الكبير للدينار مقابل اليورو والدولار والتفاقم المطرد للمديونية فهذه أجزاء هامة جدا في الصورة قد غابت وحضورها ضروري لكي تكتمل الصورة وندرك حقيقة التحديات الراهنة وأننا رغم بعض الايجابيات إلا أن اقتصادنا مازال في مرحلة ضعف كبيرة ومازال غير قادر على البدء في مقاومة البطالة والحدّ من التفاوت الجهوي ناهيك عن القيام بالإصلاحات طويلة المدى في التربية والصحة وتهيئة مدننا ومحيط حياتنا..

ثم إن القول بأن هذه هي المرة الأولى التي تم فيها تحديد «أهداف واضحة ومرقمة» للسياسة الاقتصادية مجانب للصواب إذ يكفي أن نذكر المخطط الخماسي للتنمية على سبيل الذكر لا الحصر لنرى معطيات مرقمة وأهدافا واضحة ولكن يبقى السؤال :هل تحقق كل ما وعدتنا به الحكومات السابقة ؟

طبعا لا بما في ذلك حكومة الشاهد نفسها ،فالأهداف المرسومة لـ2017 لم تنجز حتى وان اقتربنا منها في بعض المجالات ولا يعود الخطأ فقط لعمل الحكومة إذ هنالك عوامل عديدة ومعقدة جلّها خارج عن سيطرة السلطة السياسية ولكن الخطأ هو في وضع فرضيات وردية أو نصف وردية للتهوين من الأزمة الآنية ثم نعمد الى ترقيع البون العام بين التوقعات والمنجز بميزانية تكميلية تجاوزت لهذه السنة ملياري دينار !!

فحتى ما قاله رئيس الحكومة عن تحقيق نسبة نمو ما بين %2.2 و%2٫3 هو مبالغ في التفاؤل فنحن لن نصل إلى %2.1 على الأرجح ..نحن لا نناقش في فواصل بسيطة بل في سوء تقدير قد يتجاوز %10 من التوقعات المحينة لهذه السنة التي لم يبق في عمرها سوى أسابيع معدودات ..

فعندما تبرمج الحكومة %2.5 كنسبة نمو لهذه السنة ولا تنجز إلا %2 فكيف نثق بتوقعاتها لانجاز %3 في 2018 و%4 في 2019 و%5 في 2020 ؟ ! فحتى طبيعة الأرقام ذاتها توحي بأننا أمام تمرين كتابي لا استقراء مدقق لتطور البلاد خلال السنوات الثلاث القادمة..

إذن فالأدق أن نقول أن كل حكومات ما بعد الثورة – بما فيها هذه الحكومة – تبرمج على السيناريوهات الفضلى ولكنها دوما تنجز دون ذلك..

في الحقيقة هنالك تحديان اثنان أمام الاقتصاد الوطني على المديين القصير والمتوسط وهما الإصلاحات الهيكلية والإنعاش الفعلي للدورة الإنتاجية..

أما الإصلاح الجذري على المدى الطويل فهو حتما في إصلاح منظومتنا التربوية والتكوينية إصلاح لم نشرع حتى في بدايته ولا ندري حتى ما هي طبيعته ومستوجباته ..

هنالك إصلاحان شرعت الحكومة في رسم خطوطهما الجوهرية وهما المتعلقان بمنظومة التقاعد والوظيفة العمومية ..

اليوم أصبحنا نعلم انه من الضروري الترفيع في سن الخروج إلى التقاعد بسنتين في المنظور القريب وبأكثر من ذلك على المدى المتوسط كما شرعنا في جملة من الإجراءات للحدّ من عدد الموظفين عبر برامج كالتقاعد الاختياري أولا والخروج الطوعي ثانيا .. ولكننا مازلنا في بداية الطريق ،وهذه الإجراءات على اهميتها لا تضمن لوحدها اصلاحا فعليا لمنظومتي التقاعد والوظيفة العمومية ..

ولكن نحن في الطريق الصحيح حتى وان كانت خطانا بطيئة ويمكن ان نقول نفس الأمر بالنسبة للدعم ،فالإجراءات المحتشمة جيدة ولكنها غير كافية ..

ويبقى الإشكال الأكبر في ذلك النزيف الذي يسمى مؤسسات عمومية والتي ناهزت ديونها المتراكمة 6 مليار دينار ..ونحن نحتاج هنا إلى جرأة كبيرة ولكن إلى بيداغوجيا إصلاحية أيضا تبين أن المصلحة العمومية لا يحققها فقط القطاع العمومي بل قد يتفوق فيها القطاع الخاص كمّا وكيفا..

تونس تحتاج إلى رجة قوية لتستعيد الحدّ الأدنى من نسق إنتاجها وبالتالي نموها ،وهنالك اليوم إجماع حاصل ،حتى بالصمت،بان النمو هو المهمة الأساسية للقطاع الخاص .. والقطاع الخاص لا يعني المجاميع الكبرى فقط بل كل باعث مهما صغر حجم مشروعه ،هو الذي يسهم في الثروة الوطنية..

وهنالك منطقان عادة ما يختصمان : الجباية كمحاسبة والجباية كتدبير للانطلاق الاقتصادي حتى وان كانت بعض الخسائر في البداية..

لقد قلنا في تونس منذ ثلاث سنوات على الأقل بان التخفيض في الجباية هو حجر نضرب به ثلاثة عصافير : دفع الاستثمار والحدّ من الاقتصاد الموازي وتوسيع رقعة دافعي الضرائب ..

هذه القاعدة جرّبت فصحّت ،فلم ننظر إليها بوجل وننتقص منها ذات اليمين وذات الشمال لاعتبارات محاسبية دون أي أفق اقتصادي ؟

يبقى أن نقول نهاية بأن دروب الإصلاح مازالت ممكنة وأن إخراج بلادنا من نموها الهش هو أولوية الأولويات فكل إصلاح يصبح أيسر عندما ينتعش الاقتصاد على عكس ما يعتقده الكثيرون..

لابد من مصارحة أنفسنا : السنوات القادمة ستكون عسيرة ولا مخرج لنا منها سوى العمل والإنتاج وتحسين الإنتاجية وسلوك طرق الإصلاح..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115