ضحية غياب التوافقات والغيابات وحضور الحسابات: الهيئة والانتخابات بين هيت وهات

هنالك قاعدة قديمة في كل الحضارات تقول بأنّ الغائبين هم دائما على خطأ ..ولكن العبقرية التونسية الفذّة تمكنت من تكذيب هذا الإجماع العالمي في الزمان والمكان فعندنا الغائبون هم أصحاب القرار والحاضرون لا يمكنهم إلا أن يكونوا شهودا على ديكتاتورية الغياب ..


يوم أمس فشل مجلس نواب الشعب في سدّ الشغورين المتبقيين في هيئة الانتخابات .وهذا الفشل كان حتى قبل مجرد المحاولة باعتبار أن عدد الحضور لم يبلغ إلاّ 129 نائبا في حين أن الحد الأدنى لأي مرشح ينبغي ألاّ يقل عن 145 ..

لاشك أن الخلافات بين الأحزاب والحسابات السياسية كانت حاضرة بقوة وعطّلت بالتالي عمل هيئة دستورية وذلك بغض النظر عن إجراء الانتخابات البلدية في 17 ديسمبر 2017 أو حتى بعد سنة كاملة ..

ولكن فوق كل هذا كان هنالك 88 نائبا غائبا من أصل 217 أي أكثر من %40 !!

نعم أكثر من %40 من النواب كانوا غائبين لأسباب لا نعتقد أن كلّها متعلق بغياب التوافقات وحضور الحسابات أو الظروف الشخصية القاهرة..

نحن نرجّح بأن العدد الأكبر من هؤلاء الغائبين هم من المستهترين بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم عندما قبلوا بأن يترشحوا للحصول على ثقة الشعب وعندما أدوا القسم الذي قالوا فيه « اقسم بالله العظيم أن أخدم الوطن بإخلاص وأن التزم بأحكام الدستور وبالولاء التام لتونس»

فأين الإخلاص وأين الالتزام وأين الولاء ؟ !!

اليوم تدفع تونس كاملة بما في ذلك أغلبية النواب فاتورة الاستهتار المستمر للثلث الغائب المعطل ..

كما يدفع مجلس نواب الشعب فاتورة تراخيه في الردع الجدي لهذا الاستهتار ..فكيف نريد دفع البلاد نحو العمل بينما يرفض الثلث المعطل مبدأ العمل ذاته وكأنّ انتخابه كان تتويجا لمسيرة بطولية وتشريفا آنيا ولا وجود فيه لعنصر التكليف والمسؤولية والمساءلة..

جميل جدّا أن نتحوّط في طريقة انتخاب أعضاء الهيئات الدستورية كأن نشترط تصويت ثلثي أعضاء المجلس النيابي ولكن يجب علينا مقابل ذلك أن نجد حلاّ نهائيا للغياب المزمن لهذا الثلث المعطل ..

لو كان هنالك من مجال لتنقيح الدستور لوجب البدء أولا وقبل كل شيء بمعضلة هذا الثلث المعطل كأن نقرّ فصلا دستوريا يقضي بشطب كل نائب تغيب في عدد معيّن من المناسبات دون عذر شرعي..

بعد ذلك نأتي لمناورات وخلافات الحاضرين وللكتل النيابية التي تبيح لأعضائها الغياب أو أحيانا تشرعه لهم..

العبرة في كل شيء دوما بالخواتيم..

ففي المحصلة لدينا هيئة انتخابات معطلة ، رغم ترديد أعضائها بأن الهيئة

جاهزة ،لأنّنا لا نحسن الفصل بين المسارات ولأننا عادة ما نترك عمل اليوم إلى الغد ، فبينما كنّا قاب قوسين أو أدنى من سد الشغور في أواخر جويلية الفارط ها نحن أمام زقاق لا ندري كيف الخروج منه وحتى لو توافقت جل الكتل فكيف سنحفز هذا الثلث الغائب المعطل على الحضور ؟ !
لا نريد العودة إلى الوراء وإحياء جروح مازالت تنزف والتذكير بلحظات ومواقف لا تشرف الديمقراطية ولا مجلس نواب الشعب..

ينبغي ان ندرك بان كل تسفيه جذري لممثلي الشعب هو في نهاية الأمر تسفيه للديمقراطية وتمهيد - من حيث ندري أو لا ندري – للاستبداد ..ولكن نحتاج الى صورة اخرى ،الى وعي بدقة المرحلة وخطورتها والى الوفاء للقسم الذي اقدم عليه كل نائب ..

كم كنّا نود لو تم سد الشغور يوم أمس ثم توافقت الكتل أو الأحزاب على تأجيل الانتخابات لموعد محدد ولاحق فذلك أليق بالديمقراطية وبالدول الجدية أمّا ترك الحبل على الغارب إمّا بالاستهتار بالمسؤولية عند الثلث الغائب المعطل أو بغلبة الحسابات السياسوية عند بعض الحاضرين فذلك لا يزيد أوضاع البلاد إلا تعفنا ..

مازال بالإمكان تلافي ما كان ..فلا تلقوا بما بقي من الأمل في قلوبنا

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115