في خطاب رئيس الجمهورية: خطوط التماس بقيت على حالها

لقد سعى بعض مستشاري رئيس الجمهورية إلى رفع قوي وغير مسبوق لسقف الانتظارات من خطاب رئيس الجمهورية يوم أمس بقولهم بأنه سيكون في تونس ما قبل وما بعد 10 ماي 2017..ولقد أساء هذا التسويق المسبق للخطاب أكثر ممّا خدمه ..


في المحصلة لم يكن خطاب رئيس الدولة مفاجئا ولا معلنا عن قرارات جسورة .. بل جاء في جوهره للرد على منتقديه ومنتقدي الحكومة ليقول بوضوح بأنه لا سبيل للتفريط في أهمّ مكاسب الثورة: الحرية والديمقراطية والمؤسسات المنتخبة وأن هنالك انتخابات عامة تشريعية ورئاسية قد جدّت في خريف 2014 وأفرزت شرعيتين لا جدال فيهما : رئيس جمهورية منتخب لأول مرة انتخابا حرا وعاما وشفافا ومباشرا ومجلس نيابي تعددي وبنفس شروط الشفافية .. إذن الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها إنما هي لغو وان هذه الحكومة بصدد تحقيق بداية الإقلاع الاقتصادي إذ بدأت جلّ المؤشرات تخرج من المناطق الحمراء الداكنة ..

كما أكد رئيس الدولة على تمسكه بالمبادرة التي أطلقها حول المصالحة الاقتصادية باعتبارها ، حسب رايه ، الوحيدة القادرة على إخراجنا من «عنق الزجاجة».

ولكن الجديد نسبيا في خطاب الباجي قائد السبسي هو النبرة الدرامية التي بدا بها وتأكيده في أكثر من مناسبة على أن الانتقال الديمقراطي مهدد بصفة جدية في البلاد وهو مهدد ، وفق ما يقول ، من كل الذين لا يريدون التحاكم فقط إلى المؤسسات المنتخبة ومجلس نواب الشعب تحديدا..

فكل دعوة لمعارضة قانون المصالحة ، على سبيل المثال ، خارج قبة باردو وان كانت قانونية إلاّ أنها لا تدعم المؤسسات الديمقراطية كما رفض رئيس الجمهورية كل دعوات حوار وطني خارج إشراف السلطتين التنفيذية والتشريعية معتبرا أنّها تسهم هي الأخرى في إضعاف الديمقراطية هذا دون الحديث عن الدعوات التي لا تعترف أصلا بمؤسسات الدولة كما يفهم ذلك من بيان تنسيقية المعتصمين بالكامور..

لقد سعى رئيس الجمهورية إلى المبالغة في كل ما اعتبره مخاطر محدقة بالمسار الديمقراطي حتى يبرر بذلك دعوته الجيش الوطني – بعد استشارة مجلس الأمن القومي – لحماية مواقع الإنتاج الأساسية وأن الدولة لن تتهاون ، من هنا فصاعدا ، مع كل احتجاج أو تجمع خارج عن الإطار القانوني ولاسيما عندما يمنع حرية الشغل أو التنقل ..

في المحصلة لم يأت خطاب رئيس الجمهورية بجديد يذكر عدى هذه النبرة الدرامية في تصوير المخاطر على الانتقال الديمقراطي إذ أكد في اغلب ردهات خطابه على ثوابت سياسته منذ توليه رئاسة الدولة ، كما وضع حدّا ، بصفة مؤقتة على الأقل ، لدعاوى تغيير القيادة السياسية في البلاد أو إجراء انتخابات سابقة لأوانها ولكن هذا الخطاب الذي جاء في منتصف العهدة الانتخابية للباجي قائد السبسي لم يغير خطوط التماس مطلقا ..إذ لم يطلق فيه أية مبادرة جديدة من شأنها تغيير التموقعات السياسية..

لاشك أن هنالك شعورا بأزمة خانقة تعيشها البلاد ولكن رئيس الدولة يريد أن يعتقد أن تحسن مؤشرات الاقتصاد وبسط الدولة لنفوذها على كل شبر من تراب الجمهورية قد يساهمان في قلب ظهر المجنّ وفي تحويل التشاؤم إلى تفاؤل نسبي ..

خطاب رئيس الدولة وان لم يغيّر من خطوط التماس لكنه قد يدفع بتوتر إضافي خاصة في اعتصام الكامور ..ولكن لابدّ من التنبيه كذلك إلى احتمال زيغ هذا الاعتصام عن أهدافه الأولى وسلوكه نهجا مغامرا قد يضر بالمعتصمين أولا وبالبلاد ثانيا (انظر مقالنا حول بيان تنسيقية اعتصام الكامور )..

لاشك بأن الأغلبية الحالية منتخبة لخمس سنوات وأن كل المعطيات تشير إلى أن التحالف الحاكم مازال حائزا على أغلبية الأصوات حسب كل استطلاعات الآراء ولكن كل هذا لا ينفي وجود أزمة سياسية واجتماعية حادة وأن صورة السلطة الحالية بكل مكوناتها قد ترهلت كثيرا وأن البلاد بحاجة إلى نفس جديد..ولكن رئيس الدولة الواعي بكل هذا اختار المراهنة على الزمن وعلى إعطاء الزمن للزمن كما يقول الفرنسيون ..

مراهنة ، وحده الزمن قادر على الحكم النهائي لها أو عليها..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115