«ألهاكم التكالب على السلطة عن أداء أدواركم الأساسية»

يبدو أنّ بعض الأئمة يعانون من أزمة في اختيار موضوع خطبة الجمعة ولذا رأيناهم يبحثون عن آخر «المستجدات» علّها تسعفهم بمادة تشد أنظار المصلين وتحقق لهم الشهرة المأمولة. وبعد أن شرّفنا بعض الأئمة بجعلنا في مركز اهتمامهم فأفردوا

خطبا مسجدية للحديث عن ألفة يوسف ونائلة السليني وآمال قرامي ها أن إمام جامع بخزندار يخصص موضوع الخطبة للحديث عن المسرحية «'ألهاكم التكاثرُ» فهل نعتبر ذلك انفتاحا على عالم الفنون وتشجيعا للفنانين بالإشهار لأعمالهم من داخل دور العبادة وتعصيرا لخطبة الجمعة أم أننّا ندرج ذلك في إطار الحملة الممنهجة على المبدعين؟

ليست مسرحية «ألهاكم التكاثرُ» إلاّ أداة لتحريك مشروع الأسلمة من جديد ولا غرابة في ذلك فالقوم حلفوا بأغلظ الأيمان أنهم سيقاومون مظاهر الخلاعة كالرقص والتمثيل ...ولكن أساليب المقاومة هذه المرّة مختلفة عن السابق. فباسم الدستور والفصل السادس تضرب الوصاية على الآخرين وكأنّ هذه الفصول تحمي حقوق المنافحين عن المقدسات وتنفي عن الآخرين الحق في الإبداع والتعبير...ومعنى هذا أنّ تأويل مواد الدستور يجري في اتجاه حراس الشريعة. وباسم ثقافة المواطنة ومفردات حقوق الإنسان تنصب محاكم التفتيش وتترسخ آليات التأثيم والوصم،وباسم الدفاع عن الإسلام والله والمسلمين والمقدسات تصادر الحريات وباسم النصح والإرشاد ومتابعة الشأن العام ومساعدة ضحايا التصحر الديني يروّع المبدعون بأساليب 'حضارية' تمتزج بالتهديد ...وببسمة حلوة على الشفاه تخفي الوعد والوعيد ''فمن أنذر فقد أعذر''.

غير أنّ ضعف أداء «الناطقين نيابة عن الله وجميع المسلمين» على الركح واستعمال وسائل عفا عليها الدهر سرعان ما تفضح المستور. فلا تلاوة القرآن تشفع لهم ولا الاحتماء وراء نصوص «مالك» تحجب ما يبطنون. فالصراع الذي يشن باسم الدفاع عن القرآن من نقابة حوّلت وجهة عملها يخفي صراعا أساسيا وهو الضغط من أجل إنشاء المجلس الإسلامي ومنحه صلوحية الحسبة ومراقبة كل مظاهر الحياة وتحويله إلى مركز سلطة تبطش بالناس. ثمّ منح أساتذة الزيتونة المرئية المطلوبة في كل وسائل الإعلام فهم يحتكرون فهم الدين وتأويل نصوصه وهم أشرف من سواهم الذين خدموا مشروع بن عليّ، والحال أنّ أغلب حاملي بطاقة التجمع من الجامعيين والمحافظين على تقليد رفع رسائل الشكر لابن عليّ بعد عقد الندوات معروفون والتاريخ يشهد بذلك.

ويأتي بعد إعادة الاعتبار للعلماء وتصفية الحساب مع الإرث البورقيبي تعزيز دور نقابة الأئمة لتتمتع بسلطة النفوذ فترسل المخبرين الذين «يتلصصون» على هذا العمل أو ذاك ويحبّرون نصوص الإدانة ويؤلبون الجماهير ضد هذا المبدع الكافر أو تلك الفنانة العاصية التي لم ترضخ لتهديداتهم... وليس الهدف من كل هذه «المسرحة» للمقاومة الدينية إلاّ مدّ اليد على الفضاء العام وارتهان الثقافة والهيمنة على المجال الديني ولجم بقية الدارسين والدارسات للشأن الديني وحجبهم عن وسائل الإعلام حتى لا يهيمنوا على الجماهيرBlack list.

مرحا لنا إذن مرحا بانتصاب ديوان الحسبة فقريبا سيحتل المخبرون جامعتنا ودور الثقافة والمسارح ودور السينما والمؤسسات الإشهارية والإعلامية ... ولعلّ أسوأ ما في الأمر استنساخ النماذج: فسيكون لنا «يوسف البدري» وهو متخصص في رفع قضايا الحسبة بمصر وسيكون لنا دعاة يفتون في المسرح التجريبي والفن السريالي والتكعيبي والنحت والرواية الاكترونية وغيرها. ولا ضير في ذلك مادام مفتي الجمهورية والناطق عن سياسات الحكومة والمعبر عن خيار الدولة المدنية والجمهورية يساند مشروع «تديين الثقافة» والاستبداد باسم النطق نيابة عن الله علّ القوم يغفرون زلاته... وحين يعجز منتجو الخطاب الديني عن إضفاء المعنى وتعوزهم الكاريزما يتخذون المبدعين كبش فداء لجلب أنظار وسائل الإعلام علّ وعسى يصبحون نجوم الركح...

ويبقى إمام الحيّ مثالا في الاستقامة والورع والزهد في السلطة... بصوته الحنون الشجي يطربك ، وبسماحته المعهودة يرتقي بك إلى أفق أرحب، وبخطابه التجديدي يقودك إلى مسالك التدبر في النص والتمحيص في الحجج العقلية قبل النقلية فينأى بك عن الاتباع وينمي فيك الشوق إلى الحكمة ...«اللّهم كثّر من أمثاله».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115