في خطاب الرئيس في روضة آل بورقيبة وفي اجتماع مجلس الامن القومي: هل ترسم السلطة حدود وضوابط للمعارضة؟

لطالما حمل الخطاب السياسي لرئيس الجمهورية قيس سعيد

عناصر ترشد من يتتبعها إلى بعض مكنونات الفكر السياسي الذي يقوم عليه مسار 25 جويلية ومنها علاقة المسار وزعيمه بالخصوم السياسيين أي المعارضين والدور الذي يرسمه لهم بل والحدود التي يرغب في أن تتحرك فيها هذه القوى التي يقرّ نظريا بأحقيتها في الوجود لكنه يرفض تمظهراتها.

فقد كشف الرئيس من ضريح الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بالمنستير عن ان السلطة التي هو رئيسها، لا ترفض ان يتم نقدها بل ترحب بمثل هذا النقد من منطلق ان السلطة بطبيعتها لا يمكن ان تكون محل قبول من الجميع كما انها وبحكم طبيعتها ايضا «تفرز الاحتجاج» وهنا بين الرئيس ان فكره السياسي لا يقوم على رفض التنافس السياسي ولا على الغائه اذ طالما توجد سلطة توجد معارضة.

معارضة قال الرئيس في خطابه يوم الأحد 7 أفريل الجاري انه عليها ان تلتزم بإطار دستوري وقانوني يرسم حدود التعايش السلمي بينها وبين السلطة، اي انه يجب عليهاد ان تنضبط للقواعد السياسية التي يقوم عليها نظام حكم 25 جويلية والتي أعادت تشكيل المشهد السياسي من مقاربة مسار 25 جويلية الذي لا يخفي القائم عليه - وهو رئيس الجمهورية- موقفه الواضح من الأحزاب ومن الاجسام الوسيطة كما عبر عنه في حوار له نشرته صحيفة «الشارع المغاربي» في الحملة الانتخابية لسنة 2019 او في القانون الانتخابي والتراتيب التي نظمت الاستحقاق التشريعي بغرفتيه، مجلس النواب ومجلس الأقاليم والجهات.

اي اننا امام أمام خطاب يقدم لنا عناصر البناء السياسي الجديد لتونس القائم على مفهوم جديد للحكم وتوزيعه وعلى الموقف من الأجسام السياسية الوسيطة التي يحول النظام السياسي بينها وبين وجود واضح في الحكم مع ترك مساحات لها للتواجد في الفضاء العام وفق ما يضبطه القانون. وذلك وفق مقولة الرئيس «لا يمكن القبول بالرجوع الى الوراء» والقصد هنا لا يقف عند ظاهر اللفظ بعدم العودة للممارسات السياسية بل يشمل ما كانت عليه منظومة الحكم السياسية من تنظيم ومن هيكلة.

لتتضح الصورة أكثر يجب تتبع خطاب السلطة التنفيذية في كل مناسبة والتقاط ما تحمله من عناصر بالموقف من بقية الفاعلين السياسين من خارج دوائر الحكم والقرار، فالرئيس الذي قال في 7 افريل الجاري بانه لن يقبل ترشح طرف او مجموعة للانتخابات الرئاسية ترتمي في احضان الخارج وتواليه، وكرر ذلك بصيغة اخرى في خطابه يوم 15 افريل في اجتماع مجلس الامن القومي بدعوته العواصم الغربية الى الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية التونسية.

السلطة التي اقرت للمعارضة بأحقية النشاط السياسي العلني و بشرعيته كشفت عن ان لهذا الحق -من وجهة نظرها- ضوابط تتعدى الإطار السياسي والدستوري الجديد للبلاد، لتكون أشبه برسم حدود مادية للفعل السياسي والتحرك، فالخطاب السياسي القائم على وسم جزء من أفراد المعارضة بأنهم متآمرون وانهم موالون للخارج ويستهدفون الشعب والدولة، ضمنيا، خطاب يعلن عن معاداة ورفض لكل اشكال الفعل السياسي او التنظم التي انتهجت خلال هذه السنوات في تونس من قبل عائلات سياسية عدة.

الرئيس وهو يتهم معارضين له بالتآمر أعلن ان الادلة والبراهين متوفرة وتبين تأمرهم في السابق وتأمرهم اليوم من خلف قضبان السجن، دون توضيح ماهية الأفعال او التحركات أو الجرمة وجعلها مطلقة عامة، وكأنه بذلك يعلن ان اي فعل سياسي او احتجاجي حتى يكون مشروعا عليه ان يحظى بقبول السلطة او ان يكون في حدود الإطار السياسي والمضموني الذي ترسمه، هنا تترك السلطة هامشا لتأويل خطابها السياسي على انه رفض لاية أنشطة سياسية تتعارض في جوهره مع «الفكرة الاصلية» لمسار 25 جويلية القائمة على مفهوم السيادة الشعبية، بكل تفرعاتها.

ولا تقف الحدود المادية المرسومة للعمل السياسي عند هذا الحد، بل تتضمن كذلك الاطر التي تراها السلطة مناسبة للعملية السياسية ومنها أن الحوار السياسي او الاجتماعي يعقد في اطار مؤسسات الدولة التي افرزتها منظومة 25 جويلية ومنها البرلمان.

هنا انتقد الرئيس عدم مشاركة البعض في ما وصفه بالحوار السياسي في 2022 في اطار ما عرف باسم لجنة بالعيد وما أنجزته من اشغال انتهت الى تقديم مسودة مشروع دستور جديد لرئيس الدولة في النصف الاول من سنة 2022 مختلف عن المشروع الذي دعا التونسيين للاستفتاء عليه.

هذه العناصر اذا وقع الربط بينها تقدم لنا ما يمكن اعتباره تصور السلطة لهوية خصومها وطبيعتهم وأدوارهم في الحياة السياسية، وهو تصور جوهره عدم الرضا على تمثلات المعارضة الراهنة باعتبار انها لا تستجيب لاستحقاقات مسار 25 جويلة وطبيعة مهمته وهي «التحرر والتحرير»، وكان السلطة هنا تريد ان تشكل معارضتها وفق قناعاتها السياسية وان تتنافس معها على ذات المشاريع. وفي هذا نفي للمعارضة ودورها بطريقة غير مباشرة

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115