بعد صدور قرار غير ملزم لوقف اطلاق النار وتغير الخطاب السياسي الغربي: هل أفاق الضمير الغربي، أم هي مناورة؟

أيام قليلة فصلت بين لجوء الولايات المتحدة الامريكية

الى حق النقض «ّالفيتو» لمنع مجلس الامن من اصدار قرار بوقف اطلاق نار انساني في قطاع غزة وبين اقرار الجلسة العامة للامم المتحدة بالاجماع لقرار غير ملزم بوقف اطلاق النار في قطاع غزة الذي عقبه بيان ثلاثي صادر عن كندا ونيوزيلاندا واستراليا دعا إلى هدنة انسانية تمهد لوقف دائم لاطلاق النار في غزة.

تطورات في المشهد الدولي تعكس اليوم حجم الرفض العالمي للحرب على قطاع غزة والتي بلغت يومها الـ 68 واسفرت عن ارتقاء 18 الف شهيد جلهم من الاطفال والنساء واصابة اكثر من 50 الف اخرين، اضافة إلى ما نتج عن القصف العنيف من تدمير كلي أو جزئي للبنية التحتية والمرافق الاساسية التي من بينها المستشفيات التي خرج 22 منها عن الخدمة مما فاقم الاوضاع الصعبة التي يعيش على وقعها 2,2 مليون فلسطيني في غزة.

هذه الحصيلة الثقيلة من الضحايا وحجم الدمار الرهيب دفعتا جل المجتمعات الغربية الى التظاهر والانتفاض ضد حكوماتها وسياساتها الداعمة للاحتلال وحربه على القطاع والتي كانت تحظى عشية انطلاقها بدعم غربي منقطع النظير تحت حجة حق الدفاع عن النفس التي تهاوت سريعا امام صور القتل والدمار وتصريحات قادة الاحتلال العنصرية والفاشية.

انهيار سردية الاحتلال حول حربه وعن احداث 7 اكتوبر الفارط وتشكل رأي عام دولي داعم للفلسطينين وقضيتهم أدى بعد اسابيع عدة الى تعديل التوازانات الدولية وانفضاض الجمع من حول دولة الاحتلال التي لا تجد غير ادارة جو بايدن الرئيس الامريكي في صفها.

دعم امريكي عبر عن نفسه بلجوء الولايات المتحدة إلى حق النقض «الفيتو» في عدة مناسبات منذ بداية الحرب لمنع تمرير قرار هدنة او وقف اطلاق النار، اضافة الى اقامة جسر جوي مفتوح لنقل العتاد والسلاح والذخيرة الى الاحتلال لتمكينه من الاستمرار في الحرب على القطاع، انتهيا بأن باتت ادارة بايدن محاصرة بين ازماتها الداخلية -وهي مقبلة على انتخابات رئاسية في 2024 - وبين تفكك مكانتها الدولية وبداية تصدع تاثيرها الديبلوماسي حتى على حلفائها المقربين.

وتجد امريكا نفسها اليوم الداعم الوحيد للاحتلال بعد ان انقلبت مواقف جل حلفائها التقليديين وابرزهم بريطانيا التي امتنعنت في مجلس الامن او في الجلسة العامة عن التصويت فيما اختارات كل من كندا واستراليا ونيوزيلندا اصدار بيان مشترك طالبت فيه بضرورة استئناف «الهدنة الإنسانية» في غزة ودعم الجهود الدولية الرامية إلى وقف إطلاق نار دائم كما اعتبرت ان هزيمة حماس لا يمكن ان يكون ثمنها معاناة الفلسطنيين.

هذا القول الصريح يشير الى أن ابرز ثلاث دول كانت داعمة لحرب الاحتلال واهدافه المعلنة وهي تحرير الرهائن والقضاء على حماس، قد عدلت كليا من موقفها وباتت تعتبر -حتى وان لم تصرح بذلك مباشرة- ان الخيار السياسي والمفاوضات هما الحل الانسب اليوم لتحرير الاسرى وايجاد حل دائم للصراع في المنطقة وهذا يعني ضمنيا ادماج حماس في المعادلة السياسية وذلك ما يتناقض كليا مع تصورات الولايات المتحدة الامريكية.

هذا التناقض المعلن في موقف الدول الغربية الداعمة للاحتلال في ما يتعلق باستمرار الحرب او مستقبل غزة بعد الحرب، تزامن مع خطاب مختلف نسبيا صدر عن الرئيس الامريكي جو بايدن في تصريحات له مع وكالة «رويترز» اعلن فيها ان الاحتلال فقد الدعم الدولي لحربه على غزة وان حكومة الاحتلال هي الاكثر تطرفا ولابد من تغييرها.

هنا، حديث الرئيس الامريكي عن فقدان الدعم فيه اشارة صريحة إلى ضرورة انهاء الحرب التي يتكبد فيها الاحتلال خسائر ضخمة ونوعية، وهذه الاشارة تعكس ان الولايات المتحدة لا يمكنها ان تستمر طويلا في دعم حرب الاحتلال وانها تريد منه تقديم تنازلات سياسية كاجراء تغيير حكومي تمهيدا لحل سياسي للحرب وللمنطقة، أي انها ترغب اليوم من الاحتلال ان يستعد سياسيا لمرحلة ما بعد الحرب، التي وان كان الخطاب المعلن بشانها ينادي باقصاء المقاومة وحماس من المعادلة، الا ان التطورات أدت إلى العكس وكشفت عن اننا اليوم في مرحلة جديدة في الحرب عنوانها الابرز: تهيئة أرضية سياسية لما بعدها.

هذه المرحلة ما كان يمكن لها ان تتحقق لو لا صمود المقاومة وقدرتها على فرض القضية الفلسطينية من جديد كقضية احتلال في الساحة الدولية، و كان ثمن ذلك باهضا في الارواح والاملاك.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115