مناقشات مشورع قانون المالية: مجلس النواب يتعثر في أولى مهامه

مع اقتراب مناقشات مجلس النواب لمشروع قانون مالية لسنة 2024

من نهايتها يتضح بشكل جلي ان النواب مرّوا بجوار الحدث بعدم القدرة على لعب دور يتجاوز الخطابة البلاغية او حتى دفع الحكومة الى تقديم اجابات محددة وواضحة حول ما سيكون عليه الاقتصاد والوضع المالي لتونس في 2024، وهذا هو الحد الادني المنتظر من النواب الذين كانت لهم دون غيرهم امكانية مساءلة الحكومة ومحاورتها بشكل جدي.

اذ منذ 17 نوفمبر الجاري تاريخ القاء رئيس الحكومة لبيانه امام نواب المجلس، بات جليا اننا سنكون امام خطاب بلاغي عام لم يقدم اية تفاصيل يمكنها ان ترسم لنا صورة مستقلبية عن المشهد في تونس سواء أتعلق الأمر بمنهجية عملها او بالتصورات العامة لتنشيط الحياة الاقتصادية وخلق الثروة دون ان نغفل عن عدم رفع الغموض بشان مبلغ 10 مليار دينار تونسي وقع التنصيص على اقتراضها من الخارج دون تحديد للمصدر.

خطاب رئيس الحكومة وما غاب عنه من مضامين تسمح بمعرفة استراتيجية حكومته في المجال الاقتصادي والاجتماعي كان النموذج الذي انتهجه جل الوزراء بعده لدى مرورهم على البرلمان إما في الجلسة العامة او في جلسات اللجان، اذ حافظ جميعهم على ذات المنهجية التي تبرز بعض القرارات والمخططات بشكل منفصل دون قدرة على ربطها ببعهضا البعض لرسم استراتيجية واضحة المعالم معلومة الرهانات.

فجل ما قدمه الوزراء وعلى راسهم وزيرة المالية التي تولت الاجابة على استفسارات النواب في الجلسة الاولى عوضا عن رئيس الحكومة، كان الاشارة الى برامج عامة كوضع استراتيجية تتعلق بمجال محدد او التلويح بنية الوزارات برقمنة قطاعات تحت اشرافها، او احداث لجان جديدة للنظر في ملف اقتصادي او اجتماعي او تقني الخ. وكل هذا دون تقديم أية تفاصيل عملية تعلمنا ان هذا الطرح جدي، كالتكلفة المتوقعة وتاريخ الانطلاق والانتهاء ومن هي الجهة التي سيقع معها تتبع التطورات.

كل العناصر التي يفترض ان تكون حاضرة في مناقشة قوانين المالية والموازنات غاب القسم الابرز منها عن مداخلات الوزراء او عن من يمثلون السلطة التنفيذية كما غابت عن جل مداخلات نواب المجلس التي كان متوسط ساعات النقاش المخصصة لها يوميا ما يقارب عن ثلاث ساعات، كان القاسم المشترك فيها ان جل من تحدثوا القوا خطابات سياسية استعرضوا فيها بعض الاشكاليات الوطنية او الجهوية والمحلية بل وحتى الاشكاليات التي اعترضت افرادا بعينهم.

فقد تطرق النواب الى ازمة المياه والامن الغذائي واسترجاع الاموال المنهوبة وغيرها من الملفات لتسجيل مواقفهم السياسية او لطلب ايضاحات من الوزراء للاطمئنان على ان الحكومة في طور معالجة هذه الاشكاليات ولو بطريقتها الخاصة، كما كان عليه الامر في نقاش النواب مع وزيرة المالية حول التوازنات المالية وعن لجوء حكومتها للاقتراض لتمويل الميزانية.

مناقشات استمع فيها النواب الى اجابات الحكومة التي كانت عامة بدورها صالحة للاستعمال في نقاشات كل قوانين المالية التي مرت او ستمر على الجلسة العامة، من ذلك استمرار الحديث عن مراهنة الحكومة على تعبئة مواردها الذاتية وهنا لم يفتح اي نقاش بين الحكومة والنواب حول السياسات الجبائية أو مناقشة الاثار الاقتصادية الناجمة عن ترفيع الضغط الجبائي على الافراد او الشركات في ظل ازمة اقتصادية تونسية انعكست سلبا على الاستثمار وعلى الاستهلاك. هذا بالاضافة الى غياب اية مناقشة جدية نظرا لغياب الاستثمار العمومي وعدم التزام الحكومة بما وقع التنصيص عليه في بنود قانون المالية ذلك ان الخيارات السياسية والاقتصادية هي لبّ النقاش العام وخاصة النقاش البرلماني اذا تعلق الامر بقوانين المالية التي تعد نظريا خارطة الطريق التي تحدد اتجاه البلاد والعباد، وعن أية آفاق اقتصادية مستقبلية لنا كدولة ومؤسسات وافراد في ظل تعطل كل محركات الانتاج التي غاب الحديث عنها باستثناء الحديث عن «الثروات» كالفسفاط الذي يتطرق اليه النواب بدوره بشكل عام دون معرفة بتفاصيل الملف، الاجتماعية أو الاقتصادية أو التقنية.

مناقشات غابت عنها الجدية اللازمة التي تجعل منها حدثا سياسيا هاما في البلاد وخطة عمل للخروج من الازمات التي يستمر انكارها من قبل السلطة التنفيذية رغم كل المؤشرات الدالة عليها في مشروعها لقانون مالية 2024 او في قانون ماليتها التعديلي لسنة 2023، انكار يتجاهله النواب الذين كشفوا عن عدم المام جزء واسع منهم بالملف الاقتصادي والمالي، اذ باستثناء بعض النواب كان جل أعضاء مجلس النواب خارج نطاق التغطية.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115