هويتنا الدينيّة: إنجازات المدرسة الحديثيّة في تونس (2)

إعتنائهم بفن التواريخ، ليعلم منه تاريخ الراوي ووفاته، يقول سفيان الثوري: «لما أستعمل الرواة الكذب، أستعملنا لهم التاريخ» .

فالتاريخ مَثلَ أداة أساسية وكشاف للمحدثين في نقد الرواية واِكتشاف الوضع.

 فن الجرح و التعديل، وبه اِستطاعوا معرفة أحوال الرواة، فانكشف لهم الوضّاعون. وهو مطلب مهم جليل  إذّ عليه مدار التّمييز بين الصّحيح والسّقيم من الحديث وكان ذلك نتاج الرحلة التي أفادت علماء تونس في معرفة أحوال رواة الحديث، وذلك عن طريق اِحتكاكهم بالنّقّاد، وحضورهم مجالس جهابذة علم الرّجال مثل :سليمان بن مهران الأعمش (ت148هـ) ، واللّيث بن سعد (ت175هـ)، وهشيم بن بشير(ت183هـ) ووكيع بن الجراح (ت197هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (ت198هـ)، وأبي الحسن أحمد بن عبد الله العِجْلِي الكوفي (ت161هـ)، وأحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ) ، وغيرهم من المتكلمين في الرجال، والمقبول قولهم في الجرح والتعديل. وكان التونسيون ينقلون عن هؤلاء الشّيوخ ما أفادوه منهم ممّا يتعلق بأحوال الرّواة. وبالإضافة إلى ذلك فقد قاموا بإدخال جملة من المصنفات، المتعلقة بأحوال رواة الحديث ونشروها في تونس مماّ زاد في توطيد دعائم هذا الفن، مثل تاريخ يحي بن معين (ت 233هـ)، و «التاريخ الكبير» للإمام البخاري (ت256هـ) ، و»الأسماء والكنى» لأبي أحمد محمد الحاكم الكبير (ت378هـ)، وكتاب «الهداية و الإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد» لأبن نصر أحمد الكلاباذي (ت 398)...

 النظر في كيفية التحمل وأخذّ الرواة بعضهم عن بعض، وعن طريقه عرف العلماء اتصال الروايات من اِنقطاعها.. إلى غير ذلك من القواعد التي وضعوها لدراية الحديث، وبها حققوا أقصى ما في الوسع الإنساني، اِحتياطا لدينهم، وأرسوا أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأرقاها، وقد قلدهم فيها علماء الفنون الأخرى من لغة وأدب وتاريخ ونحوها، فابن خلدون الذي يعد من أوائل نقاد التاريخ، أستمد ذلك من معارفه الحديثية، فكان ذلك في تمييزه الزائف والسقيم من أخبار المؤرخين، فمقاييسه التي طبقها هي بعينها الأمثلة التي وضعها الإمام مسلم و الإمام المازري و القابسي لمعرفة المنكر من الحديث.

وقد أشار الشيخ «محمد الحبيب بن الخوجة» إلى الفوائد الجمة من إتباع هذا المنهج الحديثي العلمي بقوله :» ولا بدّ من ملاحظة ما مرّ به العلمَ من مراحل الرواية والتحمل والتبليغ و التصنيف وقد خالط ذلك ما أساء إلى هذا العلم من تدليس ووضع وكذب ممن كان عاجزاً عن الإشتغال به رواية ودراية ،نقد واستنباطا. وذلك بسبب طلب الشهرة وعلو المنزلة العامة، وهذا من صنيع الوعاظ والقصاصين وأنصار المذاهب وحماة السنة والذائدون عنها المحققون لها لم يَألٌ أحدهم جهداَ في نقد الرواة والتعديل والتجريح وضبط الأسانيد الصحاح فوضعت بذلك شروط التخريج وبينت معاني الحديث ووَضع الكتب في مصطلح هذا العلم عمداؤه حتى أصبح علم الحديث أكثر العلوم الإسلامية إتقاناَ وإحكاماَ ، وكتبه أسلم من الإخلال التي لحقت غيرها من التصانيف».   

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115