مرايا وشظايا: النشرة الجوية على الوطنية الاختلاف وأخلاق النفاق

«يعيبون لوني بالسواد وإنمّا... فعالهم بالخبث أسودُ من جلدي»، قالها عنترة بن شدّاد منذ الجاهلية

ولازلنا في عصر الحداثة نعيش بعقلية القبيلة وإن التحفنا بثوب الثورة التكنولوجية! 

في أولى ليالي رمضان، خطفت النشرة الجوية على التلفزة الوطنية الأضواء من صخب الدراما وتخمة الإشهار لسبب بسيط هو فسحها الشاشة لظهور مقدّم أسمر البشرة. وإن كان هذا حقا طبيعيا وبديهيا في بلد سبق أمريكا في إلغاء الرّق منذ سنة 1846، فقد أكدت أمريكا الأقوال بالأفعال وحكم الرجل «الأسود» باراك أوباما «البيت الأبيض»، أما في تونس فلم يكن التهليل والتكبير والإطناب في عبارات الشكر والثناء لمؤسسة التلفزة لمجرد هذا الحضور المشروع والحق الذي يكفله الدستور والقانون إلا دليلا على الخواء والانفصام ونفاق الإنسان لأخيه الإنسان.

منذ سنوات رحلت أفل معها نجم الأغنية التونسية أبدع علي الرياحي في «حبيتي زنجية، سوداء إفريقية» وغنّى الهادي الجويني «سمراء يا سمراء... بروحي نفديك»... وما بين الانزواء وشقاء الظهور، بقي «القمر الأسود» صلاح مصباح يدواي بالطرب وجعا وهو القائل:» لو كنت أبيض البشرة لنُصب لي تمثال في قلب العاصمة». فهل استطاع الفنّ أن يحرّرنا من بعض عنصريتنا وشيء من جهلنا؟

كثيرا ما ندّعي أننا شعب متحضر ومثقف ومؤمن بالاختلاف... ولكن هذا الادعاء الواهم في كل مرّة يتحطّم على صخرة الواقع أمام كلّ اختبار في الحياة لتسقط الأقنعة وتتعرّى الحقيقة أمام زيف الأكذوبة.

في الدين، في اللون، في العرق، وحتى في الجنس... كثيرا ما ندّعي الإيمان بحرية الاختلاف ولكن سرعان ما ننصب المشانق ونبعث بمحاكم التفتيش لنتربص بكل اختلاف ونخنق أنفاس كل ما هو مغاير للسائد ونغتال الإنسان باسم الحقيقة الواحدة والمطلقة.

وإن اكتوى الفنان والشاعر التونسي أنيس شوشان بنار هذا الميز العنصري والظلم البشري بسبب اللون، فإنه كتب لنا من حبر نزف الجرح بأحرف من ذهب. فقال من بين ما قال:
لنرسي ثقافة بلا سخافة
ليكونَ الرُقيُّ فينا هو أسمى خلافة
دعونا نُذوِّبُ الأعرافَ والأجناسَ
والأطياف والألوان والأديان
ولا نرى سوى الإنسان

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115