في مسرحية «الملك لير» لفتحي العكاري: الطريق إلى السلطة... وموت الإنسانية

    «لقد انقضى أفضل ما في زماننا وراحت المؤامرات والنفاق والغدر وضروب الشغب الهدّام تتعقبنا بضجيجها حتى القبر.» كانت

هذه الجملة، هي الحقيقة هي المنطلق والمنتهى في مسرحية «الملك لير» إخراج فتحي العكاري. وقد احتضن فضاء مسرح الحمراء بالعاصمة العروض الأولى لهذا العمل المسرحي الجديد من إنتاج مسرح البديل ومسرح الحمراء.

لأول مرة في تونس أقدم المسرحي فتحي العكاري على إخراج نص «الملك لير» لشكسبير الذي يعتبره النقاد من أكثر النصوص الشكسبيرية صعوبة ومرارة وتجدر الإشارة إلى أن المسرحي حسن المؤذن عرض مؤخرا مسرحية «العاصفة « عن نص الملك لير لشكسبير ولكن في صنف المسرح العرائسي الموّجه للكبار.

استهلال طريف في توريث الفن 

الركح المقيّد بالسلاسل، السواد في الأزياء والأرجاء، صفير العاصفة الموحش... كلها اختيارات سينوغرافية ذات أبعاد جمالية في إضفــــاء نزعة جنائزية على عرض «الملك لير» وهو الذي يسبح في فلك الموت والقبر ويقتــرب شيئا فشيئا نحو النهاية، الفناء، العدم.
في صورة طريفة وحركة مخاتلة، كان مشهد استهلال مسرحية «الملك لير» مميزا ومختلفا... إذ ظهر الفنان فتحي العكاري بشعره المتمرد والمكسو بالبياض في ثوب الملك لير جالسا على العرش فيخال المتفرج أنه هو من سيقوم بدور الملك الشيخ. ولكن فجأة تنقلب المعادلة وتتبدل الآية، حيث يتنازل فتحي العكاري عن معطف الملك من الفرو الوثير إلى الممثلة مريم العكاري وينسحب من الركح لتتوّلى هي الإمارة والقيادة. وكأننا بالمخرج فتحي العكاري أراد من خلال هذا المشهد الحديث عن التوريث ليس بمعناه السياسي أو مفهومه العائلي... بل ببعده الفني أي توريث الفن من أجل الفن!

هذا التكريم للمرأة في مسرحية «الملك لير» لم يقتصر على توريثها وصية الفن من أجل حمل المشعل وإكمال المشوار، بل منح صاحب «نساء في الحب والمقاومة» المرأة الصلاحيات المطلقة على ركح «الملك لير». وهكذا كانت جلّ شخصيات المسرحية نسائية حتى في الأدوار الرجالية. وقد برّر المخرج فتحي العكاري هذا الرهان الموضوعي والفني في تصريح لـ «المغرب» كما يلي :»هو رد قوي على من يطرح الفوارق بين المرأة والرجل خصوصا في سياق المناصب والكراسي والحال أن كلّ الفوارق تنمحي إذا تعلق الأمر بالسلطة. وهكذا أردت أن يكون الفن فوق الجنس في انتصار على الفوارق الوهمية التي تتعلل بها السياسة. وأنا في كل مرة أهب فيها امرأة جديدة للمسرح والفن أنام مرتاح الضمير... هي سعادة لا تقدر بثمن».

تراجيديا الصراع بين الخير والشر
لم تبق مسرحية «الملك لير» لفتحي العكاري على نص شكسبير كما هو ولم تنقله بحذافيره بل نهلت منه اللب وقلب الحكاية عن ملك أخطأ التقدير وأضاع الحكمة واحتكم إلى النفاق والرياء ...وقد أورث هذا الملك مملكته لابنتيه الكبيرتين لأنهما حرقتا أمام عرشه بخور التملق والولاء والطاعة العمياء في حين كان الحرمان من الميراث عقاب الابنة الصغرى لأنها فشلت في اختبار البوح بالحب للأب ولم تنجح في خطاب المداهنة والمجاملة والمخادعة...

على ركح مسرحية «الملك لير» تجلت تراجيديا أب بايع ابنتاه على سلطانه في حياته فأعمى حب السلطة قلوبهما فتنكرتا للأب المسكين وتبادلتا الأدوار في إذاقته كؤوس الذل ومرّ الهوان ... ولم يجد هذا الملك المعذّب في مملكته بعد أن فرّط فيها في حماقة التبديد سندا ومنقذا سوى ابنته الصغرى التي طردها من جنته فعادت لتخلصه من الضعة وهو في أرذل العمر.

وفي هذا العمل المسرحي الجديد لفتحي العكاري تتقاطع حكايتين وتتناوب قصتين على الظهور على الخشبة. فمن ثنايا مأساة الملك وتنكر بناته تتوّلد رواية أخرى عن العقوق بطلها مستشار الملك وأولاده وهو الذي فقد عينيه بمكيدة من فلذة كبده... وبين قطبي الخير والشر تتأرجح مسرحية «الملك لير» ولأن ميزان القوى لم يكن متكافئا، كانت الموت منتظرا عند خط النهاية ليلتهم الأخضر واليابس، الخير والشر على حد سواء...

كرسي الحكم وخطر الموت
لم يشأ المخرج فتحي العكاري أن يجعل من المشاهد طرفا متورطا في اللعبة بل أراده أن يكون متفرجا على صراع السلطة المحموم نحو الكرسي واللهث المجنون نحو الحكم الذي هو في النهاية اقتراب من الموت القريب، البعيد. وما بين سباق وصراع، تداس الإنسانية تحت الأرجل المهرولة نحو السلطة ليفرغ الإنسان من ذاته وكينونته وسلامه الداخلي وقد أضحت حياته في خطر في كل لحظة.

أية مشروعية سمحت للفنان فتحي العكاري بإخراج نص «الملك لير» لشكسبير الآن وهنا... وهل من تقاطع بين هذا النص الخالد في المدونة المسرحية والواقع اليومي والمعطى الراهن؟ باختلاف الظرفية الزمانية والمكانية يظل كرسي الحكم معضلة الشعوب ويبقى قصر الملك مرادفا للدسيسة والوشاية في لعبة السياسية القذرة.

إنها مأساة الإنسان على مر العصور الذي حفرت قبره مكائد القصور وسوء تدبير أهل التاج والصولجان... في تراجيديا «الملك لير» الصالحة لكل زمان ومكان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115