حول كتابه «طريقي الى الحرّية» (2017) الكاتب حمادي صمود: الحداثة هي التخلّص من المفاهيم الجاهزة و المنظومات المتكلّسة الأخرى

لا أعرف الأستاذ حمّادي صمّود من قبل. لم أقرأ له شيئا. مؤخّرا، قرأت كتابه «طريقي الى الحرّيّة».

قرأته لأسباب معيّنة... في السنة المنصرمة، كنت تقدّمت بكتابي «ورقات» الى لجنة جائزة أبو القاسم الشابي. وقد خصّصت الجائزة الى كتب السيرة. «ورقات» هو كتاب في السيرة. كتبت فيه ما كان لي من حياة وتجربة، من زهو وعسر. لم أنجح في المسعى. فشلت في نيل جائزة «كومار» مرّة أولى وفي جائزة الشابي أيضا.
الفائز بجائزة الشابي في السنة المنقضيّة هو حمّادي صمّود. غاضني فشلي وذهبت أشتري الكتاب لأرى ما فيه من خصلة. قرأت الكتاب محترزا. في قلبي بعض من الحسد. كنت أعتقد أنّ كتابي سوف يلقى قبولا وحظوة. كنت أظنّ أنّ في كتابي بيانا ومتعة...

قرأت كتاب صمّود. أعترف أنّ كتاب صمّود أمتن كتابة وفيه أسلوبيّة متميّزة وعربيّة قحّة. هو كتاب من حجر. فيه تعابير صمّة وألفاظ عصيّة. مع صمّود، تذكّرت رسائل الجاحظ ولسان العرب. «طريقي الى الحرّية» هو كتاب رصين. كلّه جهد وجدّ. لا مكان فيه للهوى، للذات، لما لا ينفع. على عكس صمّود، في كتابي ورقات هناك خروج عن الصفّ. فيه أحيانا وجدان وعبثيّة... كتاب صمّود جاء ليبيّن للناس ما كان لصاحبه من كدّ ومن عزم، ما عاشه المؤلّف من معاناة وتعلّم. هنيئا للأستاذ حمادي صمّود بالجائزة وهنيئا لي بورقاتي وان لم أنل شيئا...

قرأت كتاب صمّود بتروّ. الكتاب سيرة ذاتيّة. تأريخ لحياة فرديّة. حياة حمادي صمّود تشبه تقريبا حياتي. هي حياة كلّ الناس وقتها. في السنين الأوائل من الاستقلال، كان العيش عصيبا والفقر عامّا. كان التعلّم هو السبيل الأوحد للنجاة من البؤس. تابعت المؤلّف في نشأته. رأيت معاناة أبيه وأمّه لكسب رغيف العيش وهذا البحر، حوله، نعناع، بهيّ. تابعت الرجل في ترحاله، في ما كان له من نجاح وكبوة...

في الكتاب جزئيّات كثيرة، أسماء عديدة، أمكنة متعدّدة. في الكتاب اشارات تاريخيّة مهمّة حول ما كان في الجامعة التونسيّة من أساتذة أجلّاء ومن موادّ دسمة ومن بحوث معمّقة. في تلك السنين، سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، كانت الجامعة التونسيّة في حركيّة كبرى. في اتّصال بالعلوم. تسكنها حداثة متدفّقة. على خلاف بلاد العرب الأخرى، كانت تونس أيّامها في سعي لا ينتهي. كانت الجامعة التونسيّة منارة مضيئة. تجتهد. تجدّد الأصول والمنهج. هي بركان منتفض. يأتي على القديم. يعانق العصر...
رغم ما جاء في الكتاب من تدقيق في مراحل حياة صمّود، صبيّا، طالبا ثم أستاذا بالجامعة. رغم ما كان من جزئيّات في تأريخ كلّيّة الآداب في تلك العقود الأخيرة من قرن ولّى، طلبت مقابلة حمّادي صمّود حتّى أسأله وأتبيّن ما في الكتاب من مواضيع شتّى وما شدّ فكري من اشكاليّات أخرى. سألته فأجاب بيسر، صباح يوم اربعاء، في مقهى.

• لماذا هذا الكتاب؟
كتبت الكتاب لسبب ملحّ في داخلي سكنني منذ أكثر من 20 سنة. هذا العمر يجري فقلت لنفسي يجب أن أكتب ما كان في الأيّام من أمر وشأن. مع النهايات يبدا العود. تكون الموازين... كان مشروع الكتاب قديما. أحمله في داخلي لعقدين أو أكثر. ثم عزمت وحرّرته في تسعة أشهر. كان حمله ثقيلا أمّا مخاضه فكان يسرا.
أمّا دوافعه فهي ثلاثة: أولا. لأؤكّد أنّ الانسان مهما ساء حاله واشتدّت صعابه فهو يبقى صاحب القرار وبيده الحلّ. الانسان قدرة كبرى. هو قوّة لتجاوز العسر. هذه الغاية أسوقها الى شعبنا اليوم وهو يصارع عراقيل عدّة. «تؤخذ الدنيا غلابا» والحياة صراع لا يهدأ. أمّا الهدف الثاني من هذا الكتاب هو ابراز ما كان لأجدادنا من تضحيّة ومن معاناة لكسب القوت ولكسب المعرفة. خاصّة النساء. فالنساء في المجتمع التونسيّ هنّ المناضلات في مواجهة الزمن. الكادحات، الساهرات على راحة البنات والبنين. أمّي هي التي شدّت ازري وكانت سندي في التعلّم وفي مغالبة العسر. لأمّي يعود الفضل لما أنا اليوم. أخيرا، في هذا الكتاب، أردت أن أعترف بالجميل للمدرسة المدنيّة التونسيّة. المدرسة العموميّة هي التي مكّنتني من التعلّم

وهي التي، برعاية الدولة الوطنيّة، سمحت لي رغم ضيق الحال من أن أواصل الدرس منتهاه وأن أفتّح عينيّ...

• هل ينحصر طريق الحريّة في التعلّم فقط؟
أنا مدين للجامعة التونسيّة، للمدرسة العموميّة عامّة. أيّامها، كان التعلّم هو الطريق الأوحد للخلاص من الفقر، من الضيق الذي كنّا نحيا. التعلّم مكّنني من أن أكتشف الدنيا وأن أطّلع وأزور بلدانا عدّة. مكّنني التعلّم من وظيف محترم به عشت وبه حفظت نفسي. بالتعليم، استطعت أن لا أمدّ يدي الى أحد في الدنيا. علاوة على التخلّص من المعوقات الماديّة، وهذا هامّ، تمكّنت من التخلّص من المعوقات الذهنيّة. بفضل التعلّم، استطعت التخلّص من الأنظمة الجاهزة ومن الفكر المحنّط السائد يومها. بالتعلّم تفتّحت عينيّ وأصبحت أفكّر بنفسي. كذلك، أعتقد أنّ التعلّم هو الطريق المحرّر للإنسان، لفكره، لسيره في الأرض... في الجامعة أيّامها كانت هناك حداثة تعصف. كانت هناك دعوة الى اعادة النظر، الى الدفع الى التجاوز لما كان يجري. بما تعلّمت في الجامعة وبما تمكّنت من معرفة، استطعت التحرّر ممّا كان من مكبّلات مختلفة.

• ما هو تعريفك للحداثة؟
الحداثة في نظري هي أولا وضع حدّ للفكر الجاهز، للفكر المطلق. هي النظر وفي العين شكّ. هي اعتماد ما حدث من جديد في العلوم والمعرفة. بالنسبة للآداب العربيّة، الحداثة هي الرجوع الى المدارس الكبرى، هي اعتماد وسائل العصر ومناهجه، هي استعمال علوم الألسنيّة والأنثروبولوجيا وغيرها ممّا هو متداول بين علماء العصر... الحداثة هي النظر دون مسبّقات وحدود. هي اعتماد العقل في ما نأتي من نظر ومن بحث. هي التخلّص من المفاهيم الجاهزة وغيرها من المنظومات المتكلّسة الأخرى.

• انت متخرّج من شعبة العربيّة وأراك في الكتاب تعارض التعريب. لماذا؟
يجب التنبيه هنا. أنا لا أعارض التعريب. من يحتقر لغته يحتقر نفسه. فاللغة جزء مهمّ من الشخصيّة وبالتالي، أنا مع التعريب ولكن بشرط. أنا مع التعريب الذي لا يضحّي بالمعرفة، الذي يؤدّي المفهوم كاملة. فالمهم ليس أن تلقى للكلمة مرادفا. المهمّ هو أن يؤدّي المرادف ما حمله المصطلح في أصله من معرفة ومعنى... كنّا جرّبنا التعريب في بعض الموادّ وجاءت نتائجه مخيّبة... لن يمكن لمن لا يمتلك ازدواجيّة جيّدة ولوج باب التعريب والترجمة. حسن التمكّن من اللغتين، الناقلة والمنقول عنها، هو ضرورة مطلقة، هو شرط أساسيّ. أمّا سوى ذلك فهو تسويق لتعريب لا يصلح... أخيرا، أعتقد أنّنا اليوم في عالم يشدّ بعضه بعضا ولا يمكن العيش فيه بلغة واحدة، منفردة. لا يمكننا اليوم الاكتفاء بالعربيّة. كما قلت في الكتاب «لا يمكن الطير بجناح واحد». تعلّم اللغات الأجنبيّة غدا اليوم ضرورة ملحّة.

• كيف ترى الجامعة التونسيّة اليوم؟
تشهد الجامعة التونسيّة اليوم ومنذ سنين تراجعا في مستوى التعليم وتدنّيّا عمّا كان وهذا بشهادة بعض المدرّسين فيها. أسباب التراجع عديدة منها ما هو من صلب المؤسّسة ومنها ما هو متأتّ من السياق الحافّ بها. يتحمّل الأساتذة، باعتبارهم طرفا أساسيّا، قسطا من المسؤوليّة...
الأكيد أنّ من بين الأساتذة أعلاما في ميدان اختصاصهم وهؤلاء يؤدّون المهمّة على أحسن وجه ومنهم (وأرجو أن لا يكونوا الكثرة) من فقد الحماسة التي عند الفريق الأوّل. عند هؤلاء، أصبح التعليم وظيفة من وظائف الدولة. لا أكثر ولا أقلّ. بالإضافة الى هذا، في السنين الأخيرة من مزاولتي التدريس، أصبحت الجامعة مستهدفة من قبل وزراء تعليم حرصهم على كسب الرضا السياسيّ أكثر من حرصهم على استقلال الجامعة وتطوّرها. كذلك، أصبح المقرّبون من السلطة يتحكّمون في أمرها ويحدّدون سيرها. وأصبحت الانتدابات والترقيات وحتّى تحمّل المسؤوليّات فيها تتحكّم فيها لجان يسمّى كلّ أعضائها... كان من نتائج هذا التحوّل أن كثر الزور في الجامعة وتعدّدت العراقيل في وجه كلّ مسعى. في الجامعة اليوم هناك نوع من الانسداد (البلوكاج) المضرّ ومن العسر تخليص التعليم العالي ممّا هو فيه من اشكال وورطة... رغم كلّ هذا، أنا لست يائسا بل فيّ تفاؤل باق لأنّ الخميرة في الجامعة دوما طيّبة..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115