شيحة قحة

شيحة قحة

تعجبني الأعراس. بعض الأعراس. أكره ما في الأعراس من فوضى ومن صخب وأحبّ رؤية الناس المختلفين وهم في زهو وفي فرح. في الأعراس، ترى الوجوه منبسطة والنساء في أحسن زينة ولباس. الكلّ في مرح، في غبطة، يتحدّثون لبعضهم بعضا، في وئام، في انشراح.

الحياة في مثل هذا الحرّ لا تطاق. أصبح العيش في تونس عسرا، جحيما. ليس هو بعيش بل هو العذاب. يجب أن أرحل عن هذه الأرض. يجب أن يرحل عنها ابناي. لست مطالبا بالحياة في مثل هذه الفيافي. لست مجبرا على العيش في مثل هذا الطابون... تونس بلدي. هي وطني، أقول في نفسي، يقول الناس حولي. لكن، هل كتب عليّ أن أحيا في بلدي؟ هل حرّم على الانسان تغيير الأوطان؟

أعود الى نفسي. ها أنا هنا في بيتي وحيدا. يشدّني الحرّ. تضيق أنفاسي. أتنقّل بين الغرف بلا قصد. نغلق الأبواب والنوافذ. في شبه ظلمة، في سكون، أقضي الظهيرة أتلوّى. في شبه عراء، أتنقّل من مكان الى مكان. أبحث عن هبّة نسمة.

كنت تركت البنيّة البهيّة وحدها بعد أن قضّيت وايّاها في بيت أبويها لحظات ربّانيّة. عشقت البنيّة ولدى البنيّة صدر مكتمل وعيون حوريّة وشعر أصفر حريريّ. كلّمتها بعينيّ. أجابتني بابتسامات خفيّة. فارقت الصبيّة يومها دون أن أقول لها ما في قلبيّ من وجد ومن وله. كنت يومها جبانا، غبيّا. رغم سنوات الجامعة، بقيت ريفيّا. أحمل حشمة وقيودا...

يجب أن ألقاها. يجب أن أعود اليها. عنوان بيتها مسجّل في الوصل. ها هو رقم هاتف أبويها. كلّ المعطيات بين يديّ. انشرح صدري. القضيّة سهلة. سوف أهاتفها وأقول لها ما شئت من قول. سوف أهاتفها وأحكي لها ما في القلب من شوق. ما من شكّ سوف أقنعها. ما من شكّ سوف تأتي. القضيّة منتهيّة.

في السنوات السبعين والثمانين، لمّا كنّا الى الحداثة نسعى، كان السفر الى بلاد الغرب أمرا يسيرا وكانت بلاد الغرب تسكن قلوبنا ونراها في أعيننا أرحب وأرحم. في الصيف، كلّما استطعت، أرحل الى فرنسا حيث يقيم العديد من الأخلّة ولي فيها أهل وقربى. في فرنسا، أشتغل شهرا أو أكثر وأربح مالا وأنظر في الناس

لا أحبّ العودة الى القرية. أفضّل البقاء في تونس العاصمة والتسكّع في شوارعها. في القرية، العيش فراغ والحياة ضنك. في القرية، رتابة قاتلة ونار من جهنّم. أمّا العائلة أو ما تبقّى فكانت أيّامها في تفكّك وهذا إرث يحثّ على البغضاء والمنكر. كلّ لنفسه يسعى. كلّ لصالحه يكدّ. حين يموت أبوك وتتزوّج ثانيّة أمّك، ينتهي العقد الجامع وترى الإخوة، كلّ لأمره يجري، يستأثر، يغنم. من جهة أخرى، هجّ القرية كل أصحابي وغادرها كلّ من أعرف. هاجر الى فرنسا الشباب والكهول بعد أن ضرب

لمّا كنت طالبا، في الصيف، أبقى في العاصمة، أتسكّع. لا شغل لي في العاصمة ولا شأن. خلال ثلاثة أشهر، أنا في عطلة. أنا في بطالة مطلقة. طوال ثلاثة أشهر أو أكثر، تحملني الشوارع والأزقّة. أمشي بلا غاية، بلا هدف. أتّبع ما كان من صدفة. أحيانا، تأتي الصدف بهيّة، تشرح صدري، وأحيانا تأتي الصدف مزعجة، فيها عجب وبؤس. ما كانت الأيّام كلّها مستويّة، مسطّرة. أحيانا ألتقي ببشر يفعم قلبي ويحملني الى السماء العليا وأحيانا ألقاني وجها لوجه مع مفسد في الأرض أو هو في بعض شذوذ وغربة...

ما أرى اليوم على شاطئ كاب زبيب يؤسفني. ما يحصل من تلويث للبحار ومن إفساد للشواطئ يحزّ في نفسي... كم نحن قذرون. كم نحن مفسدون. كم نحن صعاليك. أنظر من حولي فأرى القذارة وقد ملأت الشاطئ وعلى حافتيه. أنظر في الرمل فأرى وسخا من كلّ نوع. هذه قوارير وهذه قشور موز ودلّاع وبطّيخ. هذه حافظات رضّع ألقيت بما فيها على حافّة الماء. هذا أشعل نارا ليعدّ أكلا ويترك الفحم والرماد فوق الرمال حيث يلعب الصبية ويتمدّد المصطافون. هذه علب جعة منثورة. أنظر في الماء وقد اسودّت زرقته.

عشيّتها كنت في البيت. ككلّ عشيّة، أنا وزوجتي وحيدان في البيت. أنا لا أغادر البيت الّا قليلا. أنا لا أحبّ الخروج. أحبّ البقاء وحيدا في البيت. في الصباح، كلّ يوم، مضطرّا، أمشي إلى هنا

الصفحة 1 من 6

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499