قهوة الأحد: هل انتهى التصنيع في بلانا؟

هل دخلت بلادنا عصر نهاية التصنيع ؟ سؤال أساسي ومهم بدأ العديد من الأخصائيين

ومن الخبراء في طرحه مند أسابيع في عديد المقالات والتحاليل الصحفية وفي عديد اللقاءات والمحاضرات. ولهذا السؤال أهمية خاصة في بلادنا باعتبار الدور المركزي الذي لعبته الصناعة لا فقط في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا بل كذلك في تاريخنا السياسي .
قبل الحديث عن التحديات الحالية لعملية التصنيع سنعود سريعا إلى التاريخ لنفهم أهمية هذا المسار في تاريخنا وانعكاساته السياسية . نشير أولا أن التصنيع ليس بالجديد في بلادنا بل تعود جذوره إلى فترة التحديث الأولى التي عرفتها بلادنا في منتصف القرن التاسع عشر – إلى جانب النهضة الفكرية والثقافية عرفتها بلادنا كذلك نهضة وتطورا اقتصاديا كبيرا . وقد شهدت عديد القطاعات الصناعية تطورا مهما ومن ضمنها الصناعات البحرية وبعض النواتات الأولى للصناعات الحربية . إلا أن قطاع النسيج سيشهد في هذه الفترة التطور الأهم ولتصبح بلادنا أهم مصدر لمواد النسيج المختلفة المسجلة في المنتصف الثاني من القرن التاسع والذي كان أحد أهم موانئ العالم في ذلك الوقت .
أشارت عديد الدراسات التاريخية إلى أهمية التطور الذي عرفه قطاع النسيج في تلك الفترة . ولعل أهمية هذا التطور لا تقتصر على الجانب الكمي بل كذلك تخص الجانب الهيكلي والاستراتيجي . فلقد اجمع اغلب مؤرخي الاقتصاد أن تطور قطاع النسيج والنواتات الأولى لهذا القطاع قد وضعت الأساس لتحول نوعي على المستوى الاقتصادي ودخول بلادنا مرحلة التطور الرأسمالي .

ولقد عرفت اغلب البلدان الرأسمالية في تلك الفترة نفس المسار التاريخي في خروجها من أنماط الإنتاج الإقطاعية والمرتبطة بالفلاحة وبملكية الأرض . فقد بدأ التحول الاقتصادي والتطور الرأسمالي بتحرير اليد العاملة المرتبطة بالأرض وتحولها إلى المدن لتشكل قوة العمل الجديدة لصناعات النسيج . وستعرف هذه الصناعات تطورا كبيرا سيكون وراء ظهور قطاعات صناعية أخرى كالصناعات الميكانيكية وصناعات الحديد والصلب . لم يقتصر دور الدينامكية الصناعية في هذه المجتمعات على القيام بثورة اقتصادية وتكنولوجية من خلال التطور الهام للإنتاج والإنتاجية بل ساهمت كذلك في الثورة الاجتماعية التي عرفتها البلدان الأوروبية ودخولها عصر الرأسمالية .
ويجمع أغلب المؤرخين أن بلادنا وصلت بداية من منتصف القرن التاسع عشر الى هذه المرحلة من النمو الصناعي والتي كانت تهيئ للمرور إلى المراحل الأولى من التطور الرأسمالي .
إلا أن هذا المسار سيقع إيقافه مع دخول الاستعمار الفرنسي الذي سيفرض نمط جديدا من النمو الاقتصادي المرتبط بالاقتصاد الفرنسي – فسيقع تهميش هذه النواتات الصناعية الرأسمالية لتصبح الصناعات المنجمية الموجهة لتلبية حاجيات الاقتصاد الفرنسي هي القاطرة الأساسية للديناميكية الاقتصادية في
بلادنا .

وسيتواصل هذا التهميش إلى حد نهاية الاستعمار وإحراز بلادنا على استقلالها - ستعرف الصناعة أثرها عودة قوية لتصبح أساس مشروع الدولة الوطنية في تحديث المجتمع والخروج من التبعية الاستعمارية وبناء اقتصاد مستقل يدعم مشروع الاستقلال السياسي .

وستنطلق الدولة منذ البدايات الأولى للاستقلال في مشروع صناعي طموح يعتمد على الأقطاب الصناعية الجهوية والتي تم تركيزها في كل الجهات من اجل دعم التنمية خاصة في الجهات الداخلية . كما تم كذلك دعم الصناعات الموجهة للسوق الداخلية من اجل التقليص في الواردات وإحلال الإنتاج الوطني محلها – كما ستتدعم السياسة الصناعية في بداية التسعينات بركيزتين جديدتين وهما دخول القطاع الخاص في هذا الميدان ليصبح لاعبا أساسيا في عملية التصنيع وتوجيه جزء من القطاع الصناعي نحو التصدير مما مكننا من جلب العديد من المؤسسات الأجنبية وفتح بلادنا نحو الأسواق الخارجية والاقتصاد العالمي

وقد ساهمت سياسة التصنيع والجهد الاستثماري للدولة والقطاع الخاص في هذا المجال في دفع الديناميكية الاقتصادية ومجهود التنمية . كما لعبت الصناعة دورا ايجابيا في تطوير الإنتاج والتشغيل – إلا أن دور الصناعة لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية على أهميتها .فلقد لعبت الصناعة كذلك دورا سياسيا واجتماعيا بالغ الأهمية – فمن الناحية السياسية ساهمت الصناعة في دعم مشروع الدولة الوطنية من خلال تنويع النسيج الصناعي والخروج التدريجي من نمط النمو الموروث من الفترة الاستعمارية. كما كان للصناعة دور هام في تحديث الهياكل الاقتصادية وتجاوز الهياكل البالية والقديمة .

أما من الناحية الاجتماعية فقد لعبت الصناعة دورا أساسيا في تراجع الفقر وأعطت الأساس لنمو الطبقة الوسطى و التي ستحمل برنامج الدولة الحديثة.

تشير هذه القراءة التاريخية السريعة إلى الدور الأساسي والمركزي الذي لعبته الصناعة في بلادنا – وهذا الدور لم يقتصر على الجانب الاقتصادي والسياسي لتصبح الصناعة أحد ركائز الدولة الوطنية ومقوما أساسيا من مقومات مشروع الدولة الوطنية ومقوما أساسيا من مقومات المشروع التحديثي في بلادنا .
هذه الأهمية التي اكتستها الصناعة في تاريخنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي هي وراء المخاوف والقلق التي أثارته التصريحات الصحفية والتحاليل حول أزمة الصناعة في بلادنا . والسؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في هذه المقالة يدور حول حقيقة دخول بلادنا في طريق نهاية الصناعة(désindustrialisation) فهل دخلنا حقا في هذه المرحلة وسلكنا هذا الطريق كما يؤكد العديد من الخبراء والمسؤولون الكبار – هل بدأنا مرحلة تفكيك احد أسس تجربتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحديثة .

لقد قدم المدافعون على موقف أزمة التصنيع في بلادنا ونهايته عديد الحجج والأرقام التي تشير إلى دخول الصناعة في بلادنا في منعرج هام – الحجة الأولى جول تراجع الصناعة في بلادنا مرتبطة بمشاركتها في نسبة النمو التي شهدتها بلادنا في السنوات الأخيرة – وفي هذا المجال نشير إلى تراجع مساهمة الصناعة في النمو في بلادنا لصالح صعود الفلاحة وهذا التطور مهم ويتعارض مع الاختيارات الكبرى للسياسة الاقتصادية للدولة الحديثة والتي عملت على تنويع النسيج الاقتصادي وتقليص تبعيته للقطاع الفلاحي .

تشير الإحصائيات الأخيرة للمركز الوطني للإحصاء إلى دليل ثان على تراجع الصناعة في بلادنا وهو مؤشر الإنتاج الصناعي والذي عرف تطورا سلبيا خلال السبعة أشهر الأولى لسنة 2017 بـ%0.7 ويعود هذا التراجع إلى الأزمات التي تعيشها أهم القطاعات الصناعية في بلادنا كالصناعة الكيميائية والصناعة الميكانيكية والكهربائية وصناعة مواد البناء .
المؤشر الثالث حول إنهاء وضعف القطاع الصناعي يخص استقرار الاستثمار في هذه القطاع في الأشهر الأولى لسنة 2018. فلم تتجاوز نسبة نمو الاستثمار في القطاع %3.9 – وهذه النسبة ضعيفة إذا ما أخذنا بالاعتبار نسبة التضخم وتراجع الدينار وانعكاساته المالية على الاستثمار – كما ان نسبة نمو المشاريع الصناعية الجديدة بقي ضعيفا ولم يتجاوز %3.4 وتشير الأرقام الرسمية إلى أن %12.8 فقط من الاستثمار الصناعي هي مشاريع جديدة بينما الباقي يخص توسيع استثمارات قديمة – كما أن نسبة نمو مواطن الشغل التي خلقتها من الاستثمارات الجديدة في القطاع الصناعي لم تتجاوز %2.4 خلال سنة 2018.

أما المؤشر الرابع الذي نود الإشارة اليه لتأكيد الإنهاك الذي وصل اليه القطاع الصناعي يخص تراجع عدد المؤسسات الصناعية في بلادنا . وتشير الأرقام الرسمية إلى خلق 28 مؤسسة صناعية خلال الأشهر الأولى لسنة 2018.

جملة هذه المؤشرات تشير إلى إنهاك وتراجع للقطاع الصناعي في بلادنا في السنوات الأخيرة – لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو معرفة هل أن هذه الملامح هي مؤشر على أزمة القطاع الصناعي ودخول بلادنا في مرحلة نهاية التصنيع أو désindustrialisation .
في رأيي يعيش القطاع الصناعي في بلادنا مرحلة مخاض كبرى

وأساسية – وهذا المخاض يفتح صفحة جديدة في تاريخ بلادنا الاقتصادي وهي صفحة التحول والخروج من نمط الإنتاج الصناعي المرتكز على كثافة اليد العاملة ورفعها والذي اتبعناه منذ منتصف السبعينات وشكل قاطرة النمو والتشغيل في بلادنا وكان ركيزة الديناميكية الاقتصادية خلال العقود الأخيرة في بلادنا . إلا أن هذا النمط للتنمية الصناعية عرف حدوده منذ سنوات فترة انتقال وتحول نحو نظام صناعي جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الصناعية والتكنولوجية التي يعرفها العالم منذ سنوات .

لم تبق بلادنا مكتوفة الأيدي أمام هذه التحولات الكبرى فقد دخل القطاع الخاص هذه المعركة وخطا خطوات هامة في القطاعات الصناعية الجديدة لتتبوأ بعض مؤسساتنا الصناعية موقع الصدارة على المستوى العالمي في بعض القطاعات .
إلا أن هذا الانتقال الذي يقوم به القطاع الخاص وان كان هاما فهو غير كاف للخروج من الإنهاك والضعف الذي تمر به الصناعات التقليدية .

إن نجاح الانتقال نحو نظام جديد يتطلب تحديد سياسة صناعية وإستراتيجية تحدد أولوياتنا واختياراتنا الكبرى في هذا المجال وتبني المؤسسات القادرة على تنفيذ هذه السياسات وتطبيق هذه الاختيارات لفتح مرحلة اقتصادية لبلادنا .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115