حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (2/2): مقاصديّة ضعيفة المصداقيّة وسوسيولوجيا متهافتة وأسرٌ للنموذج المدعوّ بالكوني

عبد اللّطيف هرماسي
أستاذ باحث في علم الاجتماع
• مشروع للحريات والمساواة أم للتخلّص من الإرث الثقافي؟


لا يعتدّ التقرير بعدم وجود توافق مجتمعي حول موضوع بالأهمية التي تكتسيها قضية الإرث مع أن هذا الأخير أبعد من أن يكون مسألة اقتصادية محضة تتعلق بأسلوب توزيع الأملاك العائلية، بل يستحق أن يوضع في خانة الظواهر الاجتماعية الكلية، أي التي تتدخل في تشكيلها والتعبير عنها عوامل وأبعاد عدّة: ثقافية ودينية واجتماعية ونفسية وسياسية كما يلتقي فيها الجماعويّ بالفرديّ. فهذه الصّفة هي التي تفسر امتناع العديد من النساء المتعلمات والمثقفات والناشطات المشاركات في الإنفاق على العائلة عن المساس بنظام للإرث يربطنه بالأمر الإلاهي ويعتبرن التجرّؤ عليه نيلا من المقدس. ونفس الشيء ينطبق على الرجال: فحتى لو اعتبرنا أن مصلحتهم الأنانية تجعلهم يرفضون المساواة، فإن البعد الثقافي، خصوصا العادة، وكذلك الديني حاضرٌ في مبرراتهم.

رغم هذه المعطيات التي من المفروض أن تعرفها اللّجنة ومن كلفها أو يعضدها، فقد تجاهل هذا الطرف إمكانية البحث عن حلّ مرن في إطار التشريع الحالي القائم بشكل رئيسي على الشريعة، وأصر على إلزام المجتمع بما يراه ويستحسنه من معاهدات دولية على غرار معاهدة سيدَاوْ التي كان بن علي نفسه قد تحفظ على عدد من بنودها لتضاربها مع القيم والأعراف التونسية ولأنه لا توجد مصلحة بينة تدعو إلى العمل بها. ومع ذلك يذهب التقرير إلى أنها هي المعتبرة في تأويل فصول الدستور ذات الصلة وأن مصداقية تونس تتطلب العمل بها.

تلعب المعاهدات الدولية دورا مزدوجا في التقرير: مرّة كمبرّر لإلزام تونس بما قد لا تتحمله في المرحلة التاريخية الراهنة على الأقل، ومرّة للتغطية على الإيديولوجيا النسوية الراديكالية الحاضرة بقوة في التقرير. ثمة مقترحات معقولة ومنطقية كإلزام المرأة بالإنفاق إن كان لها دخل قارّ، علما بأن الإلزام القانوني شيء وتطبيقه شيء آخر، وثمة مقترحات أخرى لا تطرح إشكالا كإسناد الجنسية للأبناء من زوج غير تونسي، إلاّ أن في مقترحات التقرير المستمدة من بنود معاهدة سيدَاوْ ما يبشر بأنموذج بعيد كل البعد عن مناخنا الثقافي، ومن أبرزها مقترح إلغاء رئاسة الزوج/الأب للعائلة.

من ناحية يتعامل التقرير مع مفهوم رئاسة العائلة وكأنه يعني إطلاق يدي الزوج/الأب لممارسة الاستبداد والانفراد بالقرار كبيرا كان أو صغيرا. ليس بخَافٍ أن هذا التصور لا يعكس الأساليب الفعلية التي تتخذ بها القرارات داخل معظم الأسر التونسية اليوم، حتى وإن كان البعض ما زال يروج للصورة الوهمية للرجل صاحب القرارات التي لا تردّ ولأسطورة المرأة ككائن لا حول له ولا قوّة أمام جبروت الزوج/ الأب!

من ناحية ثانية يقع التقرير في تناقضات ومطبّات عديدة. فعندما يطرح مسألة رئاسة العائلة في علاقة بالإنفاق على الأبناء يعتبر أن تحمل الأب لواجب النفقة حاليا، ورغم تنصيص القانون على مساهمة الزوجة، هو نتيجة لصفته أو مركزه القانوني كرئيس للعائلة وولي للأبناء، ولكنه إثر ذلك، يجعل مقترحه بإلزام الأم بالإنفاق إن كان لها دخل أساسا ومبررا لتغيير القانون وإلغاء رئاسة العائلة أصلاً.

ومن عجائب التقرير أنه يربط ربطا آليا مشاركة المرأة في الإنفاق بإلغاء رئاسة العائلة لتعويضها بالتعاون على تسيير شؤونها، لكنه ومع إقراره بوجود قسم وصنف من الأمهات ليس لهن دخل قارّ (ونضيف ليس لهن أحيانا دخل البتة) يسحب القاعدة العامة التي يقترحها وهي إلغاء رئاسة العائلة على جميع الحالات.
كذلك ينآى التقرير عن الواقع عندما يقرّر خدمة لهدفه أنّه «كلما كان للمرأة دخل إلاّ وأنفقت معظمه إن لم يكن كله على الأسرة». فمع علمنا جميعا بتضحيات معظم النساء التونسيات لأجل تحسين الأوضاع المادية للعائلة فإن التأكيد أعلاه يندرج في خانة التعميم الخاطئ.

وفي إطار حشد التقرير لكل المبررات الفعلية والوهمية يتحول في بعض ثناياه إلى خطاب إيديولوجي محض. مثلا في حيثيات مقترح إسناد لقب كلّ من الزوج والزوجة للأبناء حيث يبرره بكون القانون الحالي «يعكس مفهوم العائلة الذكورية وتغليب الانتماء من جهة الأب على النسب من جهة الأم». هل نقول أن هذا الكلام يتجاهل الجدل الذي عرفته العلوم الاجتماعية حول قضايا الانتساب والسلطة والأدوار عبر تاريخ مديد للعائلة نجهل معظمه ولا نملك سوى إبداء بعض الفرضيات عنه؟ كما يتجاهل معطيات أنتروبولوجية لا بد من استحضارها في تكاملها حول وظائف ومكانة كل من الرجل والمرأة وعلاقتها بالتقسيم ظاهر/ معلن/ عامّ مقابل خفي/ مسكوت عنه/ خاص؟ هو في كل الحالات موقف يريد قسمة الشعرة إلى اثنين ويعارض ثقافة يصفها بالذكورية بايديولوجية نسوية مكافحة ومستعجلة للنسج على منوال بلد كفرنسا سيكون من الخور قياس الأوضاع الأسرية في تونس على ما شهده طيلة العقود الماضية بدءًا بالتحرر من مؤسسة الزواج وانتهاءً بتعقيدات مشهد العائلات المُعاد تركيبها.

وإذا انتقلنا إلى موضوع الحريات والأقليات نلاحظ، إلى جانب الهاجس المشروع لتوسيع مجال الحريات وحماية حقوق الفرد والإنسان من تعسف المجتمع أو الأغلبية، مبالغة في تناول قضايا حرية الضمير أو التمييز وفق اللون أو التوجه الجنسي أو الدين. يضعنا التقرير أمام أحكام عامّة تجعلنا نشك فيما إذا كنا نعيش في نفس البلاد. فنحن لم نسمع بحالات اضطهاد أو حرمان من الحقوق من قبل أيّ مؤسسة أو إدارة بسبب المثلية الجنسية أو اللون أو الانتماء الديني، باستثناء بعض الحالات النادرة المرتبطة بالتحول من الإسلام إلى المسيحية والتبشير بها، وهي حالات تعود إلى ما قبل ثلاثين سنة، بما أن الدولة لم تعد بعد ذلك تلاحق النشاط التبشيري رغم أنه كثّف من حركيته في بعض المؤسسات الجامعية مستغلا الأوضاع الصعبة لبعض الشباب. بالمقابل ثمة فعلاً أشكال من الوَصْمِ أو الميز الثقافي تمارس على صعيد المجتمع وبدرجات متفاوتة على غرار معاملة ذوي البشرة السوداء في بعض قرى الجنوب الشرقي وبعض الحالات الأخرى، ولكن معالجتها تكون بالثقافة والتنوير الفكري قبل القانوني.

ومما يستلفت الانتباه أيضا مطالبة التقرير بحرية التعبير والممارسة العلنيّتين لأي عقيدة كانت. ومع إقرارنا بأهمية وجود مساحة كافية لحرية التعبير والاعتقاد، نقدّر أن التونسيين ليس لهم في عمومهم ولم يكن لهم في يوم من الأيام مشكل مع وجود مسيحيين أو يهود يمارسون ديانتهم في معابدهم. وثمة معتقدات كعبادة الشيطان أو فلسفات كالإلحاد يحق لأصحابها

الخوض فيها أو ممارستها لكن في فضاءاتهم الخاصة إذ المصلحة العامة تقتضي من أصحابها مراعاة مشاعر ومعتقدات الأغلبية وعدم استفزازها. ونفس الشيء يمكن أن يقال بخصوص قواعد التعامل مع شهر رمضان لدى المسلمين، وبذلك تحفظ حقوق كل من الأقليات والأغلبية في مجتمع مسلم يحس بأنه مستهدف في أسسه.

غير أنّ التقرير لا يرى الأمور بهذه الصورة، بل يحيلنا في كل مسألة إلى المواثيق الدولية وملحقاتها التأويلية. وهذا ما يفعله أيضا بخصوص عقوبة الإعدام وتذرعه بالبند المتعلق بالحق في الحياة للدعوة إلى إلغائها من تشريعنا. كان من الممكن أن يقف التقرير عند نقده لكثرة أحكام الإعدام التي ينص عليها التشريع العسكري وحتى أن يذهب إلى طلب استبدال حكم الإعدام بالسجن لآماد طويلة عندما يتعلق الأمر بجرائم قتل عمد ولكنها مصنفة «عادية» وتحدث باستمرار، أمّا أن يدعو إلى إلغاء الإعدام أصلاً، وبالتّالي أن يغمض العين ويصمّ الأذان عن الجرائم الوحشية ويلتمس لها الأعذار أو التبريرات، كما يفعلُ البعض من دعاة حقوق الإنسان ممّن يرفعون شعارات «التحضر» و»مجاراة التشريعات المعاصرة»، فهو من باب تجاهل مشاعر من نَدّعي أنهم أغلبية من التونسيين تجتاحهم مشاعر الغضب والاستنكار كلما حدثت جرائم بشعة، خصوصا حالات الاغتصاب المصحوب بالقتل. ثمّة مطالبةٌ شعبيّة بتطبيق ما ينص عليه القانون في هذه الحالات من حكم الإعدام وبتنفيذ هذا الأخير. وثمّة غضب إزاء أعلى سلطة تنفيذية لتقاعسها في تنفيذ عشرات الأحكام التي صدرت عن قضاء

عادل بحقّ من لم يراعوا أي اعتبار إنسانيّ وارتكبوا الفظاعات ليجدوا أنفسهم نزلاء يقيمون بالسجون لفترات طويلة حيث يأكلون ويشربون وبعضهم يمارس شذوذه على مرآى ومسمع من الجميع، وكل ذلك على حساب المجموعة الوطنية وأعصاب أقارب وأصدقاء الضحايا والذين لا يبدو أن أصحاب القرار وعبَدَة المواثيق الدولية يعيرونهم كبير اهتمام!

يراوح التقرير وهو يبرر مجمل ما يدعو إليه من مساواة شاملة وآنية بين الرجل والمرأة ومن حريات فردية شاملة وغير محدودة، بين ذريعتين رئيسيتين. الأولى ما ينسبه إلى عموم التونسيين والتونسيات من تطلع إلى الحرية بل إلى «وضع حدّ لوصاية الجماعة على الفرد». وهي من المبالغات والاستنتاجات المجانية العديدة التي تضمنها التقرير. فعلاقة الفرد بالجماعة في تونس ليس ذات اتجاه واحد: قهر يقابله تمرد. نعم يحدث أن يواجه الفرد عائلته أو جماعة الجيران والأصدقاء وحتى الجماعة الدينية لفرض حقه في تقرير مصيره، ولكنه كثيرا ما يلوذ بهذه الجماعة ويعود إلى أحضانها ليس فقط في اللحظات الصعبة وإنّما في سائر الأيام وخاصة في المناسبات من أفراح وأعياد وأتراح.

كما يدافع التقرير عن الحاجة إلى «مجتمع متنوع ومتعدد يكون للفرد فيه فضاء فكري ومادي يسمح له بالتعبير عن خصوصيته اتجاه المجموعة مهما كان نوعها». خطاب معقول ولا اعتراض عليه، لكن التقرير ينسى أن المجتمع الذي يطالب به موجود بالفعل، كما يتجاهل وجوده عندما يطالب مثلا بتغيير قانون الإرث أو يحتج بالقيم الكونية ويريد فرض المعايير العامة الدولية.

أما الذريعة الثانية فيلجأ إليها التقرير بشكل متكرر ربما شعورا من أصحابه بضعف حججهم المتعلقة بالاتجاهات التي تعتمل في صلب المجتمع التونسي. هنا يسعى التقرير إلى جرّ التونسيّين للقبول بالنماذج الرائدة أو «الطليعيّة» التي أنتجها الغرب المعاصر بالإضافة طبعا إلى مظلة المواثيق الدولية.

تعلمنا اللجنة أن نص تقريرها أخذ بالاعتبار «توجهات القوانين الديمقراطية الأكثر احتراما للفرد»، أي آخر صيحات المجتمع الفرداني الغربي. فهل تجشّم أعضاء اللجنة مشقة الاطّلاع على بعض الكتابات السوسيولوجية التي تتناول عوامل وتعبيرات وإفرازات صعود الفردانية وما أدت إليه من تذرّر المجتمع ومخاطر اضمحلال روح الجماعة بتضامناتها وحميميتها؟ هل يعرفون أن ثمة اتجاهات قيمية وتحاليل علمية في الغرب تتمحور حول نقد الحداثة التي يجعلون أنفسهم سدنة لها كما تُعاين استعادة فكرة الجماعة والحياة الجماعوية التي كادت نزعة التجانس الثقافي وسيطرة الأنا الفرداني أن تقضي عليها؟

بالنسبة للمواثيق الدولية فهي تشكل في مجملها منظومة مثل وقيم يؤيدها العقل الحر ويفيد منها الإنسان أينما كان. لكن من قال أن تطبيقها بحذافيرها في كل المجتمعات أمر ايجابي أو خالٍ من المحاذير لاعتبارات تهم الخصوصيات الثقافية والدينية أو بسبب الأوضاع الاجتماعية التي يمر بها هذا المجتمع أو ذاك؟ يقول التقرير أن «المنظومة الكونية لحقوق الإنسان متكاملة، مترابطة وغير قابلة للتجزئة». كلام يبدو معقولاً ويمكن أن يحتجّ به على الأنظمة التي تقمع الحريات العامة وتضطهد الأفراد أو الأقليات باسم الاعتبارات الأمنية والنظام العام، أو المصلحة الوطنية، أو واجب احترام المقدسات، أو حتى الخصوصية. هذا ما حصل مثلا في «الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان» الصادر سنة 1990 رافضا حق تغيير الدين باسم الدفاع عن الدين الإسلامي. فهذا الإعلان جاء متعارضا مع حق كل إنسان في التمتع بالحرية الدينيّة أي حرية اعتناق الدين وحرية الخروج منه. نعم نحن لا ننكر ذلك، بل نذهب إلى أن هذا الإعلان المعبر عن نزعة ماضوية متشددة والمساهم في إحياء مفهوم الرّدّة هو من سيّئات المنظومة الرسمية للبلدان الإسلامية وتشريع لقمع حرية الضمير والمعتقد.

بناء على ما تقدم لا حرج لدينا في الاعتراف بأن خطاب الخصوصية يمكن أن ينطوي على نزعة الانغلاق والإكتفاء بتمجيد الماضي أو الهوية الدينية ورفض مبدأ وواقع التلاقح بين الثقافات وانفتاحها على بعضها، كما أنه يمثل في حالات عدة غطاء لتبرير نظم اجتماعية أو علاقات هيمنة وتمييز طائفي أو عرقي أو ديني لم يعد من مبرر لاستمرارها. بيد أن كلّ ذلك لا يعطي شرعية لتحكيم كل المنظومة القيمية التي أنتجها الغرب الحديث والمهيمن وتجسداتها في المواثيق الدولية في إدارة شؤون المجتمعات الأخرى. المجتمع التونسي ليس مجبرا على الاختيار بين تبرير انتهاكات حقوق الإنسان حيثما توجد والانصياع لحرفية المواثيق الدولية مع أنه لا مجال للمقارنة بين الإثنين، والفيصل في كلّ هذا ينبغي أن يكون الاحتكام للشعب وحقه في ممارسة سيادته والتعبير عن آرائه من خلال مؤسسات ديمقراطية. فهل يحكّم القوم الإرادة الشعبية فيما يقدمون من مشاريع تهم القضايا والخيارات الكبرى، اليوم وغدًا؟

انتهى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499