منبــر: نواب برلمان الثورة يتفاجؤون بالديمقراطية وبسيولة السياسة

السياسيون، نواب الشعب، الذين نشاهدهم اليوم على خشبة مسرح مجلس النواب ولدوا وترعرعوا في بيئة استبدادية، يكون فيها السياسيون إما

ماسكين بالسلطة بيد من حديد ويكسبون منها المال والجاه واللذة (يقول ابن خلدون الحكم ملذوذ) دون حق، وهؤلاء ينظرون للسياسة على أنها فن جلب واحتكار المصالح والمكر بقسوة بالمنافسين المحتملين. وإما معارضون مقموعون مطاردون يعيشون في السجون و المنافي، وبالنسبة لهؤلاء السياسة لها نفحة طُهرية وألوانها نقية واضحة لا تعرف المناطق الرمادية، والكلمة السحرية فيها هي الحق المطلق الذي لا يضيع مادام وراءه طالب وإن طال الزمن...

هذان النظرتان كانتا مريحتين للسياسيين من الشقين. فالشق الأول تعلم أن قوة السلطة فعالة حمالة لواحة. ولذلك فلا مجال لإبداء الرأي المستقل في المسائل الحاسمة، والشطارة السياسية للعضو في مجلس النواب كانت إثبات مهارته في تقديم الخدمة والاستفادة القصوى من ذلك إذا كان من المتنفذين الكبار في النظام الاقتصادي-السياسي، والتمعش من صوته وعلاقاته إذا كان مجرد بيدق يُستبدل رغما عنه بمناسبة كل دورة انتخابية صورية. أما أعضاء الشق الثاني فقد تعلموا على اختلافهم كيف يحمون أنفسهم ويخففون من مصائبهم، كما تعلموا الريبة من كل مبادرة لونها ليس صافيا قانيا، وكيف يتشبثون بقناعاتهم إلى النهاية كي لا ينهزموا. ولأنهم عاشوا يدافعون عن وجودهم فقد تشرذموا إلا أعضاء حزب النهضة.

في هذا السياق الاستبدادي تقابلت في أذهان التونسيين صورتان للناشط السياسي وجدتا لهما صدى في سلوك السياسيين أنفسهم. الأولى صورة السياسي عديم الأخلاق، الكذاب الذي لا ذمة له، الذي يمتهن السياسة ليسرق أو لأنه سارق. لذلك فإن أول شعار هتفت به الثورة التونسية كان «يا عصابة السراق». الثانية صورة السياسي المثقف شبه الرومنطيقي الذي لا ينظر للسياسة من باب المكاسب، أو الأخلاقي العقائدي، صاحب النظرة الطهرية في استخلاف الله في الأرض. لذلك ترشح نواب حزب النهضة تحت شعار «نظافة اليد»، بينما نبتت على جبين الطيف الأوسع من اليسار كلمة «لا» التي تحيل إلى صفاء الألوان.

الثورة بتجربتها السياسية المرتبكة وبمؤسساتها الجديدة بعثرت مكونات هذين الصورتين. فجأة اكتشف قسم من نواب الشعب هول أن لا يكونوا وحدهم في المجلس، كما اكتشفوا أنه لم تعد لهم لا الأريحية العملية ولا راحة الضمير التي كانوا يطبقون بها الأوامر ويستجيبون بها إلى المطالب. لكي يمرروا موقفا أصبح لزاما عليهم التفاوض مع منافسين لا تجمعهم بهم دائما نفس المصالح، واكتشفوا أن مؤسسة الرئاسة لم تعد الجوكر الذي يحل لهم من فوق كل العقد. وفي الأثناء اكتشف أصحاب النظريات الشمولية المطلقة الجانب التقني في الديمقراطية، حيث لم يعد متاحا للنائب أن يتكلم في كل مرة عن جميع الأشياء التي يجب تغييرها كما في الخطابات الحماسية بين الرفاق، بل في نقطة دقيقة واحدة لا يمكن الإقناع بشأنها من خلال العرض غير المباشر للنظرية كاملة. ومقابل هذا الارتباك اكتشف أعضاء حزب النهضة في المجلس قوتهم وضعفهم دفعة واحدة، فقد أدركوا قيمة الهيكلة والتنظيم الجيد لحزبهم، ما يسمح لهم بأريحية المناورة بمعناها الإيجابي، وفي ذات الوقت اكتشفوا القاعدة المؤسساتية في النظم الديمقراطية للمسافة بين واقع الأغلبية النيابية الذي يمكن تحقيقه ومطلب الهيمنة الإيديولوجية الذي تمنعه الفكرة الديمقراطية. وهذا قلل من فرص حزبهم في تحقيق نموذج المجتمع الإسلامي المنشود كما تتخيله القواعد.

مبادرة رئيس الحكومة التي عرض خلالها على مجلس النواب اقتراح تعيين جديد على رأس وزارة الداخلية كشفت جميع هذه العورات. أولا اكتشف النواب بمختلف انتماءاتهم الأبعاد المتعددة لكل مبادرة سياسية في ظل النظم الديمقراطية: كل مبادرة لها حساباتها الخاصة، وتحضيراتها الخاصة، ومخططاتها وبدائلها الخاصة، وسوقها السياسية الخاصة، رغم أنها قد تعتمد على مدخل قانوني وظيفي واحد. فمن الناحية المبدئية قدم رئيس الحكومة طلبا بسيطا يتعلق بمنح الثقة لوزير جديد واحد، لكن المكاسب التي كان يريدها عديدة وضمنية، ولا يمكن إثارتها من أي طرف في مجلس النواب دون الخروج عن الموضوع. وقد سقط في الفخ الكثير، ليس بطريق الخطأ إنما بسبب عدم القدرة على النظر إلى الأشياء مجزأة أو عدم القبول بذلك. فكانت معارضتهم لمبادرة رئيس الحكومة عديمة الجدوى والحجة، لأنها تحدثت عن حكومة فاشلة لا يجب أن تحظى بثقة الشعب بينما الموضوع كان مختلفا ولم تكن لهم القوة العددية كي يطلبوا حجب الثقة عن تلك الحكومة.

ثانيا اكتشف الكثير من النواب سيولة السياسة في النظم الديمقراطية. وفي الحالة التي نتحدث فيها اكتشف البعض أن السلطة التنفيذية لم تعد في قبضة شخص واحد قادر على حسم المنافسات بإشارة واحدة من إصبعه، وأن الحزب الذي منه رئيس الدولة لم يعد بإمكانه استغلال هذا الأخير لحسم معاركه باستخدام عنف الدولة ضد المعارضين وبالتحيل على القانون (هناك طلب ملح في العودة إلى النظام الرئاسي). لقد أصبحت السوق السياسية خارج الاحتكار واللاعبون فيها مختلفون ورؤوس أموالهم مختلفة. وليس هذا فحسب بل أن نواب الحزب الواحد أصبح لهم أحيانا هامش من الحرية في اتخاذ القرار، دون أن يؤدي ذلك إلى طردهم من مجلس النواب أو تهميشهم اجتماعيا. وبالنسبة لبعض النواب كان هذا التحول صادما ومربكا قياسا بثقافتهم السياسية العتيدة، إذ أن تحصيل الموقف الموحد في الحزب الواحد لم يعد مسألة تقنية. ومن ناحية أخرى لم تعد الألوان نقية طاهرة: كي تحقق خطوة سياسية تنقلك من وضع إلى وضع عليك أن ترضى بأنصاف الحلول، وتؤمن بوجود مناطق رمادية، وبزمنية وسياقية الفعل السياسي. ولكي تسجل أهدافا تربح بها معارك ولو صغيرة، عليك أن تخرج من مناطق دفاعك الأبدية وتبني هجومك بشكل جديد ومقنع حتى ولو رمت المحافظة على الأصل. لكن الكثير من النواب الذين عارضوا مسعى رئيس الحكومة تحدثوا بشكل مضحك عن نية هذا الأخير في استثمار نجاحه المحتمل في الترشح للرئاسة سنة 2019 ، وعن نبذ حب الكراسي، دون أن يعلموا –أو هم يعلمون- أنهم هم أيضا هناك من أجل حب مكاسب السلطة، وأنه ليس في ذلك عيب سوى أن تخرق قوانين اللعبة.

أخيرا اكتشف النواب بشكل عملي أن الديمقراطية ليست مجرد فكرة أو قيمة بل نظاما صارما من الممارسة القانونية، وكان هذا اكتشافا صادما إذ أن هذا النظام يُمكِن الشكل من الانتصار على المضمون. وقد تكلم الكثير من النواب بغيظ وبحسرة وبلغة سب وشتم مقذعة ضد مبادرة رئيس الحكومة، شارحين كيف أن الحق معهم وأن ضمير الشعب معهم، لكن قانون الأغلبية خذلهم وبين لهم أن الحق شيء وشكل قول الحق شيء آخر، فخرجوا مهزومين غاضبين، بينما تخلى آخرون عن عنادهم وفكروا في مصلحتهم ومصلحة أحزابهم بعدما كانوا يسبون رئيس الحكومة بحجة أطماعه السياسية.

كلمة أخيرة: غالبية النواب لم تستسغ بعد – على مستوى الممارسات- الديمقراطية كفكرة فلسفية لحل مشكلة الحكم، ووحده حزب النهضة خرج منتصرا من هذه المعركة بسبب فهمه التقني الجيد لها وقبوله ولو مؤقتا بإكراهاتها القانونية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499