في الدنيا وما فيها من تفاهات: في أدوات الخروج من التخلّف (10)

ما عنديّ شكّ، شعبنا متخلّف. التونسيّ متخلّف، مثله مثل كلّ العرب. العرب جميعا، غربا وشرقا، متخلّفون. في ضياع وبؤس. في الظلمات، غرقى... لا يهمّني العرب. المهمّ عندي

هي تونس. حيرتي هي كيف أٌخرجٌ بلدي ممّا هو فيه من تخلّف؟ سؤالي هو كيف أٌخرجٌ نفسي والناس من حولي من هذه الورطة؟ يجب أن أنسى العرب. جميع العرب. لكلّ بلد خصائصه. فلينهض كلّ بشأنه. لا فائدة ترجى من التوحّد مع العرب. في اتّحاد المتخلّفين تعميق للتخلّف. يجب أن ينظر كلّ في أمره. أن يمشي كلّ في سبيله جاهدا، مجتهدا، علّه ينجو، علّه يفلت من هذا النكد... كلّ فرد عليه أن يكدّ ويجتهد حتى ينجو بنفسه. أنا أتفهّم ما يأتيه الشباب الفارّ من البلد. الغارق في البحر. أنا أتفهّم من هجّ من البلاد وغيّر تماما الأفق. لولا العمر، لهاجرت إلى الشمال. العيش في البلاد المتخلّفة عذاب أزرق. العيش مع المتخلّفين كدر أسود.

٭٭٭
ما معنى التخلّف؟ التخلّف هو عندما يكون الفرد أو الجماعة غير مواكبين لما يجري في العصر من أحداث. المتخلّف هو الذي أعرض عن الحاضر وسار في ما فات من الزمن. ذاك الذي ظلّ عقله حبيسا لما انقضى وانتهى أمره. عيناه مشدودتان الى الخلف، يحيا خارج الزمن. المتخلّف هو عبد جاهل بالظرف الدائر وان أحسن الكتابة والقراءة... سمة المتخلّف الاغلاق والتقوقع. يعتقد أنّه الأفضل وأنّ سبيله هو الحقّ وسواه في ضلالة. لا يؤمن المتخلّف بالعقل. لا عقل للمتخلّف. عقله معطّب، محشوّ خرافة. بالغيب مكبّل. قناعاته منتهيّة. لا يمسّها شكّ ولا زمن...
لا يعلم التونسيّون، الدهماء منهم خاصّة، ما يجري في العصر من حركة، من تحفّز، من منافسة. الكثير منّا مغمّض العينين، يحيا كما عاش أجداده والسلف. نحن نحيا في زمن الفتوحات وهؤلاء، بيننا، الصحابة. نحن نحيا في الجاهليّة وهذه المعلّقات وهذا عنترة وهذه عبلة. نحن خارج الزمن... حين ترى كيف نحيا وفي ما نعتقد، يشدّك ذهول. يصيبك جنون...
على عكس التخلّف، التقدّم هو حرّيّة. حرّيّة الفرد في تأسيس الفعل وتحمّل تبعاته. في اختيار ما شاء من فهم، من سيرة، من معتقد. مع الحداثة، ينتهي الغيب وما كان للسماء من أثر. يصبح العقل هو المركز. هو المحدّد. لم يصل هذا العقل الناهض، المتحرّر الى هذه الربوع. بقي الناس هنا كحجر أصمّ، يحملون أسفارا أكلها الزمن. توقّف منذ زمن عندنا الزمن. لا معنى عندنا للزمن.

٭٭٭
كيف السبيل الى الخروج من التخلّف؟ كتب الكثير من قبل حول هذه السبل. قيل الكثير حول ما يلزم للحاق بالعصر، لتحرير الفرد من غيّه، من غيبه. لم يفلح أحد في إصلاح حال العرب. ضاع الكلام. تواصل فينا التخلّف... أنا اليوم أعيد ما قيل وما كتب. ما سوف أكتبه هو اعادة، هو هراء ولا أمل في أن يتغيّر هنا بشر. أنا أحمل يأسا ورغم يأسي، أكتب. لن يقرأ أحد ما أكتب...
في ما أرى، هناك ثلاثة أطراف هامّة لها الاثر الأهمّ في تشكيل فكر الفرد التونسيّ، في بناء سلوكه. هذه الأطراف هي التي تؤسّس لنظر العباد وترسم ما يحملون من فهم ومن فعل. في ما أظنّ، لو أهّلت هذه الأطراف واستساغت الحداثة وأعادت للعقل مركزه، سوف يتغيّر في الناس النظر وسوف ينقلب التونسيون الى العيش في قلب التقدّم. هذه الأطراف الثلاثة هي: التعليم والدين والاتّصال...

٭٭٭
1 - أمّا التعليم بمراحله فقد بان فشله منذ سنين في تكوين نشء واع بالعصر، قادر على المسك بالزمن. خريجو المعاهد والجامعات التونسيّة هم اليوم، غالبا، ناقصو عقل ونضج. هم صبية يعيدون ما حفظوا. غير مدركين لما فيهم من قدرات للتجاوز، لكسب الدنيا والآخرة. في النشء اليوم وهن وهشاشة. يسكنهم احباط وهزيمة. يعتقدون أنّ الدولة هي الرازقة وأنّ الحياة كلها قضاء محتّم. كلّ شيء بمشيئة الله وحده ولا دخل للبشر في ما تحمله الأيّام من حدث...
المدرّسون هم السبب في ما نرى من احباط لدى الشباب والصبية. بعد أن أهملوا وظلّوا لعقود بلا تكوين وبلا متابعة، أصبح المعلّمون والأساتذة، الكثير منهم، أشباه أمّيين. يجترّون ما حفظوا. دروسهم رتابة. رؤوسهم خاويّة. اليوم، لا يعلّم المدرّسون الصبية. لا ينيرون لهم السبل. أحيانا، هم للهدم معاول...
في ما أعتقد، يجب طرد الكثير من هؤلاء المدرّسين وقد أصبحوا بلا نفع بل هم سوء وفيهم ضرر. يجب رسكلة ما تبقّى وتمكينهم من قدرات العصر وتملّك أدواته. يجب حفظ اللغات الأجنبيّة وتعلّم الفلسفة والعلوم الانسانيّة وتقنيّات الاعلاميّة والبيداغوجيّا وغيرها من المعارف المعتمدة في الغرب المتقدّم. يجب توطيد العلاقة مع الغرب المتقدّم وقطع الصلات مع من كان مثلنا في تخلّف.
أما المدرّسون الذين تمكنوا من أدوات العصر وانفتح فؤادهم وسكنتهم حيرة، فتفتح لهم الأقسام حتّى يساهموا في تربيّة النشء ونفخ النور الحداثيّة في الأنفس. أمّا من غلّقت قلوبهم ومسكهم حنين الى ماض ولّى وانتهى، فلا مكان لهؤلاء في المدارس ولا حقّ لهم في الاتّصال بالصبية... كما يجب إعادة النظر في البرامج والأخذ بكلّ نفس عصريّ. فأدب الجاهليّة مثلا وما قيل من كلام تجاوزه الزمن لن ينفع الصبية ولن يفتح لهم بصرا. في الأدب العالمي لنا اليوم نصوص بهيّة. فيها خيال واعمال للعقل ونظر... أمّا جامعة الزيتونة وقد غدت حاجزا في وجه كلّ نظر وكلّ تحرّر، فهذه مدعوّة الى تغيير المنهج والغايات أو غلقها، وهذا، في ما أعتقد، هو السبيل الأنسب...
بالتعليم المواكب للعصر، بالأخذ من الغرب معارفه ومناهجه ونظمه، بامتلاك العلوم، بحذق اللغات وأيضا بالرقابة المستمرّة وبالتمييز بين المدرّسين وبالتكوين يمكن انشاء تعليم عصريّ يكون فيه العقل هو المرجع...
قد يرى بعضهم في ما أقول تجفيفا للمنابع أو تنكّرا للهويّة أو هو دعوة لاستئصال ما نحمل من فكر ومن شخصيّة. قد يقول بعضهم انّي مسلوب الفكر وبما أقول أحنّ الى الغرب المستعمر بل أنا من أنصاره ومعاد للإسلام وللعروبة، إلى غير ذلك من والسبّ... في ما أرى، انتهت الهويّة وما كان من خصائص مميّزة ومن أصالة. اليوم، بفضل الحداثة وما كان للعقل من مركزيّة، أصبحت الدنيا قرية صغيرة. لا مكان فيها للوطن الضيّق، للهويّة. كلّ البشر اليوم يحملون نفس الهويّة. كلّهم في نفس السبيل، يحيون، يسعون لحياة أفضل. انتهت الخصوصيّات ولكلّ بلد أرطاله. كذلك، أصبحت طريق التقدّم واحدة وأسباب التخلّف واحدة...

٭٭٭
2 - أمّا المساجد فهي الأخرى تلعب اليوم دورا مهمّا في صياغة العقل وفي تحديد الرؤى والتمثيليّات الدائرة. ما يأتيه الأيمّة من خطب أيّام الجمعة وفي المناسبات الأخرى هو مهمّ بل هو خطير جدّا. في هذه الخطب، لا يكتفي الأيمّة بشرح قواعد الدين وذكر مناسكه بل هم يبيّنون للناس كيفية الأخذ بالدنيا وكيفية العيش المشترك وكيفية النظر. في بيوت الصلاة، هناك بلورة للفهم وتحديد للقيم وللقواسم.
من غير الممكن أن تظلّ الخطب هذه خارج كلّ رقابة ودون أيّة تقييم ومتابعة. من الخطر ترك الأيمّة سائبين، يقولونّ في الناس ما شاؤوا وما ارتأوا. يجب أن يكون الأيمّة في خدمة مشروع الحداثة وأن تكون المساجد تتمّة لدور التعليم ولمشروع الدولة. يجب أن تكون مناصرة لحرّية الفرد، محفّزة على اعتماد العقل، دافعة لبذل الجهد والهمم. على الأيمّة أن يشرحوا النصوص بما يساير الحداثة ويجلب المصالح للناس ويدرأ المفاسد...
في ما أرى، لا يعرف الأيمّة ما يجري في الدنيا من صراع ومن تقلّب. أعين الأيمّة مشدودة الى ماض انتهى وولّى. يعيد الأيمّة خطبا باليّة، خرافات قديمة، لا تصلح... يجب تكوين الأيمّة تكوينا عصريّا، على أيدي من لهم نظر حداثيّ ودراية بالعلوم الانسانيّة. أمّا أن يتولّى الإمامة من حفظ الدين عمّن سبقه فهذا غلق للأفق ومنع للتطوّر...
لمّا كنت تلميذا، في قريتي منزل كامل، كنت مولعا بالدين. أستمع أحيانا كثيرة الى خطب الجمعة. منذ سنة أو سنتين وبعد نحو أكثر من خمسين سنة، في قريتي، في نفس المسجد، استمعت الى خطيب الجمعة. لم ألق بين خطاب الصبا وخطاب الشيخوخة اختلافا يذكر. نفس المضامين تعاد، بنفس المنهج...
تلعب المساجد دورا مهمّا حتّى تترك في أيدي الأيمّة، وحدهم. ما يقال ويجري في المساجد يهمّ الناس جميعا والسلط السياسيّة. كلّ خطاب هو، في النهاية «إشهار»، هو دعاية. يحمل في طيّاته مقاصد وغايات نفعيّة. خطاب الجمعة هو خطاب إمام له خيارات ومصلحة. لكلّ إمام غايات ومصلحة... أنا لا أدعو الى تحييد المساجد فهذا غير ممكن. أنا أدعو الى أن تقحم المساجد في المعركة، أن تصبح أدوات للتغيير. معاول لبناء انسان جديد، متحفّز، له حرّيّة وعزم وهمّة. له رشاد وعقل وقدرة. انسان متفتّح على العصر. لا يهرب من العصر بل هو فيه مساهم، فاعل...
في ما مضى، تأقلمت الديانات السماويّة كلها وتغيّر فهمها للدين وللدنيا. هي اليوم مختلفة. هل حان الوقت حتّى يغيّر المسلمون ما يحملون في قلوبهم من ايمان ومن معتقد؟ كلّ الديانات تطوّرت. دخلت العصر. أقحمت. على الاسلام أن يتطوّر، أن يدخل العصر... ما كان القرآن نصّا ظاهر المعنى، بيّن الغايات والمقاصد. لا تحمل النصوص، كلّ النصوص، في طيّاتها فحوى ودلالات منتهيّة. على المسلمين قراءة النصوص في ظلّ الحداثة، في ظلّ العولمة. على الأيمّة في المساجد ان يتبيّنوا ويحرّضوا على السعي لكسب التقدّم، على مقاومة التخلّف...

٭٭٭
3 - أما الاتّصال وأعني به كلّ أدوات الاتّصال، السمعي والبصري، من قنوات تلفزيّة وإذاعات وجرائد ورقيّة والكترونية، فهي الأخرى، باعتبار ما لها من أثر وتأثير على الناس، مدعوّة الى التعديل، الى السير ضرورة في سكّة الحداثة... بعد الثورة، حصل في البلاد انفلات وذهب كلّ إعلام الى غاياته. يقول ما شاء ويدّعي حقّا وباطلا. كثر اللغو في البلاد. كثر الصخب. عمّت الفوضى وأصاب الناس تشويش في الفهم وضبابيّة.
أدوات الاتّصال، كالأيمّة في المساجد، كالأحزاب في السياسة، لها مصالح خصوصيّة، لها هموم نفعيّة. كذلك، ترى كلّ أداة إعلام تدعو الى سبيلها. تكدح سرّا وجهرا لتحقيق ما لها من مآرب. لا أحد في الدنيا يسعى في سبيل الله، في سبيل الوطن. كلّ فردٍ، كلّ وسيلة اتّصال تعمل لصالح نفسها... اشتدّ الصراع بين الأطراف. كثر التنافس. تفرّقت السبل. تقطّع الحبل الجامع. في تونس اليوم تشتّت مفزع وفتن. غدا الكلّ في مناورة، في ريبة. أفسد الاعلام الثورة. أنهك المجتمع...
مع ضعف الدولة وباسم حرّية التعبير، تعاظم قطاع الاعلام وأصبح الفاعل الأهمّ والمرجع... في بلد متخلّف مثل تونس، من غير المعقول ترك قطاع الاتّصال يقول في الناس ما أراد ويفعل في الناس ما شاء والكلّ يعلم ما لهذا القول من تشتيت، من تفتين، من كبير أثر في تشكيل النظر، في توجيه الرأي العامّ. لإنقاذ البلاد من هذه الفوضى العارمة، يجب تنظيم قطاع الاتّصال وحصر مناهجه وتحديد أطره. الاعلام اليوم منفلت. حفاظا على البلد، يجب الحدّ من طلعاته وغوغائه. يجب وضعه فوق السكّة. على الدولة أن تتدخّل وترسم السبل...
بالإضافة الى التهافت هذا، أرى في الكثير من أهل المهنة فجوات يجب سدّها وتلافيها. بعض الاعلاميين أو أغلبهم هم اليوم في شبه أمّيّة. لا دراية لهم ولا علم بما يجري في الدنيا من صراع ومن اشكالات ومن تطوّر. غير قادرين على النظر والتبيّن... حتّى يساهم قطاع الاتّصال في رفع التخلّف عن هذه الأمّة، يجب أن ترفع عن أعين أهله ما كان من ظلمات ومن غشاوة. يجب تكوين الاعلاميين حتّى يدركوا ويؤدّوا المهمّة...
هذه هي الأطراف الثلاثة الفاعلة في تحديد الفهم، في تأسيس العقل التونسيّ. هذه الأدوات الثلاث هي اليوم مختلّة، فيها ضياع، غير مواكبة للعصر. هي ناقصة قدرات ووعي. حتّى تنهض وتمشي الى الحداثة وتدخل دون ريبة في العولمة، يجب ترشيدها وتنظيمها وتكوين أهلها. دون ذلك، ستبقى تونس في تخلفّ وسيظلّ التونسيّون جميعا في شقاء، في بؤس.

(انتهى)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499