رسالة مفتوحة إلي السيد وزير التربية: حول «مجزرة» التاريخ والجغرافيا في امتحان الباكالوريا آداب

د فوزي البدوي
أستاذ التعليم العالي جامعة منوبة
مثّل اختبار التاريخ والجغرافيا صدمة لكل المترشحين في الباكالوريا

آداب هذه السنة في كامل تراب الجمهورية نظرا للنتائج الكارثية التي كانت عليها أعداد المترشحين مما ينفي نهائيا القول إن الأَمْر يرجع إلي تدني مستوى التلاميذ إذ لا يعقل البتة إن تكون آلاف الأعداد من فئة صفر أو 0.27 أو 1.37 أو 2.62 أو ما شابه في صيغ كافكاوية في كامل ولايات الجمهورية وقد لاحظت الأغلبية الساحقة من الأساتذة والأولياء والمتابعين انّ هذه المادة صارت تشكو من خلل كبير يدفع ثمنه التلاميذ دون ذنب ارتكبوه فعلاوة على الخلاف الذي استشرى بين المصححين أنفسهم حول سوء صياغة ومقاييس إصلاح بعض أسئلة مادة الجغرافيا في الدورة الأُوْلَى والتاريخ في دورة التدارك بلغ إلى حد توقيع الأساتذة فيما بلغني من مصادر متعددة في مراكز إصلاح كثيرة على عرائض تلفت نظر الوزارة إلى هذا الخلل الذي حطم أحلام الكثيرين من المترشحين الذين يستحقون النجاح لو كانت بعض المواضيع ومقاييس إصلاحها تتسم بحد أدنى من الوضوح والجدية والموضوعية

سيدي الوزير
إن وضع هذه المادة صار يبعث على الانشغال في السنوات الأخيرة لسبب مجهول ولكن الثابت أنها تحولت إلى مصيدة للتلاميذ نتيجة ضعف أداء لجان اختيار المواضيع والإصلاح وعدم ملاءمة المواضيع لمحتوى البرنامج في مادة الجغرافيا أحيانا كثيرة أو تركيزها على جزئيات وفويرقات لا يعرف للتركيز عليها سبب وجيه على وجه الخصوص أو لخضوعها إلى خلافات في التقييم حيث خضع موضوع البرازيل مثلا إلى أكثر من تأويل وفهم وغموض على ما يذكره الكثيرون من أعضاء لجان التصحيح ولكم أن تتثبتوا من ذلك بتتبع مراحل السلسلة المسؤولة عن ذلك

سيدي الوزير
لقد صار موضوع مادة التاريخ والجغرافيا يبعث على الانشغال ولا يكفي معه ترديد نفس النغمة التي اعتادت الوزارة ترديدها بأن الأمور كلها على ما يرام وان الأَمْر موكول إلى لجان لا يمكن الطعن في كفاءتها فالأمر يبعث على الانشغال حقا والأجدر هو إعادة فتح ملف هذه النتائج الكارثية على مستوى دور المتفقدين ولجان اختيار المواضيع ومقاييس الإصلاح فالكارثة عامة والمجزرة حاصلة والأعداد المتدنية في كامل تراب الجمهورية لا تعكس فشل التلاميذ بقدر ما تعكس فشل أساتذتهم وفشل المنظومة المسؤولة عن هذه المادة من جهة البرامج والإشراف والامتحان الخ .. ولقد حدث نفس الشيء تقريبا في الباكالوريا الجزائرية هذه السنة وتدخلت الوزيرة ابن غبريت لوضع حد للمظالم التي رافقت مقاييس الإصلاح وعدلتها بما يحفظ مصالح التلاميذ المترشحين

سيدي الوزير 

إن هناك خللا ما يجب عليكم كشفه وإصلاحه في مراحل السلسلة المشرفة على اختيار المواضيع والمصادقة عليها ووضع المقاييس ومتابعة الإصلاح والاستماع إلى أراء المصححين المباشرين للعملية وقد لاحظ الكثيرون من المتتبعين أن هذا الخلل في التقييم وطريقة إسناد الأعداد قد حدث في السنوات الأخيرة خصوصا فهل هو نتيجة بعض الطارئين ربما على الوزارة من أساتذة الجامعات المنقطعين عن مشاكل التعليم الثانوي أو هو من باب الغفلة التي تقودها سياسة « دعها حتى تقع « أم لأمر غير ذلك فحين تعجز الأفهام لا يبقى سوى الظن والتخمين

سيدي الوزير
إن تواصل هذا الأَمْر في المستقبل من شانه أن يجعل هذه المادة الأساسية مكروهة بين التلاميذ وهو أمر قد صار حاصلا اليوم مع الأسف وليس التشدد اللامبرر في إسناد الأعداد هو الذي سيعيد إليها أهميتها أو بريقها وهو لا يصب في النهاية إلا في مزيد عزوف التلاميذ عن هذه الشعبة الآيلة إلى الاندثار فيما يبدو وإنني اغتنم هذه المناسبة إلى لفت نظركم إلى انه من غير المعقول أن تسحب أعداد سيئة في ماده منهما أي التاريخ والجغرافيا العدد الجيد في المادة الثانية كان تتسبب أعداد متدنية في الجغرافيا مثلا في ضياع الأعداد الجيدة في التاريخ أو العكس بالعكس وبالتالي ضرورة التفكير في الحفاظ على العدد الجيد منهما ما دام المبدأ هو الحفاظ على احسن العددين وما دام الإصلاح نفسه يتم منفصلا بالنسبة إلى المادتين بما يخفف حتى أعباء الإصلاح في دورة التدارك

سيدي الوزير
إن برامج التاريخ والجغرافيا تعاني من تضخم لا مبرر له ومن شحن لعقول التلاميذ لا فائدة منه وهو أمر طال السكوت عنه فليس المطلوب من تلميذ الباكالوريا أن يصير مؤرخا محترفا ولا جغرافيا مبرزا ولا من جعل الأساتذة يلهثون وراء برامج لا تنتهي يستكملونها باللجوء إلى الدروس الخصوصية إنما الغاية هي تقريب هذه المواد إلى النفس ليتخصص فيها من أراد لاحقا وان لا تكون مدعاة إلى النفور والكره ولعلمكم فان الكثير من التلاميذ صاروا يكرهون مجرد التفكير في شيء اسمه الحركة الوطنية نتيجة الطرق البيداغوجية العقيمة والمنفرة وهي سياسة لا يمكن إن تخدم سوي أصحاب المقاولات من أرباب الدروس الخصوصية لان تدنى الأعداد بدون مبرر منطقي ولا معقول إنما سيترك في الأذهان انطباعا أنها مادة تحتاج إلي تدخل الدروس الخصوصية وهي السياسية التي لا نظن أنكم تشجعون عليها

سيدي الوزير
هذا بلاغ لمصالحكم البيداغوجية ولكم شخصيا لتنذروا به ولكي لا تضع مصالحكم أصابعها في أذانها حذر الاستماع إلى النصح ولا أظنكم وقد تحملتم مسؤولية هذه الوزارة في مراحل متعاقبة إلا أهلا لفتح هذ الملف تجنبيا لأبنائنا مخاطر الهواة في التلاعب بمصير الأبناء لأنه ليس مهما عدد الناجحين في الباكالوريا على أهميته بقدر المهم هو عدد الذين اعتبرتموهم فاشلين ولكن جزءا من فشلهم يعود إلى فشل الوزارة في إدراك مشاكلها والقدرة على تداركها راجيا أن تؤخذ هذه الملاحظات بما يستحق من الاهتمام وان لا يكون على قلوب أقفالها مذكرا سيادتكم وكل من تعاقب على هذه الوزارة أو من سيتولون أمورها في قادم الأيام والسنوات إن الإصلاح الحقيقي للتعليم لا يمر عبر استخدام آلية الامتحان للحد من نسب النجاح لنقول إن الأمور تحسنت وان وضع التعليم صار جيدا لان الإصلاح الحقيقي يبدأ من الابتدائي ولعشريات طويلة تكون بعدها الامتحانات ترجمانا حقيقيا عن المستوى لا وسيلة آنية مخادعة لأن نظام التعليم الذي يلقي بحوالي 100 الف سنويا خارج المدرسة لا يمكن إن يكون إلا نظاما تعليميا مريضا خصوصا وان جزءا كبيرا منهم يذهبون ضحية نظام امتحانات وتقييم وإصلاح لا يفهم له منطق في بعض الأحيان والسنوات وامتحان التاريخ والجغرافيا لهذه السنة انصع مثال على ذلك

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499