في الدنيا وما فيها من تفاهات: السوق، هذه العقدة المعقّدة... (6)

الكتابة جهد وعسر. حين أكتب ألقى عسرا في مسك المضامين، في انتقاء الكلمات، في تنسيق الجمل، في تحديد الدلالات.

الكتابة ليست فعلا يسيرا بل هي كدّ ومعاناة. رغم ما فيها من مكابدة وجهد، تبقى الكتابة فعلا جميلا. فيها لذّة وانشراح. فيها حياة. مع الكتابة، يأخذني القلم وأمشي وإيّاه حيث نشاء. نحلّق في الأفق، في السماوات. يحملني وأحمله. يدفعني الى اتّجاه فأدعوه الى اتّجاه. أحيانا، يجفّ القلم. أتركه. أنساه. أراه يجري. أتبعه. معا، نحلّق في الأفق. نرقص. نلهو. نعبث. بقلمي، أؤسّس للذات. أنشئ الكون. أتذكّر. أحيي الموتى. أميت الأحياء. أمسك بالعرش وألغي ما كان. حين أكتب، أطلق العنان لنفسي وتراني أتبختر بين أرض وسماء. أنسج من الفكر ما شئت. أعيد النصّ. أمزّقه. أرقّعه. أفكّكه. أشكّله. أربط أجزاءه. أنظّم فحواه. أحذف ما أشاء وأبقي ما أشاء. النص بين يدي صلصال. أخيطه كما أبتغي، كما أراه...
هذه وريقاتي أمامي بيضاء، ناصعة. هذه أفكاري شتات بين أصابعي أزهار وأنوار. أخطّها طولا وعرضا. أمشي بها يمينا وشمالا. في الكتابة بعث للأنا وتأسيس للآخر. بالكتابة أكون، أمسك بالزمن، بما مضى منه وبما هو آت. بالكتابة أنسى، أتذكّر. أنقبض. أنشرح. أسبح في الفلك. أنا ربّ. أنا بعث. أنا الدنيا والآخرة...
القراءة هي الأخرى عسر ومكابدة. لتبيّن الكلام وفهم المقاصد والدلالات، ترى القارئ في جهد، يكدّ، يفكّ الرموز، يجري في السبل. تراه يسعى لتتبّع ما جاء في النصّ من ظاهر ومن باطن، من أحداث ومن عوارض. تراه يمشي خلف الكاتب، أمامه، على جانبيه، من فوق، من تحت، ليتبيّن الجمل والمفردات، ليدرك ما بان وما خفى،. القراءة سعي للفهم، للإدراك، لتتبّع الأثر، للتجاوز، للاستنباط. القراءة كتابة. هي ابتكار. هي سبيل لإطلاق النظر والخيال. القراءة مراوحة بين ما كان في النصّ من رسوم وتجاوز ولما كان في النص من دعوات. القراءة كتابة. كتابة مختلفة...
٭٭٭
دعني الآن من كلّ هذا... يسعدني أن أرى ليّ قرّاء. ها هو رئيس المصلحة يعجب بمقالي. ها هو يسأل عمّا ضمّنته من أفكار. أنا فرح بهذا الرجل وبما كان بيني وبينه من حديث وجدال. هو حيّره الباب وما فيه من أقفال. أنا نسيت الباب والأقفال والمقال. أنا أنتجت بضاعة ألقيت بها في الأسواق. لقيت بضاعتي إقبالا في الأسواق. هو إقبال قليل، لا محالة، لكنّه يبقى إقبالا. في يوم ما، ربّما، تزدهر سوقي ويقبل على بضاعتي القرّاء. الكتابة بضاعة. هي بضاعة كغيرها من البضائع. هي سلعة تعرض في الأسواق. لها منتجون ولها شرّاء...
ما كنت كتبت وما أكتبه الآن، هل لقي، هل سوف يلقى لدى القرّاء إقبالا؟ في الحقيقة، لا أظنّ. أنا مبتدئ في الكتابة. أنا لست من الكتّاب. أودّ أن أصبح كاتبا، له قرّاء. أودّ أن تلقى نصوصي قبولا ورضاء. في انتظار ذلك، أنا أجتهد. أتعلّم الصناعة. أتثبّت في النصوص. أعيد نسج النصوص، مرّات. أختار ما رقّ من المفردات. أربط الفقرات. أجتهد...
هل يكفي حرصي هذا على جعل نصوصي بضاعة مضمونة البيع في الأسواق؟ لا أظنّ. دعني أفكّر. بعد النظر. بعد التمعّن، أنا لا أرى علاقة مباشرة بين جودة السلع وازدهارها في الأسواق. نعم، لا أرى صلة بين حسن البضاعة وما سوف تلقى من قبول أو صدّ في الأسواق. كم من نصّ جميل، طريف، فيه مضامين بهيّة ظلّ أثرا منسيّا ولم يلق لدى القرّاء حظّا أو رضاء. العكس، قد يحصل. كم من نصّ بائس، رديء يلقى في السوق قبولا ورواجا. في بعض الكتابات التي ذاع صيتها وانتشرت في الآفاق، أرى بلادة فكر وسقط بضاعة. كذلك، هو السوق. غريب أمر السوق. لا منطق فيه ولا صواب. هو صدف وبخت...
هناك ولا شكّ أسباب تجعل من تلك البضاعة مزدهرة في الأسواق وتلك الأخرى كاسدة، لا تباع. الكلّ يعلم أن لا اعتباطيّة في الأسواق وأن لا توجد صدف ولا حظوظ ولا هبات في الحياة. أنا أومن أنّ لكلّ شيء سببا وأن لا اعتباطيّة تحصل في الحياة. للصدف دوما علل وللحظّ دوما أسباب...
إن كانت هناك أسباب محدّدة تضمن النجاح، تمكّن من الفوز في الأسواق، فما هي هذه حتّى أضمّنها نصوصي فتلقى نصوصي صدى وترحابا؟ هذه السؤال يشدّني وجميع الكتّاب ولا أحد من الكتّاب له جواب. أنا لا أرى سبيلا معلوما ولا منهجا محدّدا يضمن الفوز في الأسواق، يضمن النجاح في الحياة. لا أحد قادر على التنبؤ بما سوف يحصل من بيع في الأسواق، من أطوار في الحياة. النجاح والفشل هما وليدا الحظّ والصدف. الحياة جميعا، لو تمعّنت النظر، هي صدف وحظوظ وأرزاق. أتحسب أنّ الفوز هو نتاج الفعل؟ هو نتاج الجهد والفطنة والذكاء؟ أنظر من حولك سوف تعلم وسوف ترى...
السوق عقدة، معقّدة. لا يحيط بعلمه إنسان. في السوق، في الحياة، هناك أيادي خفيّة، إرادة عليّة، قدرات غيبيّة، لا يمسّها ولا يعلمها إنسان... ها أنا أومن بالغيب، الآن. ها أنا أومن بالقضاء وبالقدر. كلّ شيء في الدنيا من فعل السماء. لا حول ولا قوّة للإنسان. كلّ شيء بمشيئة السماء. أنا ريشة في مهبّ الريح. لا عزم لي، لا ارادة ، لا قدرات. فلا تجهد ولا تكدّر النفس وادع السماء. عليّ أن أسأل السماء حتّى تنفتح الدنيا والأسواق ويكون لي قرّاء وأتباع. إنّما الدنيا من أمر السماء. عليّ أن أتضرّع الليل والنهار، علّ السماء ترضى وتحقّق ما لي من أمان ومن رغبات...
كلّ هذا جنون. كلّ هذا خور. أنا لا أومن بالغيب ولا بالقضاء. النصوص والسوق والدنيا والموت والحياة هي جميعا من سعي الانسان وكدّه. هي من صنع الانسان لا من صنع السماء. إن كانت الحياة أمرا مقضيّا، تجرّها يد خفيّة، تؤثّثها السماء فقد انتهى الانسان والأمل والحياة. إن كانت السوق قدرات غيبيّة فقد انتهى الفعل والفاعل والعقل والخيال... إن كان فوزك في السوق، في الحياة بقدرة تأتي من السماء، صدفة أو هو الحظّ ينزل عليك صاعقة، فلا فضل لك ولا فوز وسعيك باطل وعيشك سراب.
٭٭٭
في الصباح، باكرا، أنهض وزوجتي، نمشي الى المطبخ، نشرب قهوة. أحيانا، في صمت، أرفع رأسي الى السماء. أدعو السماء: «اللهم اجعل سوقي مزدهرة، ناشطة واكثر من قرّائي ونقّادي. اللهمّ أعطني صحّة وعافيّة ومالا وراحة بال... آمين يا ربّ العالمين». في الحقيقة، كنت أدعو السماء بلا اقتناع. بلا إيمان. كنت أسرد آليّا دعواتي. أقولها عادات. عندي دعوات كثيرة. أدفعها آليّا، بسرعة، كل نهار. في كلّ ليلة، منذ كنت صبيّا، قبل النوم، ممدّدا فوق الفراش وفوق صدري يديّ، مغمض العينين، تراني أستغفر الله وأرجو رحمة وغفرانا. أعيد دعائي مرّات. كذلك تفعل أمّي. كانت أمّي رحمها الله تستغفر الله. تحمده وتشكره، مرارا وتكرارا. لا أدري لماذا هي تستغفر الله ولم تأت أمّي أبدا سوءا ولا حراما. لا أدري لماذا تشكر الله في الليل وفي النهار وأيّامنا كانت، غالبا، فقرا وعذابا. لا أدري لماذا نحمد الله ونشكره. صباحا، مساء... لا أعتقد أن السماء لها أثر في حياة الناس. لا دخل للسماء في ما يجري في الأرض من أحداث. لا أثر للسماء في سيرورة الأسواق. السوق حرّة تمشي حيث تشاء. الناس أحرار. يأتون في الدنيا ما شاءوا من نظر ومن أفعال...
أساس الفعل، الانسان. أصل القرار، الانسان. كلّ خير وشرّ من صنع الانسان. لا شريك للإنسان في الحياة، في الحلال وفي الحرام. لا دخل للسماء في شؤون الناس... كم من مظالم ومن خروقات تجري في الأرض، في ضوء النهار. كم من حروب تحرق الناس. كم من تجاوزات، من زهق للحياة، تحصل صباحا، مساء، دون أن تلقى صدّا أو ردعا من السماء...
لماذا اذا أنا أدعو السماء وأعلم أنّ السماء في غيب، لا تحرّك ساكنا لمدّ يد العون للإنسان، لإقامة العدل بين الناس؟ أنا أحيا تناقضا. فيّ تمزّق. أنا أدعو السماء سرّا وعلانيّة وفي الآن ذاته أنا أرى أن لا شأن للسماء في ما يفعله الانسان... أدركت السماء ما في قلبيّ من تناقض، من ضعف إيمان فظلّت السماء صادّة لدعواتي، طرشاء. لن تفتح السماء لي الأسواق طالما أحمل في صدري شكّا وريبة، طالما جاءت دعواتي دون اقتناع، دون إيمان...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499