في الدنيا وما فيها من تفاهات: لمّـا سقط عن وجهي القناع (3)

في مساء يوم أحد، كنت عائدا من كاب زبيب في الشمال التونسيّ وكانت الطريق شاغرة، لا دابّة فيها تسير ولا إنسان يمشي. كنت

أسرع السير حتّى أنتهي من يوم عذاب. فجأة، من زاويّة ظلماء، خرج عليّ شرطيّ، نزل عليّ صاعقة، من السماء. لعنت الأرض والسماء وقلت: «من أين أتى هذا؟ أين كان هذا الإبليس الذي أرى؟» أوقفت السيّارة كما أمر الشرطيّ. اصفرّ وجهي. أصابتني بهتة. لعنت نفسي والإنس والجان. ها هو يأتي نحوي بخطى ثابتة، مطمئنّة. ها هو ينظر في السيّارة وفي ما كان فيها من متاع ومن عباد. بعد التحيّة، دعاني أن أمدّه بالأوراق، بجميع الأوراق. أن أمشي وإيّاه الى حافّة الطريق، إلى الأمام. نظر في الأوراق. لا نقص في الأوراق ولا خلل. رفع الشرطيّ رأسه قليلا. نظر إليّ وقال وكلّه عزم وقرار: «أنت تعلم يا أستاذ لماذا أوقفتك. أنت تعلم خطر حرق الأضواء». كنت ساكتا، في خشية، كطفل أمام معلّم عصيب. كنت أعلم ما سوف يكون من عقاب. أضاف الشرطيّ، بعد صمت ونظر وكلّه ثقة: «لك حرّيّة الاختيار يا أستاذ. عليك أن تختار بين محضر ومحاكم أو 20 دينارا تدفعها الآن؟» نزل عليّ السؤال بردا وسلاما. تنفّست الصعداء. انتهيت من حيرة السؤال وما سوف يكون من جزاء. أنا الآن أعلم عاقبة ما أتيت. سؤال الشرطيّ واضح، جليّ. امّا الوقوف أمام المحاكم أو دفع 20 دينارا. عليّ أن أختار. لي حرّيّة الاختيار. نظرت إليه، إلى زيّه، إلى قدميه. الآن، عليّ أن أختار. أنا في حيرة. ما كنت حقيقة في حيرة. الاختيار عندي واضح. يجب أن أدفع رشوة. السؤال عندي هو كم يجب أن أدفع؟ هنا يكمن الإشكال. سوف أدفع ولكن لن أدفع 20 دينارا. حان وقت المساومات والبيع والشراء...

بعد مفاوضات وشرح وتوسّل حصل الاتّفاق وقبل الشرطيّ مبلغ عشرة دنانير. 

انتهيت من القضيّة. أعطيت المال لصاحبه. قبض الشرطيّ المال بسرعة. دفع به الى جيبه وقال وفي عينيه سرور ونصر وفي صوته إجلال وإكبار: «كما ترى يا أستاذ، أنا أقدّر الأوضاع وأتفّهم الأحوال. أنا آخذ بالخاطر. أنت أستاذ وأنا أحترم الأساتذة فهم من يعلّم الأبناء والبنات وهم من يسهر على تربيّة الأجيال. فاذهب يا أستاذ وانتبه ولا تحرق مستقبلا الأضواء فهذا خطر عليك وعلى ذويك وعلى غيرك من الناس». وأضاف وكلّه وطنيّة وأخلاق: «نحن هنا في حمايتك وحماية الناس وحرق الأضواء خطر على حياة الناس...» شكرت للشرطيّ تفهّمه وأعدت الشكر لما كان يحمل من تقدير للأساتذة ومن حرص كبير لحياة الناس. أخذت أوراقي. عدت إلى السيّارة مثقل الخطى. فيّ توتّر لما أعطيت من مال وفرح بما كان من نجاة. مرّة أحمد الله وأشكره ومرّة ألعن رجال الأمن ونفسي والبلاد...
٭٭٭
لم تنته الحكاية. ما أن ركبت السيّارة حتّى سألتني زوجتي وأظنّها رأتني أمدّ للشرطيّ مالا: «هل أعطيت للبوليس رشوة؟» قلت: «نعم، أعطيته 10 دنانير وهي أخفّ الأضرار». قالت وكلّها استنكار: «كيف؟ أعطيت رشوة؟ أنت تعطي رشوة؟» قلت بصوت فيه حسرة وانكسار: «نعم وكما ترين أنا مكره بعد أن حرقت الأضواء. ليس لي اختيار. كنت بين حلّين. امّا أن أدفع 20 دينارا أو مصادرة الأوراق. أنا اخترت أخفّ الأضرار... وأحمد الله لأنّ الشرطيّ طلب 20 دينارا ولولا رحمة من الله وما كان بيني وبينه من بيع وشراء لدفعت رشوتين». غضبت زوجتي وعاتبتي وأنّبتني وأعطتني درس وعظ وإرشاد. قالت إنّي بما أعطيت للشرطيّ من مال دعّمت منظومة الفساد وأني بما دفعت دون وجه حقّ ساهمت في تفشّي الرشوة في البلاد وأنّي بما فعلت شرّعت العبث بالقانون وشجّعت المرتزقة والفسّاد. كان عليّ كأستاذ أن لا أنزلق في مثل هذا الانحراف. كان عليّ كمواطن أن لا أمشي في هذا السبيل المشين. كان عليّ أن لا آتي أمام أطفالي الصغار مثل هذه المغبّات...
كانت فرصة لزوجتي حتّى تشدّني من رقبتي، حتّى تخرج روحي وتقطع أنفاسي. هي فرصة لتخرج ما أخفت في صدرها من غضب، منذ زمان. كذلك هي زوجتي. تسكت دهرا وإن انطلقت في العراك، لن يوقفها شرطة ولا عسكر. لمّا تغضب زوجتي، أسكت أنا. أطأطئ رأسي. أسمع ما تقول حتّى النهاية. إن عارضتها، إن قلت حرفا تشتعل غضبا ويرتفع صوتها وتواصل ما بدأت فيه من صراخ... بتّ ليلتها في كدر، نادما عمّا أتيت من فعل سواد. أسأل نفسي كيف أصبحت فجأة المساند الرسمي لكل ما في البلاد من سوء ومن بلاء وكيف أنّي بما دفعت من رشوة ساهمت مباشرة في منظومة الفساد...
أنا فاسد وما أدّعيه من حسن أخلاق ومن استقامة هو فقط كلام. هو هراء. بما أعطيت من رشوة، سقط عن وجهي القناع. أظهرت لزوجتي ولأطفالي وللعيان ما كان فيّ من وهن في الذات، من خور في الطباع. زوجتي محقّة. بما دفعت من رشوة، أتيت جرما حراما. بما فعلت، أسقطت عن وجهيّ القناع. هل أنا حقّا أستاذ؟ هل أنا حقّا مواطن؟ بقيت الليل كلّه في اضطراب، في حيرة. أسأل. أنظر في ما أتيت من فعل مشين وفي السبل لإصلاح ما كان...
٭ ٭٭
قضيت ليلتي في بعض اضطراب. شوّشت زوجتي فكري وزادت على ما كان في قلبيّ من ضيق وضياع. في اليوم الموالي وحتّى أصلح ما كان من فساد، مسكت بعزمي وذهبت أشتكي الى رئيس مركز الأمن في المنطقة. يجب أن يعاقب ذاك الشرطي البائس. يجب أن أثأر لأخلاقي. ها أنا في مركز الأمن بالنصر، في البهو، أنتظر. بعد ساعة أو أكثر، دخل رئيس المنطقة الى مكتبه مسرعا. دخلت خلفه مسرعا، قبل أن يغلق الباب. بعد التحيّة اللائقة بالمقام، قدّمت نفسي ووظيفي وقصصت له كلّ الحكاية. كان الرجل يسمعني، مطأطأ الرأس، وفي عينيه تعب ونعاس. هل هو يسمعني؟ لماذا هو في نعاس؟ لعلّه القلق؟ لعلّه الارهاق؟ لمّا أتممت حكايتي، ضحك رئيس المركز، بل ابتسم وبحبح واستوى على كرسيّه وقال: «متى حصل هذا؟» قلت: «البارحة مساء في ذاك المكان». قال: «هل لك شهود في ما تدّعي؟» قلت: «لا. المكان وقتها خال والظلام عامّ». قال وقد سوّى حاجبيه وفي عينيه بعض انتصار: «كيف يمكن بلا شهود الإثبات؟ كيف التدليل على ما ذكرت من اتّهامات؟ هذا عيب. هذا اتهام للناس. مستقبلا يا أستاذ وقبل تقديم الشكاوي، احرص على الشهود وتثبّت في ما تقول من كلام. فبغير الشهود دعواك باطلة. كلامك بلا أساس. في ما أرى أنت تتّهم الناس». انتفض رئيس المركز واقفا وانتفضت خلفة واقفا. مطأطأ الرأس. خائبا. أسأل النفس عمّا قاله رئيس المركز من كلام وكيف هو يقول إنّي «أتّهم الناس». هل ما قلت هو زور وبهتان؟ هل أنا كذّاب؟هذه حقيقة ما جرى وهو يعلم أنّي صادق وما أدّعيه هو الحقّ والصواب. يا له من رئيس مركز تعيس، متعوس. ليتني لم آته ولم أحدّثه في ما كان. كم أنا سخيف، غبيّ... هل تعتقد يا أستاذ أن رجل الأمن سيعادي من أجلك من كان له زملاء؟ الا تعلم مقولة العرب: «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما؟» لو أتاك طالب يشتكي من أستاذ، هل سوف تناصر الطالب وتعادي زميلك الأستاذ؟ نصرة الأخ وإن ظلم هي من السنن، هي من العادات... اللهمّ لا تقطع لنا سنن ولا عادات...
عدت الى البيت موجوع القلب، مكسور الجناح. حكيت لزوجتي ما كان لي من حديث مع رئيس مركز الأمن. لم ترض زوجتي بما أتيت من مساع وقالت: «اللوم بعد القضاء بدعة. لن تنفع اليوم شكواك. انتهى الأمر وحصل ما حصل. كان عليك أن لا تعطي رشوة وأن تتحمّل التبعات. لكنّك أبيت ورضيت وأعطيت...» كنت مطأطأ الرأس. أنظر في الأرض. أسمع الكلام. منذ يومين وأنا مطأطئ الرأس، في بؤس. الى متى سيتواصل هذا العذاب؟ متى أنتهي وأطوي الصفحة وأمشي الى أشياء أخرى... نظرت الى زوجتي أطلب معذرة لما أتيت من سواد. عندها قالت زوجتي وأظنّها عفت عنّي وطوت الصفحة: «الله غالب. المهمّ، أن تكون أدركت ما فعلت من سوء وأن تكون هذه المرّة هي الأولى والأخيرة مع الرشاوي». زوجتي على حقّ. يجب أن أنتهي مع الرشاوي. هذه هي المرّة الأولى والأخيرة، أعطي فيها رشوة. لن أعطي مستقبلا رشوة. الراشي والمرتشي هما الاثنان فاسدان. في جهنّم. تأكلهما نار ورماد... هل هذه هي المرّة الأولى والأخيرة التي فيها أعطيت رشوة؟ دعني أتذكّر. لا أتذكّر. لا أدري. نسيت. اطو الصفحة يا أخي. هيّا بنا الى شأن أخر. هيّا بنا الى الادارة نبحث عن ختم وترخيص وإمضاء...

(يتبع)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499