قهوة الأحد: 1984 لجورج أورويل (Georges Orwell) والعودة المخيفة للأخ الأكبر

صدرت منذ أيام رواية «1984» للكاتب البريطاني الكبير جورج أورويل Georges Orwell

في طبعة جديدة عن دار النشر الفرنسية الكبيرة Gallimard. وتكمن أهمية هذه الطبعة الجديدة في كونها نتيجة ترجمة جديدة قامت بها المترجمة المعروفة Josée Kamoun والتي قامت بترجمة أهم الأدباء والشعراء الأمريكيين البريطانيين إلى اللغة الفرنسية واذكر منهم Richard Ford وPhilippe Roth و Jack kerouak وغيرهم . وقد أشارت في بعض الأحاديث الصحفية إلى أنها قدمت إضافات كبرى على الترجمة الأصلية التي تعود إلى سنة 1950 التي قامت بها Amélie Audiberti وخاصة إعطاء قوة جديدة للنص الأصلي وبصفة خاصة استرجاع العنف والحدة التي ميزت أسلوب الكاتب .

أما الجانب الثاني والذي كان وراء الاهتمام الذي لقيه كتاب أورويل فيخص الواقع السياسي الذي نعيشه اليوم وعودة الإغراء (tentation) الشمولي (totalitaire) في عديد البلدان والأزمة العميقة التي يعيشها النظام الديمقراطي.

في الولايات المتحدة ومع انتخاب الرئيس ترامب الى اوروبا حيث أصبحت القوى اليمينية والحركات الفاشية قوة ضاربة رجعت التخوفات من عودة الأنظمة الشمولية التي تضرب في العمق النظام السياسي الديمقراطي في اكبر البلدان وأعتى الديمقراطيات . هذه التخوفات كانت وراء الاهتمام الذي حظي به أورويل هذه الأيام بعد إعادة طباعة روايته المهمة « 1984» والنقد الجذري الذي وجهه في وقته للأنظمة الشمولية وخطرها على الأنظمة الديمقراطية وعلى الحريات .

لقد اكتشفت شخصيا هذا العمل الهام في فرنسا عندما سافرت في بداية الثمانينات لإتمام دراستي الجامعية . وقد تعرفت على هذه الرواية لأول مرة عندما شاهدتها في فيلم بنفس العنوان أخرجه المخرج المعروف Michael Radford سنة 1984. وقد شكل هذا الفيلم صدمة فكرية وجمالية بالنسبة لي . فلأول مرة اكتشف عملا بهذه القوة السياسية وهذا المضمون النقدي الراديكالي للأنظمة الشمولية وبصفة خاصة للأنظمة السوفياتية التي بدأت في التآكل في تلك الفترة ودخلت المرحلة النهائية لأزماتها .

عندما شاهدت الفيلم لم أكن اعرف الرواية وكنت اجهل كل شيء عن الكاتب جورج أورويل .وقد دفعني هذا الفيلم والقوة النقدية التي حملها إلى قراءة الرواية والغوص في عالم الكاتب وقناعاته الفكرية والسياسية

واكتشفت أن جورج أورويل واسمه الحقيقي Eric Arthur Blair هو كاتب بريطاني ولد في 25 جوان 1903 في مدينة Motahiri في الهند حيث كان يعمل والده في الإدارة الاستعمارية هناك. وعند انتهاء مهمة والده في المستعمرة عادت العائلة للاستقرار في بريطانيا إلا أن تأثير عبق الشرق عليه دفعه إلى العودة إلى الهند بعد بضع سنوات قضاها في الدراسة في العاصمة البريطانية .

وسيعود أورويل إلى الهند ليشتغل في الشرطة البريطانية الاستعمارية. وسيكون لهذه التجربة تأثير كبير على مساره الفكري والسياسي حيث سيكتشف الممارسات القمعية للإدارة الاستعمارية هناك – وستخلق هذه التجربة رفضا كبيرا للشاب أورويل لهذه الممارسات وتكون وراء تكوينه السياسي ومحاربته للامبريالية البريطانية ورفضه لممارساتها المساندة لشعوب العالم في التحرر والانعتاق.

وستدفع ممارسات الإدارة الاستعمارية الشاب أورويل إلى الاستقالة من الشرطة في الهند والعودة إلى لندن حيث سيقرر التفرغ للكتابة والاهتمام بالعمل السياسي ومنذ نهاية العشرينات سيحاول بعد عودته إلى بريطانيا أن يحمل جنبا إلى جنب حياته الفكرية والأدبية ومشاريعه السياسية وبالرغم من صعوبة البدايات فسينجح أورويل في جلب أنظار الساحة الأدبية في لندن إلى أعماله ورواياته الأولى مثل «la vache enragée» الصادرة سنة 1933 و«une histoire birmane» الصادرة سنة 1935 و»une fille de pasteur» الصادرة سنة 1935.

أما في الجانب السياسي فمنذ عودته إلى بريطانيا انغمس أورويل في أجواء الحركة العمالية والنقابات والأحزاب السياسية اليسارية . إلا أن التجربة الأهم ستكون في التحاقه بالجمهوريين في اسبانيا سنة 1936 ضمن المجموعات والمناصرين القادمين من كل أصقاع العالم لمساندتهم في حربهم ضد القوى الفاشية للجنرال فرانكو. وعلى أهمية هذه التجربة في مساره السياسي فإنها ستكون مريرة حيث سيلاحظ حدة القوى الستالينية ومحاولتها السيطرة على الثورة الاسبانية وسيغادر أورويل اسبانيا سنة 1937 اثر إصابته في المواجهات المسلحة مع القوى الفاشية وستخلف هذه التجربة عند أورويل الكثير من النقد والمرارة.

وعند عودته إلى بريطانيا سيتفرغ للكتابة الروائية والعمل الصحفي وسيبدأ سنة 1945 في كتاب الرواية الأم في مسيرته وهي «1984» والتي سيجمع فيها عصارة تفكيره ونقده للأنظمة الشمولية وللسلطوية السياسية ودفاعه المستميت عن الحرية والديمقراطية وستصدر هذه الرواية سنة 1949 اي سنة قبل وفاته بمرض السل .

وتدور أحداث رواية «1984» والتي صدرت في ترجمتها العربية في جويلية 2006 عن المركز الثقافي العربي في ترجمة لأنور الشامي في عالم تنبأ به أورويل سنة 1948 حيث سيكون العالم على حافة مواجهة كبرى بين ثلاثة أنظمة شمولية تحكمها إيديولوجيات شمولية وتدور أحداث الرواية حول شخصية ونستون سميث وهو المكلف في أحد هذه الأنظمة بإعادة كتابة التأريخ وتطويعه حسب الرواية الرسمية إلا أن هذا الموظف البسيط في الآلة الموالية سيتمرد على عمله ويحاول إخفاء أرائه على بوليس الفكر في النظام كما سيقوم في السرية بمحاولة القيام بكتابة موضوعية للتاريخ .

وسيلتقي في هذا المسار المعقد والصعب بامرأة ستربطه معها علاقة حب وتشاركه نفس الشعور في رفض ممارسات النظام الشمولي وسيعمل الاثنان على الاطلاع على كتابات المنشقين والرافضين لهذا النظام وسيجمع الحبيبين حلم الثورة على هذا النظام.

إلا أن هذا الحلم سينتهي عندما تكتشفهم المخابرات أو عين الأخ الأكبر أو Big Brother كما عبر عنها أورويل بالانقليزية والتي ستصبح العبارة العسكرية للحديث عن الأنظمة الشمولية وقوة مخابراتها منذ ذلك التاريخ سيتم إيقاف الحبيبين وسيسلط عليهما أقسى أنواع التعذيب لدرجة أن البطل سيتراجع عن قناعاته وسيقبل بالانخراط من جديد في المشروع الشمولي وكل حقائقه اثر عملية نقد ذاتي والتي أصبحت خاصية هذه الأنظمة اثر هذه «التوبة» و«العودة إلى الجادة»

سيقع إطلاق سراح ونستون سميث الذي سيقضي بقية أيامه تائها بين البارات إلى أن تقع تصفيته من قبل ميليشيات النظام.

لقد أحدثت رواية «1984»عند صدورها وإلى اليوم ضجة فكرية وسياسية لا مثيل لها . ويتواصل تأثير هذه الرواية إلى اليوم في علاقة بالعالم المرعب الذي تستشرفه والذي بدأنا في ملاحظة بعض ملامحه مع صعود القوى الشعبوية وحلم العودة إلى النظام الشمولي والسلطوي .
ولعل أهم ميزة لهذه الرواية هي تفكيكها لأهم أسس النظام الشمولي وعالمه المرعب والمخيف ويشير اورويل في هذه الرواية بوضوح إلى أن النظام الشمولي هو مزيج من الأنظمة التي عرفناها في السابق كالأنظمة الفاشية والنازية وكذلك النظام الستاليني أيام سيطرة الحزب والمخابرات على أجهزة الدولة . ومن خلال مسيرة بطل الرواية يقوم أورويل بتفكيك أسس وأركان الأنظمة الشمولية .

وقد قام اورويل بالتأكيد على أربعة أسس رئيسية في الأنظمة الشمولية المسألة الأولى هي الغاء الحريات وتقييد حرية التفكير والتعبير لتلغي بذلك مبادئ وأسس الأنظمة الديمقراطية .
المسالة الثانية التي تسعى الأنظمة الشمولية لتطبيقها هي السيطرة لا فقط على الفضاء العام بل كذلك على الفضاء الخاص والعلاقات الشخصية .
وهذه السيطرة تمكنها من التأكيد على هيمنة خطابها الإيديولوجي والشمولي في المجتمع وغياب كل محاولة لنقده أو لبناء خطاب بديل .

المسألة الثالثة في الأنظمة الشمولية تخص المراقبة حيث تسعى هذه الأنظمة بث العين الساهرة في كل الاماكن العامة والخاصة لمراقبة حركات وسكنات الناس – ومن هنا أتت فكرة «الأخ الأكبر» أو «Big Brother» التي أتى بها أورويل والتي تعبر أحسن تعبير عن الرغبة من قبل هذه الأنظمة في مراقبة لا فقط الحركة الاجتماعية والسياسية بل حتى الخوالج والمشاعر الذاتية للناس .

أما المسألة الرابعة التي أكد عليها أورويل في كتابه فتخص محاولة الأنظمة الشمولية إعادة كتابة التاريخ ونفي الحقائق التاريخية ومحاولة بناء حقائق مختلفة تنحاز لهذه الأنظمة وتدافع عن رؤاها وتصوراتها .

تكمن إذن أهمية رواية «1984» والعمل الروائي والفكري الهام الذي قام بها اورويل ونجاحه في تفكيك أهم مؤسسات الأنظمة الشمولية من خلال التأكيد على خنق الحريات والهيمنة على كل الفضاءات والمراقبة اللصيقة للأخ الأكبر ومحاولتها إعادة كتابة التاريخ حسب مزاجها وقناعاتها.

وهذه المظاهر وان تراجعت اثر الحرب العالمية الثانية بعد انتصار النظام الديمقراطي فقد بدأت في الرجوع في السنوات الأخيرة مع تصاعد الحركات اليمينية والشعبوية في الولايات المتحدة وفي أوروبا والتي أصبحت تدافع عن ضرورة عودة نظام الرجل القوي والعتيد لحمايتهم من مطامع الآخر .
إن شبح «الأخ الأكبر» والنظام الشمولي يهددان اليوم النظام الديمقراطي ويشكلان خطرا على الاستقرار والسلم العالمي . وهذا يتطلب ردا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا يعيد الأمل ويزرع ثقة الشعوب في المستقبل .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499