في سياق تلقّي «تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة» وأشكال التفاعل معه

صدر تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في سياق خاص :

أزمة سياسية حادة وتشنج وغضب وتوتّر وشعور بالإحباط منذ دخول شهر رمضان لاسيما بعد أن «هلّت» علينا «شالوم» وما تبعها من اتهامات، والاحتقان الاجتماعي الذي حدث بعد غرق مركب «الحراقة» هذا بالإضافة إلى الإقالات والاستقالات وإلقاء القبض على بعض المهربين والإرهابيين دون أن ننسى بطبيعة الحال، شيوع سلوك «قنص الفطارة» والذي تسلل إلى بعض قاعات الاختبارات في امتحان الباكالوريا بعد أن تحول بعض الأساتذة إلى حماة الشريعة و ناطقين باسم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . فلا غرابة حينئذ أن تنعت بشرى بلحاج حميدة بأبشع النعوت وأن يدعو البعض إلى رجم من شاركوا في صياغة التقرير في الساحة العمومية لأنهم اعتدوا على شرع الله . وبالرغم من إيمان بعضهم بدونية المرأة وعدم اعتراف «حراس الشرع» بأهلية المرأة للقيادة فإن تعمّدهم تسمية لجنة الحريات الفردية والمساواة «بلجنة بشرى» يثبت أنّهم قد أقروا دون وعي وقصد ، بأنّ امرأة استطاعت أن تحتل موقع الريادة وأن تكون الناطقة الرسمية باسم اللجنة ومن هنا فإنّ تقرير اللجنة معبّر عن تصوّر ما لخيار مجتمعي ومقترحات تعرض للنقاش وليس تقرير فرد يراد له أن يكون «صاحب التقرير».

ولئن ارتفعت أصوات المندّدين الذين شكّلوا جبهات المقاومة فأصدروا البيانات ودعوا إلى الاستفتاء وثلبوا واتهموا بالكفر من اختلفوا معهم في الرأي فإنّ أصوات المتفاعلين مع التقرير تحليلا ونقدا ظلت إلى حد الآن، خافتة مقتصرة على بعض التعليقات السريعة والمقالات المقتضبة والمساندة اللامشروطة أو الاستياء من تقرير لم يعبّر عن طموحاتهم فكان في نظرهم، متأثرا بسياق «التوافق» الذي أدى إلى التلفيق والتوفيق. فهل يعود سبب التقصير إلى أجواء الرياضة وما تتطلّبه من «اعتكاف» وانقطاع عن مشاغل الدنيا ؟ أهي تبعات ثقافة الاستهلاك التي أفضت إلى الإفراط في استهلاك كل شيء دون هضم؟ أهو الملل من خوض المعارك والصيف على الأبواب فالنضال لدى البعض موسمي ومناسباتي؟ أهي «مواسم» الامتحانات وترقب النتائج وما تفرضه من إعادة ترتيب للأولويات؟ تتعدّد الأسباب والمبرّرات ولكن من المؤكّد أنّ السياق العام الذي تمرّ به البلاد قد أثرّ في عمليّة التلقّي وفي عملية الفهم. ولعلّ ملامح التغطية الإعلامية التي واكبت خروج التقرير تبيّن كيف كانت وسائل الإعلام في الغالب، غير متحمّسة لفتح النقاش وتنظيم منابر الحوار ربّما حفاظا على «قدسية» الشهر أو حفاظا على جمهور المسلسلات الباحثين عن الزعامات الجديدة في بلد قلّت فيه النماذج القدوة في عالم السياسة أو بسبب وضع القضايا الإعلامية على محكّ النقاش.

ومثلما توقّع أغلب المحلّلين فإنّ التقرير اختزل في نظر الرافضين له، في مطلب «المساواة في الإرث» ومن ثمّة كانت القراءة انتقائية وموجّهة تعرّي استراتيجيات المقاومة وتبيّن من «أين تؤكل الكتف». فمن السهل التخفّي وراء حجّة النصّ القطعي الدلالة، ومن الصعب التفكير خارج حدود «المعلوم من الدين بالضرورة»، والتأمّل في منهج عمل اللجنة وفي نوعيّة الحجج المقدّمة، وفي مدى انسجام مكوناته وتقويمه. ومن السهل تعبئة الجماهير بخصوص أحكام المواريث التي ترتبط بصراع حول موقع المرأة في المجتمع المعاصر وبامتيازات مادية وفي المقابل من العسير «تجييش» الناس حول إلغاء عقوبة الإعدام أو تجريم الدعوة إلى الانتحار أو تجريم التعذيب واحترام حرمة الجسد... وينجم عن اختزال التقرير في مبحث المساواة في الإرث تحويل وجهة النقاش من نقاش مجتمعيّ ومعرفيّ إلى صراع أيديولوجي يحتلّ فيه الاستقطاب الحدّي الصدارة ويتم فيه تفويت الفرصة أمام التونسيين لاختبار مدى قدرتهم على التفاعل الجدّي مع الواقع المتحرّك واكراهاته الذي يحثّ أغلبهم على اتّخاذ مواقف شجاعة وصريحة تقطع مع الرياء والازدواجية والانفصام.
وفي انتظار تزحزح البعض عن مواقفهم الصارمة وتقديمهم لبدائل ومقترحات من موقع الذات التي راجعت قناعاتها وفكّرت خارج الأطر التقليدية المغلقة... وفي انتظار إعادة بناء علاقة مع التراث الفقهي تقطع مع الاتباع وتنفتح على ممكنات الاجتهاد ...وفي انتظار رؤية مختلفة لعلاقتنا بالآخر والزمن والنصوص والواقع ... وفي انتظار إعادة النظر في مسارنا التاريخي والإصلاحي في ضوء مقتضيات التحوّل الديمقراطي يبقى الحلم بإرساء مجتمع الحريات مشروعا... ولنا عودة أخرى إلى تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة من منظور أكاديمي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499