هل تاه ملف الحوكمة الرشيدة مكافحة الفساد بين وثيقتي قرطاج الأولى والثانية؟

بقلم: محمد العيادي
عضو مجلس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

لئن استبشر الجميع بتضمين وثيقة اتّفاق قرطاج الأولى الموقعة في 13 جويلية 2016 محور مقاومة الفساد وإرساء مقوّمات الحوكمة الرشيدة كثالث أولوية من الأولويات المطلقة لحكومة الوحدة الوطنية بعد الحرب على الإرهاب وتسريع نسق النمو والتشغيل، وذلك من خلال التعهد بسن جملة من الإجراءات والتدابير التي نادت بها مختلف الأطياف والتنظيمات السياسية والمدنية وعلى رأسها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، على غرار الإلتزام بوضع خطة وطنية تجسّمت لاحقا في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وكذلك الإسراع في سن القوانين والإجراءات الداعمة للشفافية ومقاومة الفساد والتصدي للإثراء غير المشروع، وبصرف النظر عن النتائج المحقّقة من قبل حكومة السيد يوسف الشاهد في مجال مكافحة الفساد ، فإنّ الأصداء

والتسريبات الواردة من محيط المشاركين في صياغة وثيقة قرطاج 2 من «خبراء» و»رؤساء» تفيد بأنّ مكافحة الفساد لم تعد أولوية كما كانت عليه في الوثيقة الأصلية ولا هي كانت محور نقاش أو تركيز بالقدر الكافي من قبل مجمل الأحزاب والمنظمات المشاركة في هذه الوثيقة، فقد تركّز الاهتمام على ما يبدو على كيفية الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما إذا كان الأمر يقتضي إحداث تغيير جذري على رأس حكومة الشاهد أو على الإقتصار على تعديل تركيبتها فقط..

فهل تناسى محرّرو وثيقة قرطاج 2 ملف الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وهل يعني ذلك أنّ الحرب على الفساد حقّقت نتائجها واستوفت أهدافها؟ أم أنّ هذه الحرب أصبحت مزعجة وغير مرغوبا فيها؟ أو هي أضحت مجرد شعارات رنانة لا تمثّل حجر الأساس وعماد كل نفس لإصلاح أحوال البلاد لتترك مكانها لمسائل أخرى أكثر «عمقا وخطورة»؟
يخطئ من لا يعتقد اليوم أنّ قوام نجاح أي حكومة تريد النجاح في كسب ثقة المواطن وضمان مساعدته لها إنما يتعيّن عليها أن تجعل من عنوان برنامجها العزم الصادق والجدي على مقاومة آفة الفساد وتتبع الفاسدين وإيقاف نزيف الإفلات من العقاب وإعلاء شأن القانون وإنفاذه على الجميع دون استثناء.

ولعله من المفيد التذكير بأنّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد كانت أوّل من نبّه إلى أنّ تفاقم الفساد إنما يعود أساسا إلى بقاء منظومة تشريعية وإدارية موروثة عن العهد السابق ما فتئت تشرّع للفساد وتمنح الحصانة للفاسدين، وأنه لا مناص اليوم من تركيز الجهود نحو تفكيك تلك المنظومة عبر إرادة سياسية حاسمة وقاطعة ومتواصلة تنخرط فيها جميع مؤسسات الدولة وعلى رأسها السلط الثلاث وهياكل الرقابة والرصد والزجر..، فضلا عن إسنادها بإرادة مجتمعية مجسدة في المجتمع المدني والاعلام، تحميها من كل ذبول أو ترهل.

فبعد أن وجّهت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لحكومة الحبيب الصيد سنة 2016 وثيقة تحت عنوان «العشر قرارات العاجلة للحكومة لمكافحة الفساد» وما تضمّنه تقريرها السنوي لسنة 2016 من توصيات ومقترحات تمّ الأخذ بالبعض منها على غرار إعلان يوسف الشاهد الحرب على الفساد والمصادقة على الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وتعجيل النظر في جملة من مشاريع القوانين وتعميم تطبيق منظومة الشراء العمومي على الخط ((TUNEPS، فإنّ جانبا كبيرا من توصياتها ومقترحاتها لم يجد بعد الآذان الصاغية، ولا تزال العديد من الإلتزامات مجرد حبر على ورق، وافتقدت تلك الحرب المعلنة شعلتها وانخفضت وتيرتها بعد مدة قصيرة .

وعلى إثر نجاح الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في خلق أرضية خصبة للعمل في إتّجاه مكافحة الفساد برزت بالخصوص من خلال توفقها في تأسيس رأي عام واسع مناهض لآفة الفساد، وما رافق ذلك من إجماع لدى الرأي العام الوطني والمنظمات الدولية على ضرورة أن تتوخى تونس خطوات أكثر جرأة في مجال إرساء مقومات ومبادئ الحوكمة الرشيدة، وبمناسبة النقاشات الجارية بين المشاركين في إعداد وصياغة وثيقة قرطاج 2، رفعت الهيئة بتاريخ 5 أفريل 2018 وللمرة الثانية على التوالي جملة من التوصيات والمقترحات وجّهتها مباشرة إلى الموقّعين على تلك الوثيقة طالبتهم فيها بالخصوص بتفعيل دور المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها وبمراجعة التسميات والترقيات في الوظيفة العمومية بخصوص من تعلّقت بهم شبهات فساد قوية، ولم تتّخذ في شأنهم أية إجراءات إدارية، كما أوصت بمتابعة وتنفيذ النتائج والتوصيات الواردة بتقارير التفقد من جهة ومعاقبة وتتبّع بعض المسؤولين العموميين واستكمال الإطار القانوني لمكافحة الفساد والتوقي منه باستصدار قانون التصريح بالمكتسبات والإثراء غير المشروع وبتجريم الفساد في القطاع الخاص والإسراع في إصدار النصوص التطبيقية الخاصة بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين وبالحق في النفاذ إلى المعلومة...

وعلى أهمية مجمل هذه الوصايا، ومع الإقرار بأنّ مجهود مكافحة الفساد هو شأن لا يهم الحكومة فقط، وبأنّ طريق الحرب على الفساد شائكة وطويلة، فإنّ قناعة راسخة أضحت تتأكد مفادها تواجد بعض قوى الجذب إلى الوراء التي تعمل بكل ما أوتي لها من نفوذ وإمتداد على منع أي إصلاحات في طريق حوكمة سياساتنا الاقتصادية والإجتماعية خدمة لأجندات ومصالح ضيقة وفئوية غريبة عن الصالح العام، والمؤمل اليوم أن لا تنتصر قوى الردة من جديد ويعي الموقعون على وثيقة قرطاج 2 أنّ الحرب على الفساد يجب أن تبقى في صدارة الأولويات والتحديات المطروحة على الحكومة المقبلة وأنّه لا خيار للبلاد لتحقيق التنمية والاستثمار المطلوبين سوى مواصلة هذه الحرب وتقوية أذرعها وأنه لا يمكن لأي حكومة مقبلة أن تستحوذ على ثقة المواطن المفقودة وتكتسب لها مشروعية منشودة إلا انطلاقا من محرار صدقيتها وجديتها في التعامل مع ملف مكافحة الفساد.

فهل صام الموقّعون عن وثيقة قرطاج في نسختها الجديدة عن محاربة الفساد ولم يأخذوا العبرة بما أفرزته نتائج الانتخابات البلدية؟، فثقة الناخبين توجّهت بالخصوص نحو المستقلّين وبعض التنظيمات التي جعلت من شعار مكافحة الفساد عنوانها الأبرز وعنصرا حاسما في جلب الأنصار.

في انتظار ذلك، نأمل أن تكون التسريبات الصادرة من هنا وهناك عن مضمون وتفاصيل وثيقة اتّفاق قرطاج 2 والتي تفيد تغاضي محرريها عن ملف الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد مجرد إشاعات، حيث يتوجب دونما شك تضمين هذه الوثيقة ما يتعيّن على الحكومة القادمة الإلتزام به وإنجازه في الغرض وهو كثير وغزير ولكن ليس بعسير لما فيه خير البلاد والعباد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499