قراءة في الانتخابات البلدية: «المستقلون الديمقراطيون» أو حين تضعنا الأفقية أمام منعرج سياسي جديد

بقلم: ماهر حنين
عضو المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية
رغم كل الشكوك و المؤشرات المحبطة التي خيّمت على المناخ العام قبل موعد 6 ماي

تمكنت تونس من لملمة أزمة هيئة الإنتخابات وحل الخلاف حول القانون الإنتخابي و التصويت علي قانون الجماعات المحلية في الساعة الصفر و أنجزت أول إنتخابات محلية حرة ونزيهة وتعددية لتبقى بذلك الإستثناء في منطقة الربيع العربي التي تعصف بها حروب و يكبلها الإستبداد المستمر والعائد.

ورغم كل الجدل المشروع الذي رافق العملية الإنتخابية و طابعها المحلّي و حجم التجاوزات الخطيرة وضعف أداء هيئة الإنتخابات تبقى هذه المحطة مشحونة بالدّلالات التي يتعيّن قراءتها إحصائيا وكذلك سوسيولوجيا من مختلف جوانبها سواء المتعلقة بالتحولات السوسيولوجية والأنتربولوجية السياسية الفعلية التي ما إنفك يعيشها مجتمعنا بعد ستين عاما من إستقلاله وسبع سنوات من تحرّره الدّيمقراطي أو تلك التي تمسّ بشكل أدق حلبة التنافس السياسي و مقومات الصراع الذي يخترق المجتمع وبنية الفاعلين التقليدين و الجدد في تحديد طبيعة هذا الصراع الآن و في تحديد هويات القوي المتنافسة فعلا حوله لأن ماهية السّياسة و محرّك التاريخ يبقيان دوما الصّراع العميق وليس التوافق الفوقي.
ما لم يكن متوقعا هو هذا الصّعود اللافت والقوي للقائمات المستقلة سواء علي المستوي الكمي أو علي المستوي النوعي بتمكّن قائمات مستقلة من الفوز الواضح أداءا و حضورا و شعبية على قائمات حزبية بما في ذلك قائمات النهضة و النداء بكل ترسانتهما اللّوجستية و التعبوية ووعودهما ومغالطاتهما.

إننا إزاء مادة بحثية جديدة ستشد إهتمام باحثين ومحللين يرشح منها بلا شك سؤال محوري : هل نعيش بداية نهاية البراديغم التقليدي للعمل السياسي الهرمي و الإيديولوجي و بداية تجلي براديغم جديد سمته الأفقية و الفعل الميداني التحتي ؟ وهو سؤال لا نقاربه هنا من وجهة نظرية خالصة تضع وجها لوجه دعاة العفوية و الأفقية ودعاة التنظم العمودي الصلب بل نحن في حاجة حتما لكثير من الحذر حين نخوض في هذا السؤال و إلي التّمعّن الهادئ قبل التّسرّع في إصدار الأحكام و الإستخلاصات إنطلاقا من الواقع غير أن بداية التفكير تسمح بدفع بعض المقدمات الأوّلية إلى النقاش العمومي.

أولى هذه المقدمات تتعلق بالعزوف أو السلبية أو المقاطعة وهي ليست مترادفات بل توصيفات متعددة للموقف غير المشارك في العملية الإنتخابية الأخيرة لشرائح واسعة من المجتمع الريفي و الحضري غير المسجّل لدى الهيئة أو غير المشارك من بين المسّجلين ذلك أن معظم التحليلات أرجعت هذا العزوف وهذه السلبية إلي نفور الناخبين وعموم المواطنين من الإئتلاف الحاكم ومن المشهد السياسي برمّته و الذي لم ينجح لا السياسيون ولا الإعلاميون في الإرتقاء به بعد أن تعلقت آمال التونسيين بالديمقراطية و المشاركة السياسية في الموعدين السابقين 2011 و 2014.

ومع ذلك يهمنا توجيه الإهتمام المخصوص في علاقة بسؤال البداية لتيار المقاطعة الواعية و العلنية والملتزمة كأهم تعبيرة تثير الإنتباه خاصة لدى شباب لم يعد يثق في الديمقراطية التمثيلية و المسلسل الإنتخابي برمته بل في عملية التغيير من داخل المؤسسات وهي تعبيرة نرى صداها وأثرها في الفعل الميداني و الإحتجاجي والفني القوي ولا نرى ترجمتها في العملية الإنتخابية مما يجعل من قوى التّغيير الإجتماعي الدّيمقراطي ليست قوي تغيير ديمقراطي سياسي / إنتخابي ففلسفة هذه الرؤية هي مضاعفة الإشتباك مع المنظومة من خارجها و إضعافها و ليس العمل علي إختراقها و تغييرها من الدّاخل لأنها في المحصّلة منظومة مفخخة لا أمل في تفكيكها.

فالمواطنة الفاعلة لدي هذه الفئة الشبابية لا تختزل في الحقل السياسي / السياسوي الحزبي والمؤسساتي والقانوني وبالتالي في العملية الإنتخابية بل تتعداه للمجال العام المفتوح على مصراعيه لخوض المواجهات والإشتباكات ضد الفساد وضد المحسوبية وضد التهميش وضد العنف البوليسي وضد التّسلط والقيم المحافظة وتمسكا بالحرية الفردية و بالبدائل الإجتماعية العادلة.

ثاني هذه المقدمات تتعلق بأفول و إهتراء فكرة التوافق و التّنافس بين النهضة و النداء والتي يتلعثم المدافعون عنها من داخلها والمسوقون لها في تسميتها فهي مرة تحالف وووحدة وطنية تعكس مسؤولية تاريخية عليا ومرّة أخري تعايش الضرورة العقلاني والبراغماتي وفي بعض الوجوه حرب باردة داخل مؤسسات الدولة وفي حقول الفعل الإقتصادية والإجتماعية فسقوط القناع السياسي عن هذا التحالف نهضة/ نداء أربك وصايتين وصاية الإسلام السياسي على الهوية والدين بعد أن إضطر الإسلاميون بأنفسهم لتغيير خطابهم وحضورهم الإعلامي وإنفتحوا لطمأنة الداخل والخارج علي نساء ورجال كانوا يعدّنوهم بالأمس خطرا علي المجتمع المسلم وقيمه وكذلك وصاية نداء تونس على مشروع الدولة الوطنية وموروث حركة الإصلاح فهذا الحزب بعد أن خسر جاذبيته ثم قياداته صار ملاذا للمهزومين في الثورة والراغبين في السلطة وهو اليوم لا ينظر له كحزب له تصور سياسي وثقافي ومجتمعي فالحزب غائب على الأرض وقيادته ضعيفة ولا شيئ يبعث بالمعطيات الحالية على الإعتقاد في عودته أو في خروجه من أزمته والتي صارت أزمة قيادة وتنظيم وقيم وهو

مهدّد بخسارة مساحات جديدة حتى في أرض التجمعيين السابقين أمام صعود أصوات تصدع أكثر بالتعبير عن الوفاء للتجمع والنظام البائد.
ثالث هذه المقدمات هو فعلا التّشكل السّياسي الأفقي وغير حزبي للقائمات المستقلة وحتى إذا إحتسبنا نسبة الولاء المسبق أو الاّحق لعدد من هذه القائمات لحزبي النهضة و النداء فإن توبولوجيا دقيقة ستبين لنا صعود قادة ميدانين جدد و فاعلين سياسيين جدد لهم من الشرعية الشعبية و الإستحقاق الديمقراطي ما يثير الإعجاب والأمل فتمكن المئات من التّرشح

والدّعاية والفوز دون الحاجة للمال و الإعلام ولا للآلة الحزبية بل تحررا منها تقاطع مع حاجة مواطنية ملحة للثقة مجدّدا في السياسة كفعل أخلاقي أولا و كفعل جماعي للنهوض الذاتي مجتمعيا و إقتصاديا و ثقافيا.

ونحن حين نقرأ حجم التّحركات الإحتجاجية والشبابية و المواطنية ضد الإئتلاف الحاكم وحجم التمثيل السياسي للقوى المعارضة الحزبية الحالية التي أيّدت هذه الإحتجاجات و دافعت عنها مقارنة بحجم الحزبين الحاكمين اللذين بررا قمعها وتجاهلها وساهما في وصمتها السلبية لدي الرأي العام نقف علي مفارقة ظاهرة إذ نتبين أن الفجوة كبيرة بين الجسم الإجتماعي الغاضب والمحتجّ والقوة السياسية الحزبية المتشكلة للتغييروالتي سيتعزز دورها بقدر تطوير أدائها لكن هذه الهوّة ستتقلص حين نحتسب انتصار المستقلين كإنتصار سياسي وهم الذين ترجموا عن تشكّل تحتي وثاوي لقوة سياسية لها إرادة و إقتدار علي البناء الديمقراطي التعددي و التنافسي وبالتالي علي مأسسة عملية الإنتقال الديمقراطي بداية بالمجالس المحلية في إنتظار المحطّات القادمة فهم تعبيرة سياسية يريد البعض إستصغارها ولكنها معطى غير قابل للحجب .

فثمار الوعي الدّيمقراطي الرّاسخ لدى قطاعات من المواطنين وجهود المجتمع المدني ونجاعة فعاليات محلية ديمقراطية في التنظم الذاتي المؤقت وفي الفوز يطمئن الضّمير الديمقراطي التونسي الجماعي فالديمقراطية لم تعد يتيمة و في حاجة لرجل أوحد يحميها ولا حزب واحد يضمنها و لإنقاذها فهي اليوم مبثوثة في جسم المجتمع الملقّح واليقظ وفي المجالس البلدية المنتخبة وهي ستتكرّس بالتجربة و الممارسة والتّعلم من الأخطاء وإستخلاص الدروس.

ومع ذلك تبقى التحفظات حول هشاشة هذا الجسم الجديد « المستقلون الديمقراطيون» وغياب رؤية جامعة توّحده مشروعة ولكن عناصر أخرى تبعث علي التفاؤل و العمل من بينها فرص تمفصل هذا الطاقة المبثوثة مع طاقات المقاومة النقابية والثقافية والفنية والسياسية وتشبيكها و تقدمها معا مما سيمكّن تونس من قوة تغيير إجتماعي لها وجهان من وجوه القوة قوة الإنغراس المحلي و الإجتماعي وقوة الوزن والفاعلية داخل المؤسسات بشرعية الصندوق و أصوات الناخبين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499