عشر وصايا إلى المجالس البلدية: حتى لا تعمّ الأزمات والفوضى ...

بقلم: عبد الباسط بن حسن
كيف يتحوّل التنوّع الذي نتج عن الانتخابات البلدية إلى مصدر تنمية وازدهار وخير لا إلى بؤر توتّر دائم وتناحر وفوضى ؟

وكيف يتحول التعدّد الذي أبرزته فسيفساء القائمات الحزبية والائتلافية والمستقلة إلى دعامة للديمقراطيّة المنشودة لا إلى هباء منثور من الحسابات المصلحيّة الضيقة والأنانية النرجسيّة ؟

إنها الأسئلة التي يجب أن تطرح اليوم بقوّة من جميع الأطراف الوطنيّة في مرحلة دقيقة وصعبة من تاريخنا. وهي الأسئلة التي يجب أن تقود الحوارات والمفاوضات القادمة بدل الإغراق في خطابات الرضى عن الذّات وجلد « الآخر» الممتنع عن التّصويت والتشبّث ببلاغة سياسيّة أبرزت الأحداث عقمها وتصحّرها.
لقد افتتحت الانتخابات البلديّة زمنا جديدا في مسار «الانتقال» في تونس رغم ما شابها من ارتباك في التنظيم وقصور في الحملات وأخطاء وتجاوزات، وأعطت أصواتا لطاقات وكفاءات خارجة من أعماق المحلّي وبشّرت بإمكانات تغيير الخارطة السياسيّة وتجديد النظرة إلى «السياسي» بإتاحة أطر أوسع لمشاركة النّاس في صنع القرار وإدارة الشّأن العام.
كما أثْرت الانتخابات البلدية قاموس السياسة الذي بدأ يترهّل ويثير نفور النّاس، بمفاهيم مثل الربط بين السياسي والمدني والمشاركة المواطنية والمحاسبة الاجتماعية وجودة الحياة إلخ.. ولكن تأتي هذه التطوّرات التي مازالت في معظمها جنينيّة تحتاج إلى عمل كبير لتتحوّل إلى واقع وتحدث نقلة نوعيّة في حياتنا، في مرحلة صعبة تمرّ بها البلاد. مرحلة سوداويّة تغلب

عليها مشاعر الإحباط والخوف من الحاضر والمستقبل. لقد غطّى اليأس الزّاحف على النّفوس على الإنجازات التي تحقّقت وضاعت معالم طريق «الإنتقال نحو الدّيمقراطيّة» في دوّامة الأزمات المتكرّرة وتفاقم التجاذبات والصراعات السياسويّة والإيديولوجيّة وتغليب المصالح الذّاتيّة الأنانيّة على المصلحة العامّة وانتهاك مبدأ دولة القانون والتشكيك في تاريخ البلاد وتتفيه القيم الإنسانية التي قامت عليها المطالبة بتغيير حياة الأفراد والمجتمع نحو الأفضل.

ولعلّ تأخّر الإصلاحات «الكبرى» والعجز عن إقامة المحكمة الدّستوريّة وتواصل منظومة الفساد في طغيانها وارتباك مسار العدالة الانتقالية أمثلة على أزمتنا المستفحلة.
لقد هيمن ما يفرّق على ما يجمع. وأخذت عقليّة الهدم تدريجيّا مكان رغبة البناء.

وتنضاف اليوم إلى هذه الحالة من الخوف واليأس خشية لدى النّاس من أن تؤدّي الانتخابات البلديّة إلى تفاقم الأزمة وأن تتحوّل الفوضى من المستوى المركزي إلى المستوى المحلي وأن تتعاظم مخاطر إضعاف الدولة والعبث «بوحدتها».
كما يخشى البعض أن تتحوّل البلديّات من فرصة لبناء الديمقراطيّة إلى انتكاسة أخرى للمسار وأن تستعمل بعض المجالس البلدية مطية لتحقيق مصالح حزبيّة وفئويّة ضيّقة ولإعداد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة القادمة بدل خدمة مصالح المواطنات والمواطنين.
كلّها مخاوف مشروعة ولها ما يبرّرها في ظل حالة الإرتباك التي نعيشها. ولكن موضوع هذه المخاوف ليس بالأمر الحتمي إذا ما اعتبرنا أن دور المجالس البلدية ليس خدمة المصلحي الآني فقط بل الانطلاق من الخصوصي المحلّي لبناء المشترك الوطني والإنساني.

نعم يمكن للعمل البلدي أن يساهم في توضيح الرؤية الملتبسة وأن يعيد بناء ثقتنا في المسار الديمقراطي إذا انطلق في كلّ أعماله من التشبّث بمجموعة من القيم والمبادئ والسياسات التي يشترك فيها جميع التونسيات و التونسيين.

ويمكن هنا أن نذكر عشرة معالم طريق ممكنة:
اعتبار مبادئ الدستور وقيمه وما نصّ عليه من احترام للدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأدنى المشترك الذي يوحّد مرجعيّة كل المجالس البلدية وتحقّق من خلاله مصالح الناس الفضلى.
احترام مبدأ دولة القانون في كلّ أبعاده ومحاربة مظاهر الإخلال بهذا المبدأ وتجريم التعدّي عليه.

تحقيق الإدماج والمساواة والعدالة في كلّ قرار بلدي بما يضمن كرامة الجميع واتخاذ السياسات البلدية التي تمنع التمييز والإقصاء والتهميش لكل المواطنين والمواطنات واتخاذ تدابير عاجلة لفائدة الفقراء والنساء والأطفال وذوي الإعاقة والمسنّين.
اعتبار التعليم العمومي والمجاني وخدمات الصحة والثقافة والفنون والإبداع المشترك الأساسي الذي تعمل عليه كل المجالس البلدية لتحقيق جودة الحياة وتوجيه الموارد لخدمة هذا الهدف.
إعداد وتنفيذ سياسات في مجال البيئة والتهيئة العمرانية والترابية تقوم على حماية الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.

تثمين الخصوصيّات الثقافيّة والحضاريّة والتراثيّة المحليّة وفتحها على الإنساني الكوني وجعلها مدخلا لبناء مفهوم التنوّع الثقافي.
تجسيد الحوكمة الرشيدة في كل تفاصيل العمل البلدي وبناء ثقافة «القرب» في مجال محاربة الفساد والمحسوبيّة والرّشوة.

جعل المشاركة المجتمعيّة في كلّ القرارات والسياسات واقعا ملموسا للمواطنات والمواطنين والقطع مع ثقافة الاستبداد بالرأي.
تحويل البلديّات إلى فضاءات لتعلّم المواطنة ومبادئ التعامل السلمي بين كلّ الأطراف والحوار والتّفاوض ونبذ التطرّف والعنف.

بناء سياسات التعاون بين كلّ البلديّات من أجل تحقيق مبدأ المسؤوليّة الجماعيّة والقطع مع العقليّات الفئويّة والجهويّات الانعزاليّة.

ستستلم المجالس البلديّة في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ تونس أمانة المساهمة في بناء الديمقراطية والتنمية العادلة وتشريك كل المواطنات والمواطنين في صنع مصيرهم ومصير بلادهم وعليها أن ترتقي بثقافة صنع القرار وإدارة الشأن العام إلى مرتبة تقطع مع مخاطر العودة إلى ظلمات الماضي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499