قهوة الأحد: الفيلسوف والثورة في البحث عن الفيلسوف فتحي التريكي !

أين غاب الفيلسوف فتحي التريكي ؟ ولماذا صارت مساهماته الفكرية والفلسفية شحيحة بعد الثورة ؟ طرحت هذا السؤال على نفسي مرارا لم أجرؤ

على طرح السؤال عليه مباشرة كلما التقيته في إحدى المحاضرات وبصفة خاصة في المعارض الفنية والتي يؤمها باستمرار مصحوبا دائما برفيقة دربه الأستاذة رشيدة التريكي إحدى أهم المختصين في فلسفة الفن والاستيقيا (esthétique de l’art) لكن السؤال لم يفارقني وبقي يقض مضجعي منذ سنوات لماذا غاب يا ترى هذا المفكر الكبير والذي قام بمساهمات فكرية من منتصف الثمانينات إلى نهاية القرن ثم ليأفل نجمه في وقت عرفت فيه الساحة الفكرية حرية كبيرة بعدا الثورة . والى جانب أسباب الغياب فان السؤال الذي يطرح نفسه أين هذا المفكر وما هي قراءته وتحاليله للتغييرات و التحولات التي عرفتها بلادنا بعد الثورة ؟.

وقبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل سنحاول التعرف على الأسباب التي جعلت من الأستاذ فتحي التريكي احد أهم فلاسفتنا وجلبت له الكثير من الاهتمام على الساحة العربية والأوروبية والأسباب عديدة وسأحاول التركيز على مسألتين هامتين في تجربته النقدية والفكرية.

المسألة الأولى تهم في رأيي اختياراته المنهجية والتي تتشكل في التقاء ثلاثة روافد هامة - الرافد الأول هو عمق الاطلاع والفهم والقراءة لكبار الفلاسفة ومحاولة تطويع ارثهم الفكري والمعرفي لبناء فلسفة عربية جديدة قادرة على فهم تجربتنا التاريخية وفتح آفاق جديدة لها .

الرافد الثاني والمهم في تجربة فتحي التريكي الفلسفية هو ربط الحركة الفكرية بالعملية الاجتماعية والنضال السياسي ليكون عنده كما عند كبار الفلاسفة ارتباط وثيق بين النظرية والممارسة .

الرافد الثالث في تجربة فتحي التريكي الفلسفية والفكرية هو هذا الانتماء إلى الفكر الإنساني والتجربة الإنسانية وبصفة خاصة التجربة الحداثية في تأكيدها على حرية الفرد وعلى إعمال العقل في فهم التحديات والانخراط في هذا الفضاء المعرفي والفكري وفلسفة الحداثة ليس انسلاخا ونكرانا لتجربتنا الفلسفية بالعكس حاول فتحي التريكي منذ البدايات بناء حوار جدي بين موروثنا الفلسفي والذي نجده عند عديد الفلاسفة كالفارابي وفلاسفة الحداثة والأنوار والأوروبيين لفتحها على التجارب الأخرى وتخليصها من المركزية الأوروبية وهيمنة الأنا على الآخر في مشاريع عديد الفلاسفة والمفكرين .

إذن تكمن الأهمية الأولى للفيلسوف فتحي التريكي في الاختيار المنهجي الذي اتبعه والذي يجمع بين عمق المعرفي وارتباطه بالعملية الاجتماعية وانخراطه في مشروع فكري وفلسفي هدفه فتح الحداثة على تجربتنا .

كما تكمن كذلك أهمية هذه التجربة في الاختيار التحريري وطريقة الكتابة التي اختارها فتحي التريكي وهذا الاختيار قطع مع الأسلوب الكتابي الجاف للنصوص الفلسفية التقليدية والاتجاه إلى أسلوب إبداعي يذكرنا بأهم الفلاسفة . ونجد هذا الاختيار في عديد الكتابات اذكر منها «الفلسفة الشريدة» الصادر ببيروت سنة 1988 و«فلسفة الحداثة» مع رشيدة التريكي الصادر في بيروت سنة 1992 و«العقل والحرية» الصادر في تونس سنة 1998 و«الحداثة وما بعد الحداثة» مع عبد الوهاب المسيري والصادر عن دار الفكر في بيروت سنة 2003 و«فلسفة الحياة اليومية» الصادر في بيروت سنة 2009.

هذه المؤلفات والمكانة التي يتمتع بها الفيلسوف فتحي التريكي جعلتنا نتساءل عن أسباب غيابه وخاصة عن آرائه وأفكاره حول التحولات العميقة التي تعيشها بلادنا بعد الثورة – ونشير إلى أن آخر مؤلفات فتحي التريكي تعود إلى سنة 2011 وتنحصر في بعض المساهمات في عديد الكتب والمؤلفات الجماعية وبالتالي بقينا ننتظر طوال هذه المدة كتابا هاما من الفيلسوف يقدم لنا فيه نظرته حول اللحظة التاريخية التي نعيشها .

وبعد طول انتظار أتتنا منذ أيام مساهمة الفيلسوف فتحي التريكي في كتاب جديد بعنوان « Ethique de la dignité –Révolution et vivre ensemble عن دار النشر نقوش عربية لصاحبها الصديق المنصف الشابي . قرأت هذا المؤلف الجديد بشغف كبير وبالرغم من قصره إذ لا يتجاوز 200 صفحة من الحجم المتوسط فقد قدم فيه رؤية عميقة للمسارات التي عرفتها بلادنا بعد الثورة وانعكاسات هذه التجربة لا فقط على المنطقة العربية بل كذلك على المستوى العالمي.

وككل الكتب الهامة والمرجعية يقدم هذا الكتاب مداخل وقراءات متعددة – وقد اخترت الحديث عن هذا الكتاب من خلال ثلاثة مستويات مهمة – المستوى الأول يهم في رأيي مسألة فلسفية وقضية فكرية حارقة تخص ما يمكن أن نسميه غربة الإنسان وعزلته في ظل التحولات الكبرى التي تعيشها الإنسانية والتي أدت إلى أزمة كبيرة للمبادئ الإنسانية والتجارب السياسية والتاريخية .

ويشير الكاتب إلى أن الإنسان والفرد في المجتمعات المعاصرة يعيش العديد من الأزمات جعلت من إرادة الحياة هشة وصعبة . ويشير الفيلسوف إلى عديد المظاهر لهذه الأزمة التي يعيشها الإنسان في مجتمعاتنا. ومن هذه المظاهر يمكن أن نشير إلى تصاعد الأزمة الاجتماعية من خلال تصاعد البطالة في المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية .كما يمكن أن نضيف إلى جانب البطالة تزايد التهميش وتصاعد التفاوت الاجتماعي بين الطبقات الاجتماعية .

والى جانب هذه الأزمات الاجتماعية يشير فتحي التريكي إلى تزايد عديد الأخطار كالإرهاب وأخطار الحوادث النووية التي أصبحت تحدق لا فقط بالمحيط بل تضع حياة الإنسان محل تساؤل .

ومن ضمن مظاهر هذه الأزمة التي تعرفها الإنسانية والأخطار التي تحدق بالإنسان غربة الإنسان وانعزاله عن العلاقات الاجتماعية ويشير إلى مخاطر التكنولوجيات الحديثة التي تسحب الإنسان تدريجيا من العلاقات الاجتماعية وتعمق وحدته وغربته في صلب مجتمعات المعرفة .

ويشير فتحي التريكي إلى جانب آخر من هذه الغربة والعزلة ويهم هيمنة العالم الافتراضي والتي تجعله يفقد العلاقة مع العالم الحسي ليدخل عالما اصطناعيا بعيدا كل البعد عن العالم الواقعي والعلاقات الاجتماعية ويتعرض الكاتب في هذا البحث إلى تصاعد آليات المراقبة لتفرض على الإنسان حالة من الإقامة الجبرية تقيد حركته وعلاقاته الاجتماعية

يقدم الكاتب في هذا المستوى عديد الأمثلة والتحاليل التي تؤكد الغربة والعزلة الكبيرتين اللتين يعيشهما الإنسان في المجتمعات الحديثة .

وتفسر هذه الأزمة حسب فتحي التريكي صعود الشعبوية وانفلات العنف الذي عرفه العالم منذ سنوات أمام فقدان الأمل في قدرة الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية على إعادة بناء تجارب تاريخية جديدة قادرة على إعادة الثقة وعلى تغيير الواقع نحو الافضل .

ويربط الفيلسوف فتحي التريكي هذا المستوى الأول للتحليل وغربة الإنسان والأزمة العميقة التي يعيشها منذ سنوات بالمستوى الثاني وهو الثورة التونسية والتي فتحت آفاقا هامة للإنسانية للخروج من حالة الإحباط التي نعيشها . ويقدم لنا في هذا الكتاب قراءة جديدة للثورة التونسية لا تقتصر على جوانبها السياسية والاجتماعية وتغيير نظام الاستبداد وبداية تجربة ديمقراطية جديدة في بلادنا وفي المنطقة العربية.

وعلى أهمية هذه الانعكاسات والتغييرات السياسية التي أحدثتها الثورة في بلادنا وفي المجتمعات العربية فان لهذه الثورة انعكاسات اكبر واهم حسب فتحي التريكي – ففي هذا المؤلف يعتبر فتحي التريكي أن هذه الثورة شكلت لحظة فارقة لا فقط في التاريخ العربي بل كذلك في التاريخ الإنساني وفي حركة الفكر الفلسفي والممارسة السياسية وتكمن الأهمية الإستراتيجية لهذه الثورة في تقديمها لحل لازمة الإنسان وغربته في عالمنا المعاصر ويكمن هذا الحل في تأكيدها على ارادة الحياة والتي تمر عبر استعادة الإنسان لإرادة الحياة من خلال التأكيد على مبادئ الكرامة والحرية .

فشعارات الثورة التونسية كالحرية والكرامة الوطنية ليست فقط شعارات تعبئة لسقوط الاستبداد في بلادنا بل أسست حسب فتحي التريكي نقطة انطلاق لمشروع سياسي عالمي يفك عزلة الإنسان ويحد من غربته .

وهنا يأتي المستوى الثالث للتحليل في كتاب فتحي التريكي وهو تحويل هذه القطيعة التي مثلتها الثورة التونسية في أزمة الإنسان إلى نقطة انطلاق لتجربة جديدة من خلال بناء قواعد جديدة للعيش المشترك في المجتمعات الإنسانية . وهنا يهدينا الكاتب رحلة هامة في الأسس التاريخية في الفكر الفلسفي لمسألة العيش المشترك .

وتنطلق هذه الرحلة مع اللحظة السقراطية والتي حددت قواعد العيش المشترك في إعمال العقل والتواصل بين الناس – وتتواصل هذه الرحلة مع الفارابي الذي أكد على مبدا إعمال المطابقة وإعمال العقل . ثم يشير فتحي التريكي إلى فلاسفة الأنوار مثل كانط وديكارت في قواعد العيش المشترك من خلال التأكيد على الوعي النقدي ليصل إلى الفلاسفة المعاصرين مثل فوكو وريكور ودولوز ومساهماتهم في بناء

أسس العيش المشترك وينطلق فتحي التريكي من هذه الأسس الفلسفية الصلبة لمفهوم العيش المشترك ليقدم بعض الأفكار الجديدة ومن ضمنها الديمقراطية التشاركية ونبذ التوحش والتأكيد على التؤانس واحترام التنوع والتعدد الثقافي والتفاهم والتوافق والإجماع .

يشكل كتاب فتحي التريكي مساهمة هامة في فهم وقراءة انعكاسات الثورة التونسية فأثارها لا تقتصر فقط على فتح آفاق تجربة سياسية جديدة في بلادنا وفي البلدان العربية من خلال الإذن ببداية تجربة التحول الديمقراطي بل تتجاوزها بكثير باعتبارها تفتح الباب للخروج من ازمة الإنسانية وغربة الإنسان وعزلته من خلال بناء قواعد جديدة لتجربة العيش المشترك .

وفي الختام هل يكفي هذا الكتاب الهام للإجابة عن غياب فتحي التريكي وتجنيبه النقد ؟ وهذا التساؤل في رأيي يتجاوز في النهاية فتحي التريكي ليشمل كل المفكرين في بلادنا والمنطقة العربية لنقد عزوفهم عن المساهمة في الحوار العام والانخراط في النقاش العام حول تجربة التحول الديمقراطي في بلادنا وفي المنطقة العربية وفي العالم فالأزمات التي نعيشها والحروب القاتلة والضروس التي تعيشها عديد البلدان الصديقة والشقيقة كليبيا وسوريا واليمن ليست فقط أزمات حكم بل هي أزمات تهم قواعد العيش المشترك أمام تصاعد العصبيات وتتطلب بالتالي مساهمات هامة فكرية وفلسفية من أجل بناء قواعد هذا العيش والعلاقات الاجتماعية التي يجب بناؤها من أجل الخروج من عزلة الإنسان وغربته .

إذن أيّها السادة إلى أقلامكم والى الراديوات وإلى شاشات التلفزيون وندعوكم إلى الحوار العام من اجل إنارة سبيلنا وإعانتنا على بناء قواعد جديدة للعيش المشترك .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499