قهوة الأحد: هل دخلنا نهاية العالـم الحرّ ؟

يعيش العالم اليوم نقاشات هامة وجوهرية حول مستقبل النظام العالمي

وكيفية تجاوز الأزمات المتتالية والحروب الطاحنة كالتي تشهد رحاها الشقيقتان سوريا واليمن والتي تهدد كل لحظة استقرار العالم وأمنه .
وتعرف المنتديات الكبرى كمنتدى دافوس ومراكز التفكير العالمية الكثير من النقاشات التي يساهم فيها أهم المفكرين حول مصير العالم والنظام والمؤسسات الدولية .

ومن أهم النقاشات التي تثير انتباه المثقفين والمفكرين في العلاقات الدولية تلك التي تهم مستقبل ما اصطلح على تسميته «العالم الحرّ» وهل دخلنا مرحلة «ما بعد النظام الدوالي الليبرالي» .

وعديد المؤشرات تشير إلى أزمة وتراجع العالم الحرّ ومن ضمنها تزايد الصراعات والحروب التي نجح هذا النظام في كبح جماحها اثر الحرب العالمية الثانية .كما يمكن أن نضيف إلى جانب هذا المؤشر الأول عديد المؤشرات الأخرى كتراجع دور عديد المنظمات الدولية كمنظمة التجارة الدولية أمام الإجراءات الحمائية التي تأخذها الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وتصاعد العراقيل أمام حرية تنقل العمالة وغيرها من المؤشرات التي تشير الى الأزمة العميقة التي يعيشها النظام الحر

هذه المؤشرات وانخرام النظام العالمي «الحرّ» الموروث من الحرب العالمية الثانية كانت وراء هذه النقاشات المحتدمة حول مصير هذا النظام وطرق الخروج من الأزمة لبناء نظام جديد .

لكن قبل الحديث عن هذه الأزمة دعونا نعود ستين سنة إلى الوراء وظهور هذا النظام الحر على المستوى العالمي لقد كانت الحرب العالمية الثانية نتيجة حتمية لانهيار النظام العالمي الموروث من نهاية القرن التاسع عشر . فقد عرف العالم تصاعد المنافسة بين بلدان الرأسمالية الصاعدة في أوروبا وتكالبها على الهيمنة على الأسواق العالمية مما دفعها للدخول في مغامرات استعمارية وتقسيم العالم فيما بينها . وقد أدى هذا الصراع إلى الدخول في خلافات وصراعات سرعان ما تحولت إلى حرب عالمية أدت بأوروبا إلى الدمار والخراب .

وقد عملت القوى العظمى اثر هذه التجربة المريرة الى محاولة بناء نظام عالمي جديد هدفه تجنب الحروب والحفاظ على السلم .فكان تكوين عصبة الامم بين هذه القوى العظمى والتي ستسعى إلى إدارة الخلافات والصراعات بينها بطريقة سلمية .
إلا أن هذه الفترة ستعرف مع الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 ظهور قوة إيديولوجية وسياسية جديدة ستنازع لعقود طويلة هيمنة الفكر الليبرالي والنظام الرأسمالي .
وستكون هذه الثورة نقطة انطلاق لنظام عالمي يعتمد على قطبين القطب الرأسمالي والقطب الاشتراكي .

إلا أن أزمة الاقتصادية الخانقة التي سيعرفها النظام الرأسمالي سنة 1929 وانعكاساتها الاجتماعية كتصاعد البطالة والتضخم ستكون لها انعكاسات سياسية هامة مع تراجع الأحزاب الليبرالية وظهور الحركات الفاشية في أوروبا والعديد من القوات الأخرى خاصة في آسيا .وسيقود هذا الوضع المتفجر على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي إلى تنامي التيارات الفاشية ودخول الإنسانية إلى إحدى أكثر تجاربها مرارة وهي الحرب العالمية الثانية والتي كادت أن تأتي على إنسانيتنا وتركت جرحا لايزال ينزف الى اليوم دما في ذاكرتنا الجماعية .
وعند الخروج من هذه المأساة كان على الفكر الليبرالي رفع تحديين أساسيين كمواصلة تجربته التاريخية .

التحدي الأول يهم إعادة بناء الظام الرأسمالي على أسس سياسية واقتصادية جديدة قادرة على مسك المنافسة في حدود معقولة وبناء نظام عالمي جديد قادر على حفظ الأمن – أما التحدي الثاني فيهم ظهور النظام الاشتراكي والي أصبح يشكل بديلا سياسيا واجتماعيا وبالتالي خطرا حقيقيا على مستقبل النظام الرأسمالي .
أمام حجم هذه التحديات ستكون عملية إعادة صعبة معقدة .إلا أن البلدان الرأسمالية ستنجح في إعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والذي ستطلق عليه تسمية «العالم الحر» لتمييزه عن العالم الاشتراكي والذي أطلقت عليه تسمية العالم الشمولي أمام غياب الحريات الديمقراطية .

وستكون الليبرالية الأساس الفلسفي والسياسي للعالم الحر .وستتجسد الليبرالية على المستوى السياسي بتركيز أنظمة ديمقراطية تعتمد التعددية وتجعل من الانتخابات الديمقراطية أداة التداول على السلطة . كما سيعتمد هذا النظام الجديد على المبادئ الموروثة من اتفاق وستفاليا Westphalie والقاضي باحترام سيادة الدولة الوطنية وتجنب التدخل في شؤونها .
كما سيعتمد هذا النظام المبادئ الليبرالية على المستوى الاقتصادي .فسيتم إعطاء دور كبير للسوق وللقطاع الخاص في الدورة الاقتصادية ليقتصر دور الدولة على الجانب التشريعي والتعديلي . كما ستضع المجتمعات الليبرالية دولة الرفاه على المستوى الاجتماعي والتي ستساهم مساهمة فعالة في دعم التضامن الاجتماعي والحد من الفوارق الاجتماعية.
كما سيعتمد هذا النظام الاقتصادي على مبدا التبادل الحر بين البلدان وفتح الحدود أمام حركة السلع ورأس المال .

كما سيعمل هذا النظام على إيجاد المؤسسات الضرورية للحفاظ على تناسقه وفعاليته وحسن سيره .فعلى المستوى السياسي سيتم إحداث منظمة الأمم المتحدة والتي ستوكل إليها مهمة الحفاظ على السلم في العالم . أما على المستوى الاقتصادي فسيقع بعث عديد المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية والتي ستهتم بتنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية ودعم التعاون بين البلدان الأعضاء في هذه المنظومة .

إلا أن منظومة العالم الحر ستنجح في كسب رهان إعادة البناء ورفع تحدي المنافسة مع النظام الاشتراكي من خلال اعتمادها على مبدئين أساسيين :

الأول هو القوة الناعمة والمتكون من الأفكار الليبرالية والمخزون الثقافي والاديولوجي ونمط الحياة والذي يشرع ويدافع عن النظام الليبرالي وريث الحداثة الأوروبية ويجعله النظام الأسلم باعتباره يدافع عن الحرية الفردية ولا ينسى مبادئ التضامن الاجتماعي مع الفئات الفقيرة .
المبدأ الثاني هو القوة المباشرة او hard power ويهم القوة العسكرية والتحالف العسكري تحت المظلة الامريكية في إطار منظمة حلف شمال الأطلنطي والذي سيعمل طيلة عقود طويلة لحماية العالم الحرّ من الاعتداءات الخارجية وخاصة من النظام الاشتراكي أو من بعض القوى الجديدة الصاعدة .
سيعرف العالم الحر ازدهارا كبيرا اثر نهاية الحرب العالمية الثانية وستنجح جملة هذه المبادئ والمؤسسات الجديدة في الخروج بالعالم الرأسمالي من الأزمات المتتالية التي عرفها منذ بداية القرن العشرين وإعادة بريقه وإشعاعه.

سجل العالم الحر منذ بروزه عديد النجاحات الكبرى والهامة الا انني أريد التوقف هنا على نجاحين بارزين الأول سياسي والثاني اقتصادي – النجاح السياسي وهو الأبرز لا يقتصر فقط على إعادة بناء النظام الرأسمالي بل خاصة وبصفة أهم في قدرته على التصدي والوقوف أمام تنامي النظام الاشتراكي والذي شكل في فترات معينة خطرا كبيرا أصبح يهدد مصير ومستقبل العالم الحر .وقد نجح العالم الحر في كبح جماح المنظومة الاشتراكية والحد من أخطارها في فترة أولى في إطار ما سمي بالحروب الباردة قبل أن يسدد له ضربة القاضية بعد انهاكه في سباق التسلح .وسيكون سقوط جدار برلين سنة 1989 إعلانا عن الانتصار النهائي للعالم الحر ونهاية القطبية الثنائية . وقد أطلق الكاتب فرانسيس فوكوياما عن هذه المرحلة عبارته الشهيرة نهاية التاريخ والتي ستكون محل نقد كبير فكري حاد على مدى سنوات .

النجاح الثاني والهام للعالم الحرّ اقتصادي فقد نجحت البلدان الرأسمالية في تحقيق إحدى أهم فترات النمو في تاريخها لدرجة أن وقعت تسميتها بالثلاثين المجيدة «les trente glorieuses» ونجحت البلدان الرأسمالية في هذه الفترة الذهبية في تحقيق اعلى نسب النمو والقضاء على البطالة وتحقيق مستويات عالية من الرفاه والتقدم على المستوى الاجتماعي .
إذ عرف العالم الحر نجاحات باهرة على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي ليصبح في نهاية القرن القوة العظمى المهيمنة على العالم . إلا أن هذا العالم سيدخل مرحلة من الأزمات المتتالية منذ بداية القرن ستكون وراء تآكل وتراجع المبادئ والمؤسسات التي ساهمت في صعوده وهيمنته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . ويمكن لنا ان نشير إلى ثلاث أنواع من الأزمات – النوع الأول هو الأزمات الاقتصادية المتتالية وخاصة أزمة 2009 والتي كادت أن تقود النظام الرأسمالي إلى الهاوية . ولئن نجح النظام الرأسمالي في الخروج من هذه الأزمات فان انعكاساتها الاجتماعية مثل مستويات البطالة وتآكل دولة الرفاه لا يزالان مخيمين على الأوضاع الاجتماعية في اغلب البلدان الرأسمالية .

النوع الثاني من الأزمات يهم تصاعد الأخطار على المستوى العالمي وبصفة خاصة تنامي الإرهاب والذي أصبح يقض مضاجع القيادات السياسية والأمنية في العالم الحر لا فقط بسبب الاعتداءات الإرهابية التي تتعرض لها في بلدانه بل كذلك بسبب حالة عدم الاستقرار التي خلقها في عدد من المناطق وبصفة خاصة في العالم العربي .

والمستوى الثالث من الأزمات وهو الأهم في رأيي فيهم تراجع الدعم وقناعة الشعوب بفعالية النظام الليبرالي والأنظمة الديمقراطية في تجاوز الأزمات التي نمر بها وقدرتها على فتح آفاق جديدة للتجربة الإنسانية. فعر فت اغلب البلدان الديمقراطية تراجعا كبيرا للأحزاب الديمقراطية ونموا كبيرا للحركات الشعبوية والتي تعبر عن تراجع القناعة في المبادئ الديمقراطية والأفكار التي قادت العالم الحر مند سنوات .ولن تقتصر هذه المراجعات على المستوى السياسي بل ستعرف طريقها كذلك إلى العالم الاقتصادي من خلال التراجع عن مبادئ حرية تبادل السلع والرجوع إلى السياسات الحمائية في الميدان التجاري .

أثارت أزمة النظام الليبرالي الكثير من المخاوف عند عديد الأطراف وقد عبر في رأيي المحلل الأمريكي Richard Hass بطريقة مقنعة عن هذه المخاوف والقلق على مصير العالم في كتابه الصادر منذ اسابيع تحت عنوان « A world of disarray» او عالم الفوضى – ويحمل الكاتب الإدارة الأمريكية (وبصفة خاصة الرئيس دونالد ترامب ) جزءا كبيرا من المسؤولية في تراجع النظام الحر وانهياره .

قد تبدو لأول وهلة هذه النقاشات بعيدة عن مشاغلنا واهتماماتنا – إلا انه في رأيي لا يمكن لنا أن نبقى بمنأى عن هذه التساؤلات والمخاوف والقلق العالمي على مستقبل العالم – فالخروج من الأزمة الكونية التي يشهدها العالم وبناء نظام عالمي جديد أكثر استقرارا وأكثر انفتاحا سيسمح لكل مكوناته ومن ضمنها بلادنا بإيجاد الظروف لفتح صفحة أكثر إشراقا وفي المضي قدما في تجربة التحول الديمقراطي .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499