قهوة الأحد: وجوه من الإبداع (17) خالد الحمروني : ربيع الأغنية البديلة

من منّا لم يتغنّ بأغنيات فرقة البحث الموسيقي بقابس ومن لم يتابع حفلاتها في مدارج الكليات في السنوات الثمانين ؟

من منا لم يشد في تلك الأيام مع آمال الحمروني ومع كل مجموعة البحث والمتكونة في تلك الأيام من خالد الحمروني ونبراس شمام وشكري الحمروني وتوحيد العزوزي قبل أن يلتحق بهم خميس البحري وهم يصدحون بكلمات المرحوم بلقاسم اليعقوبي :
«خوذ البسيسة
والتمر يا مضنوني
ألفين عشرينات
توه جوني
خوذ الصوارد خوذ
غير ديرني في بالك
لايطيحوك مهالك
خليك من الضياع ..»

صاحبت أغنيات البحث الموسيقي آمالنا وأحلامنا في تلك الأيام . فتغنينا مع المجموعة fالثورات القادمة وأملنا في نهاية الاستبداد لتتفتح مائة وردة وزهرة وتزرع ربيعنا العربي الذي طال انتظاره. رددنا في الجامعات ودور الثقافة في مختلف أنحاء البلاد تلك الأغاني التي بقيت راسخة للان في أذهاننا كـ«هيلا هيلا «و«البسيسة» و«لوالندي» و«الجميل» وغيرها كثير وللذين عاشوا وواكبوا تلك الفترة فرقة البحث الموسيقى لم تكن الفاعل الوحيد في تلك الساحة الغنائية البديلة – فالمجموعة كانت جزءا من حراك فني وثقافي شبابي صاحب التجربة السياسية التي عرفتها الجامعة التونسية منذ منتصف السبعينات لتجعل منها المجال الأساسي لرفض الاستبداد ورفض تراجع النظام عن مبادئ الحرية التي كانت في كنه الحركة الوطنية.والى جانب فرقة البحث الموسيقي أثثت عديد الأصوات الأخرى الحركية الثقافية التي عرفناها في تلك الأيام ومن ضمنها فرقة أولاد المناجم وفرقة الحمائم البيض والزين الصافي ومحمد بحر .وقد شكلت هذه الفرق بمعية الكثير من الشعراء كآدم فتحي وكمال الغالي والمرحوم بلقاسم اليعقوبي والطيب بوعلاق وعبد الجبار العش والمرحوم محمد الصغير أولاد احمد حالة صحوة ورجة ثقافية لم نعرف مثيلا لها إلى اليوم.

وفي رأيي لا يمكن لنا اليوم الحديث عن المشروع الثقافي التونسي في بلادنا بدون التوقف عند ربيع الأغنية البديلة أو الملتزمة الذي عرفته بلادنا ثمانينات القرن الماضي إلى منتصف التسعينات وقد شكلت هذه الفترة في رأيي اكبر لحظات الزخم الإبداعي في هذه التجارب.وكما في كل المحطات التاريخية في بلادنا حيث كان الثقافي في علاقة بالسياسي فإن الأغنية البديلة وهذا الربيع الغنائي كان في علاقة متينة إن لم نقل عضوية بالحركة الديمقراطية وساهم مساهمة كبيرة في زرع مبادئ الحرية واحترام حقوق الإنسان والتي ستشكل الذرات الأولى للربيع القادم وللثورات السياسية الآتية.

وبالرغم من اختلافه عن عديد الاتجاهات الثقافية الأخرى فان تجربة الأغنية البديلة تلتقي في جوهرها مع المشروع الثقافي العام في جانبه الرافض من جهة والحالم بعالم اخر يكرس المبادئ الإنسانية في بناء تجربة ثقافية وفنية خصوصية تدعم خصوصية المشروع السياسي التونسي وتفرده مقارنة بعديد التجارب السياسية الأخرى .
حملت ذكريات هذا الربيع الفني والثقافي والتي بقيت حية في مخيالنا بالرغم من طول الزمن وذهبت للقاء الصديق خالد الحمروني والذي لعب دورا أساسيا في تلك الفترة لا فقط باعتباره أحد الأعضاء المؤسسين لفرقة البحث الموسيقي بقابس بل كذلك للعلاقات التي ربطها مع كل الناشطين الآخرين من شعراء وفرق ومعنين ومن أهمهم المرحوم ورائد الأغنية البديلة الشيخ إمام عيسى ومارسيل خليفة – وقد مكنت هذه العلاقات وهذه التجربة الصديق خالد من بناء قراءة وتقييم فني وفكري وسياسي لهذا الربيع .
وبالرغم من الألم والإحباط اللذين يعيشهما بعد غياب شادي قبل الصديق خالد الرجوع معي إلى تلك الأيام الخوالي وأحلامها علها تزيل شيئا من مرارة اللحظة .

وعدنا إلى البدايات والى مدينة قابس أحب المدن إلى قلبه ،حيث كانت الانطلاقة مع الحراك التلمذي وأولى تجارب الإيقاف والبوليس في 26 جانفي 1978.وبالرغم من انخراطه في العمل السياسي فان خالد الحمروني ومجموعة الشباب حوله كانوا مهتمين أكثر بالعمل الثقافي في تلك الفترة التي عرفت مخاضا ثقافيا كبيرا .
ففي تلك الأيام بدأت تصل إلى بلادنا أولى أشرطة الشيخ إمام عيسى لتشكل أول إطلالة لشبابنا على الفن الملتزم.وبدأت هذه الأشرطة وأغاني الشيخ إمام الثورية تؤثث الاجتماعات الطلابية والتي بدأت في نفس الوقت تكتشف أهمية ودور العمل الثقافي في العمل الجماهيري .

كما سيكون كذلك للفرق الشبابية المغربية كجيل جيلالة وناس الغيوان والمشاهب تأثير كبير على الشباب مما دفع العديد منهم إلى تكوين عديد الفرق الشبابية والتي كان هدفها خلق موسيقى بديلة تختلف عن الموسيقى السائدة في تلك الأيام .وقد عرفت حفلات هذه المجموعات الموسيقية نجاحا منقطع النظير في كل المهرجانات الصيفية في بلادنا ومن أهمها الحفلات الضخمة التي احتضنها مهرجانا قرطاج والحمامات.

والى جانب هذه العلامات الفارقة يشير خالد الحمروني إلى عدة أحداث ساهمت في دعم قناعاتهم بضرورة اقتحام المجال الفني ليصبح مجال فعلهم السياسي والفكري بامتياز وهنا تعود الذاكرة بخالد إلى التأثير الكبير الذي لعبه خماسي الموسيقى العربية المتكون من حمادي بوالاعراس وحمادي العجيمي والهادي قلة وعلي سعيدان وحميدة الإمام وبصفة خاصة حفل مهرجان قرطاج سنة 1978. وقد لعب شريط هذا الحفل دورا كبيرا عند الشباب الطلابي وأكد عندهم إمكانية تقديم مشروع غنائي ملتزم بالحان تونسية وكلمات لشعراء تونسيين وقد قدم هذا الخماسي في وقت ضيق اغاني بقيت لليوم منارات وتجارب مهمة في الأغنية التونسية اذكر منها «لا من عزم روح» و«يا فلسطينية» و«بابور زمر» من الحان الهادي قلة وكلمات العامل المهاجر في مدينة قرونوبل المعروف بكنية «عم خميس» أو خميس زليلة و«الكلمات» من كلمات منور صمادح وتلحين حمادي العجيمي وكذلك «اوتاموتو» من كلمات المختار اللغماني والحان حمادي العجيمي وهي عبارة عن تحية إلى عضو الجيش الأحمر الياباني اوكاموتا والذي قاد عملية مطار اللد. إذن لعبت هذه التجربة والتجارب المنفردة للهادي قلة وحمادي العجيمي دورا مهما في شحذ همة الشباب في تلك الفترة في ضرورة اقتحام المجال الفني وخوض تجارب تكوين فرق أغنية بديلة.

ولم يقتصر الزخم الفني في تلك الفترة على مجال الأغنية بل ظهر كذلك في مجال الشعر مع ظهور أصوات جديدة لعل أهمها المنصف المزغني الذي اصدر ديوان «عياش» والذي تعرض فيه إلى أحداث جانفي 1978.وقد كان لهذا الديوان الشعري تأثير كبير في صفوف الشباب الرافض وزاد من نجاحه الطريقة المسرحية الجديدة للمنصف المزغني في إلقاء قصائده .وقد تم تحويل جزء من هذا القصيد الطويل إلى أغنية بعنوان «لو كان ما يحبونا» تنقد دخول الرأسمال الأجنبي والشركات الأجنبية إلى بلادنا .

إذن عرفت الساحة الثقافية «البديلة «زخما إبداعيا في نهاية السبعينات في مختلف المجالات كالغناء والمسرح والشعر والفنون الجميلة.وهذا الزخم الإبداعي جاء في رحاب الحركة الطلابية والشبابية الرافضة والتي جعلت من العمل الثقافي وبصفة اخص من مشروع إرساء ثقافة وطنية وديمقراطية احد أهم أهدافها.وكان لهذا الزخم والرجة الإبداعية تأثير كبير على أجيال كبيرة من الشباب الذين انخرطوا في العمل الثقافي بكل أنواعه وأشكاله إلى جانب عملهم السياسي .

وقد تأثرت مجموعة الشباب في قابس حول خالد الحمروني ونبراس شمام بهذه الأجواء وهذه الطفرة الإبداعية وشجعتهم على الانطلاق في تجربة إنشاء فرقة موسيقية. والى جانب الجو العام والظروف الموضوعية كانت هناك ظروف خاصة ساهمت ودعمت هذا القرار . ومن جملة هذه الظروف يذكر خالد تاثير نادي الموسيقى في قابس وكذلك تجربته إلى جانب نبراس لسنوات طويلة في فرق الفن الشعبي والمزود.

كل هذه العوامل على المستوى الوطني والزخم الثقافي الذي كانت تعيشه البلاد في نهاية السبعينات إلى جانب الحركة السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت تعيشها «الجنوبية» كما عرف المرحوم القاص والروائي محمد الباردي مدينته قابس في روايته العلم «ديوان المواجع» دفعت مجموعة الشباب إلى خوض تجربة الإنتاج والإبداع الفني . وستخوض هذه المجموعة نقاشات فكرية وفنية هامة لتبلور أسس هذا المشروع الفني .وهذه النقاشات كانت أساسية ولعبت دورا كبيرا في تحديد هوية المشروع الفني .فكان الاتفاق أن المولود الآتي لن يكون مجرّد فرقة موسيقية تضاف إلى فرق أخرى بل سيكون عبارة عن واحة بحث ودراسة فكرية وفنية تساهم في دفع العمل الثقافي - البديل – ولهذا السبب كانت التسمية «فرقة البحث الموسيقي بقابس «.

أما المشروع الفني فقد ارتكز على ثلاثة مقومات أساسية – الأولى فكرية وتهم رحلة البحث التي قام بها أعضاء الفرقة والحزام حولها مع أهم المفكرين كلوكاتش وبليخانوف وقرامشي لفهم دور الفن و علاقته بالعمل السياسي – الأساس الثاني – هو فني ويخص ما يسميه خالد الحمروني المصالحة الثلاثية مع النغمات والإيقاعات والموازين وأشكال الغناء العربي – فلم يكن للفرقة اختيار محدد بل كان عملها بحثا متواصلا في كل الأشكال الموسيقية ولم تكتف او تركز على شكل معين حتى بعد نجاح احدى الأغاني – فعلى مستوى النغمات استعملت الرصد والسيكا والمزموم وغيرها – وعلى مستوى الأوزان تعاملت مع الفالس والمربّع والفزاني. وكذلك على مستوى أشكال الغناء اذ تعاملت مع أشكال مختلفة من القصيد إلى الأغنية السريعة أو الطقطوقة .

إذن كان عمل المجموعة في هذا المجال بحثا متواصلا لاستنباط أحسن الأشكال الموسيقية .

أما الأساس الثالث والهام في تجربة الفرقة فيهم علاقتها بالشعراء – فرقة البحث الموسيقي على خلاف كل التجارب الأخرى لم تتعامل مع النصوص الجاهزة لشعراء كبار كمحمود درويش أو توفيق زياد او حتى ابن «الجنوبية» المختار اللغماني – فقد اختارت التعامل مع شعراء لم يكونوا معروفين في تلك الأيام كآدم فتحي وبلقاسم اليعقوبي وكمال الغالي ومحمد عبد الرحيم وعبد الجبار العش والطيب بوعلاق – وكانت الفرقة أول من لحن لهم أغانيهم .وستبني الفرقة علاقة خاصة مع هؤلاء الشعراء لينتقل التجريب إلى مجال العلاقة بين النص واللحن من اجل خلق الجملة الموسيقية أو «mélodie» المناسبة والتي تؤدي المعنى وقد ساهمت شخصيا في هذا المخبر الفني والإبداعي في بداية الثمانينات عندما اقترحت على الفرقة

العمل معي على مشروع شريط سينمائي وهو اقتباس رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» مع جامعة السينمائيين الهواة وشاركت الفرقة في هذا العمل بصياغة الموسيقى التصويرية وخاصة أغنية «سأحمل وجهي وارحل» والتي صاغ كلماتها الشاعر ادم فتحي ولحنها نبراس شمام وغنتها باقتدار آمال الحمروني وبكل ما يحمله صوتها العذب من حب وحنان.
هذه النقاشات الهامة التي سبقت انطلاق الفرقة وخيار البحث الفني المتواصل والقلق سيجعل من هذه المجموعة احدى أهم تجارب الفن البديل في بلادنا وستكون الانطلاقة في «الجنوبية» في نوفمبر 1980 في ذكرى تأسيس المعهد الثانوي بقابس .ثم سيكون الحفل الثاني في جانفي 1981 لإحياء ذكرى شاعر «الجنوبية» المختار اللغماني – وهذا الحفل سيكون فرصة لقاء الفرقة مع الشاعر الكبير والمرحوم بلقاسم اليعقوبي لتتواصل مسيرتهم حتى غيابه .وستكون هاتان الحفلتان نقطة انطلاق لمسيرة مميزة في الفعل الثقافي والإبداع الفني لتتحفنا المجموعة بعدد كبير من الأغاني ستبقى راسخة في مخيالنا الجمعي اذكر منها «البسيسة» و«هيلا هيلا» و«لو الندى» و«واد الباي» و«الجميل «و«قيفارا مات» و«حسين مروة» وغيرها من الأغاني التي حفظها الجمهور وتغنى بها في المدارج الجامعية ودور الثقافة ودور النقابات وكل الأماكن التي زارتها المجموعة .

وقد ساهمت مجموعة البحث الموسيقي في الزخم الفني والإبداعي الذي عرفته بلادنا منذ نهاية السبعينات والذي شكل ربيع الأغنية البديلة في بلادنا ومن ضمن هذه التجارب اذكر مجموعة الحمائم البيض وأولاد المناجم والهادي قلة الذي واصل تجربته بطريقة منفردة والزين الصافي ومحمد بحر وغيرهم .وسيكون حفل مهرجان قرطاج في صائفة 1988 بمشاركة محمد بحر بمثابة التتويج لهذه التجربة.وقد شهد هذا الحفل نجاحا جماهيريا كبيرا وتغطية إعلامية هامة.

ولن تقتصر هذه التجربة على المجال الوطني بل ستتجاوزه لربط العلاقة مع تجارب اخرى وبصفة خاصة مع المعلم وملهم الأغنية البديلة الشيخ إمام عيسى .وقد بدأت العلاقة مع الشيخ في نهاية أوت 1984 في حفل اقامه في قفصة .وقضى خالد الليلة في النقاش مع إمام حول تجربته الفنية والموسيقية .وكان هذا اللقاء مفاجأة كبيرة للشيخ الذي اكتشف مدى تأثيره على شباب الأغنية الملتزمة.وكان لهذا اللقاء تأثير كبير على خالد وكافة المجموعة. فكان لقاء وجدانيا امتزجت فيه الأحاسيس والشاعرية بالجانب الإنساني وطيبة الرجل .ومن هذا اللقاء طالب الشيخ إمام بعض أعضاء المجموعة ومن ضمنهم خالد الحمروني ونبراس شمام وآمال الحمروني بمصاحبته .
ولكن وبالرغم من هذا التأثير الكبير والهام للشيخ على مجموعة البحث الموسيقي فإنها لم تحاول تقليده وواصلت بناء مشوارها الفني بكل استقلالية ومن خلال انصهارها في واقعنا الفني والشعري واللهجة التونسية.

كما كان للمجموعة لقاء هام مع مارسيل خليفة صاحب التجربة المتميزة في الأغنية البديلة .وكانت اللقاءات معه كذلك حميمية واستحوذ مارسيل على إعجاب الشباب في جانبين مهمين وهما قدرته على تطوير العود وقدرته كذلك على تطويع كلمات محمود درويش .
وبالرغم من الإعجاب الكبير لهذه التجربة فان المجموعة كما كان الشان بالنسبة للشيخ امام لم تسع لتقليد مارسيل .

إلا انه وككل تجربة ستعرف تجربة البحث الموسيقي بقابس وكل تجربة الأغنية شيئا من التراجع منذ بداية التسعينات وستعرف شمس الربيع الإبداعي الكثير من الكسوف .وستنطلق مشاكل المجموعة مع بداية إيقاف بعض أعضائها لنشاطهم السياسي كتوحيد في مناسبتين (1986 و1992) وخميس سنة 1992- وتراجع عمل المجموعة إلى أن توقفت ثم سيكون حفل «العودة «سنة 2004 بالمسرح البلدي والذي أعده واشرف على إخراجه صديق الفرقة علي سعيدان.

إلا أن هذا الحفل الذي انتظر منه الكثير انه سيكون نقطة انطلاق جديدة للمجموعة كان بمثابة نقطة النهاية للفرقة كما عرفناها في بداياتها مما يشير إلى عمق الأزمة التي تمر بها المجموعة والأغنية البديلة بشكل عام – وقد انقسمت المجموعة او التجربة إلى مسارين – المسار الأول ويقوده احد العناصر الأساسية للفرقة نبراس شمام والذي عزز الفرقة بمجموعة من الشباب وواصل السير في نفس الخط وحافظ على التسمية التاريخية للفرقة أي مجموعة البحث الموسيقي بقابس .المسار الثاني تقوده آمال الحمروني وخميس البحري في إطار مجموعة جديدة سميت «عيون الكلام» وتحاول تجديد تجربة الأغنية البديلة بالابتعاد عن الجانب الدعائي والسياسي والاهتمام أكثر بالجانب الفني ومحاولة الارتقاء به إلى مستويات فنية اكبر.
وقد عدت مع الصديق خالد لقراءة هذه التجربة وخاصة لفهم أسباب الأزمة التي مرت بها وعانت منها إلى درجة تراجعها بصفة كبيرة عن السنوات الذهبية أو العشرية الذهبية التي مرت بها من بداية الثمانينات إلى بداية التسعينات – ويشير خالد إلى ثلاث مسائل هامة تفسر هذا التراجع – المسالة الأولى تخص تراجع وتيرة العملية الإبداعية ونقصها .وهذه المسالة ليست خاصة بالمجموعة بل هي قضية عامة عرفتها عديد التجارب الإبداعية.فبعد سنوات الزخم الإبداعي وإنتاج عديد الآثار الهامة والتي ستبقى في تاريخ الأغنية البديلة عرف عمل المجموعة الكثير من التراجع الفني جعلها غير قادرة على مواكبة نفس وتيرة البدايات ودخول فترة من الفراغ الفني والإبداعي حكم عليها بالانسحاب من دائرة الضوء.
المسالة الثانية تهم علاقة المجموعة واغلب تجارب الأغنية البديلة بالسياسي ممّا دفعها الى تغليب الجانب الدعائي على الجوانب الفنية والإبداعية .والمسالة الثالثة مرتبطة بحركة النقد التي لم تواكب هذه التجارب الإبداعية ولم تمكنها من تجاوز هناتها والتقدم .

كان اللقاء مع الصديق خالد الحمروني فرصة للرجوع إلى هذه السنوات الذهبية واستحضار أهم مراحل ربيع الأغنية البديلة – كانت هذه السنوات مرحلة هامة في المشروع الثقافي الوطني وبالرغم من هناتها وتراجعها في السنوات الأخيرة فقد ساهمت مجموعة البحث الموسيقي في قابس والأغنية البديلة بشكل عام في تراكم الوعي الفني والسياسي والاجتماعي وخلقت الأرضية للثورات القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499