حديث الأنا: ما الحياة إلا هزء ونفضان في الشخصيّة التونسيّة: الفرنسيّة لغة وطنيّة

أمّا المحاضرة الثالثة فكانت للأستاذ شكري المبخوت وعنوانها «الشخصيّة التونسيّة والبحث عن شرعيّة للدولة الوطنيّة». المبخوت ممثّل بارع.

في ما أرى، هو رجل مسرح. يعرف فنّ العرض وكيف شدّ الإنتباه واللعب بالمشاعر. هو قصّاص له خيال. يتقن فنّ السرد وحبك الحكاية. محاضرة المبخوت من نوع آخر. خلافا لمن سبقه، كان الرجل واقفا. عيناه جاحظتان ويداه في حركة.بين نزول وارتفاع. كان الرجل قصير القامة. له رأس كبير وعينان حاميّتان. يتكلّم لغة بهيّة وله أسلوب راق.فيه إمتاع. في عينيه شعلة وفي صوته ارتفاع. هو لا يلقي محاضرة. هو يلعب أدوارا. يحكي للصبية خرافة. يمشي بين الأحداث. يجمع أنوارا وأزهارا. تراه أمامك في السهول يتبختر بين الأشجار ثم يختفي فجأة وراء التلال. تضيع الفكرة. تعترضك أخرى أكثر بهاء. كان المبخوت يختار من الألفاظ أحسنها ومن المراجع أثبتها والكلّ ملفوف في نكتة وابتسامة. رجع الرجل للأوّلين من أعلام حركة النهضة التونسيّة وأعاد الى الأذهان ما كان للدولة الوطنيّة من حرص على تأسيس الذات وما كان للطاهر الحدّادمن دور رياديّ في تحديد الملامح والخصوصيّات...

كان المحاضر يتكلّم بسرعة.تتتالى عنده الأفكار.تتدافع. ينتهي من رأي فيشفعه بآخر. يقول كلاما محشوّا ثراء وبيانا. أعجبتني المحاضرة وما كنت استمعت من قبل الى المبخوت كلاما. قرأت له في ما مضى كتابه «الطلياني» ولم يعجبني الكتاب كثيرا. أعجبتني محاضرته شكلا ومضمونا. كان المبخوت في هذا الصباح شمعة وضّاءة. أزاحت عنّي ما كان من غصّة مع الذوّادي... في محاضرة المبخوت معطيات كثيرة هامّة.في محاضرته تحليل ونظر ودسامة. لكن، رغم ما بذلت من جهد لمتابعة المحاضر وإدراك ما قاله من كلام، لم أتبيّن كلّ تفاصيل الكلام وضاع من فكري ما كان من قول ومن مراجع... ليت المنظّمين للندوة وفّروا للحاضرين نصوص المحاضرات. ليت محاضرة المبخوت تنشر للناس...
أمّا المحاضرة الرابعة وكانت للأستاذ محمّد الجويني فلن أنظر فيها لما كان للأستاذ من تأخير في الحضور «لأسباب شخصيّة». هذه الأسباب لا تهمّني. قد يكون للأستاذ أعذار. لكن الوقت هو الوقت واستأت من تأخّره عن الميعاد...

ما أن انتهت المحاضرات وبعد أن أكل الناس ما كان من مرطّبات وشربوا قهوة وعصيرا وماء، ها هم يعودون الى القاعة، للنقاش. أفضل وقت في الندوات هو ذاك الذي يخرج فيه المشاركون للراحة، لأكل ما أعدّ من رقائق وشراب. يحبّ التونسيون المرطّبات. يقبلون عليها بكلّ نهم، بكلّ حماسة. في لحظة، ينتهي ما كان أعدّ من أكل وشراب. لا يترك الناس شيئا لمن تخلّف من الناس. ها هي الجماهير، فرادى وجماعات، تجري بين الطاولات. تقطف. تخطف، تلهف ما كان أعدّ من رقائق. لا شيء يبقى بعد دقائق... هذه سمة في الشخصيّة التونسيّة. هي خصلة من الخصال. كلّ تراه يغنم ما استطاع. يأخذ نصيبه وأكثر قبل فوات الأوان...بعض الوجوه الحاضرة كنت رأيتها من قبل في عديد الملتقيّات. لا تغيب هذه أبدا عن الندوات. هي ألوفة للندوات. تعرف كيف تمسح الطاولات. لا تعير الجماعة هذه للندوات اهتماما. لا تسمع للمتدخّلين كلاما. تلتقي في الندوات.جاءت فقط لما أعدّ من أكل ومرطّبات.

عاد الكلّ تقريبا الى قاعة المحاضرات. أخذ الكلّ مكانه. فتح باب النقاش. ارتفعت في الحين الأصابع. كلّ يريد التدخّل. نصف القاعة يريد المشاركة. لا يسأل الناس سؤالا واضحا، مختصرا. هم يعملون محاضرات. يقولون ما لهم من آراء ومواقف. يعيدون الموضوع من أوّله. يشرحون لماذا أكلت حواء التفّاحة.هم ينتقدون، يشكّكون، يؤاخذون هذا والآخر. لا يهم ما جاء في المحاضرات من مضمون وبيان. بعضهم لم يستمع الى المحاضرات...

شيء آخر شدّ انتباهي. كلّ المحاضرات، هذا الصباح، جاءت بالعربيّة الفصحى. كلّ المتدخّلين جاؤوا من كلّيات الآداب، من شعبة العربيّة أساسا. هل الشخصيّة التونسيّة حكر على من حفظ العربيّة، على من تخرّج من الآداب؟ لماذا لم تقع برمجة مداخلات بالفرنسيّة؟ لماذا لم تحاضر أطراف أخرى من الناس؟ في ما مضى جلّ المحاضرات كانت بالفرنسيّة، أساسا. وكان لنا في ذلك نفع وتثقيف وثقافة. كان التكلّم باللغتين محمود، مباح. بفضل الازدواجيّة، حصل تفتّح وتأسّست قدرات. بالتخاطب بالعربيّة وبالفرنسيّة نشأ في الذات خلط جميل بين الآنا والآخر.حصل اتّساع في النظر ورحابة في البال... هل انتهى ذاك الزمن؟ في ما أرى عرّبت البلاد.في ما أرى انتصر الذوّادي. ها نحن نغلق الأبواب. ها نحن لوحدنا. عرب مع عرب. في وحدانيّة، في انغلاق.

الفرنسيّة، كما كنت كتبت منذ سنين،هي لغة وطنيّة وليست لغة أجنبيّة. أخذناها من الاستعمار وهي لنا اليوم أداة تعلّم واتّصال. الفرنسيّة هي مكوّن أساسيّ من مكوّنات الذات. هي رافد مهمّ،ميسّر للحياة. الفرنسيّة للتونسيّين منيرة للأبصار، فاتحة للأبواب. أبواب المعارف والشغل والأرزاق...في التفريط في الفرنسيّة تفريط في أحد أهمّ مكوّنات الشخصيّة التونسيّة. هو إضعاف للمناعة، هو تجفيف للمنابع.ليحيا في العالم، ليفتكّ مكانه في الأسواق، كلّ تونسيّ مدعوّ الى امتلاك اللغات.في ظلّ عولمة زاحفة، لا تطعم العربيّة خبزا ولا توفّر شغلا ولا تضمن حياة...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499