قهوة الأحد: وجوه من الإبداع (14) سيد علي سعيدان : الفن الشعبي والمصالحة مع الذات

نواصل في هذه السلسلة من المقالات تقديم بعض الوجوه الهامة والتعريف بها في المشروع الثقافي الوطني وهذه القراءة كما أشرت منذ البدايات ليست محايدة بل هدفها من خلال قراءة

مسيرة هاته الشخصيات ومساهماتها الإبداعية هو فهم تأثيرها في المشروع السياسي الوطني بمختلف تلويناته وعطائه ودعم هذا التفرد الذي ميزه منذ انطلاق الإصلاح التونسي في منتصف القرن التاسع عشر.

وسنهتم في هذه الحلقة بالناشط الثقافي علي سعيدان والذي دخل كل مجالات الإبداع من مسرح وشعر وموسيقى ليصبح احد الفاعلين الأساسيين في المجال الثقافي في بلادنا – علي سعيدان أو «سيد علي» كما يسميه المقربون منه يكاد يكون غير معروف على المستوى الجماهيري بالرغم من مساهمته الجوهرية والهيكلية لا فقط في التعريف بالثقافة الشعبية بل في مصالحتنا مع ذواتنا وجذورنا الفكرية والثقافية .وعلى أهمية هذه المساهمة وجانبها الجوهري فان سيد علي بقي مغمورا ولا يتمتع بالحضور الإعلامي الذي يعرفه أبناء جيله كرجاء فرحات والفاضلين الجعايبي والجزيري ورؤوف بن عمر .ويعود هذا الوضع لرفض هذا البدوي أضواء الكاميرا والإعلام ليبقى يعيش مع اشعار غناء شيوخ الأمازيغ بعيدا عن ضوضاء المدينة وطقوسها.

عرف جيلي «سيد علي «عند رجوعه من فرنسا في منتصف السبعينات وخاصة عند تأطيره واهتمامه بمجموعة ايمازيغن والمتكونة من بعض الشباب الرافض والذين كان يقودهم المرحوم حمادي العجيمي – قدمت لنا هذه المجموعة الأولى الأعمال الفنية الملتزمة فكانت بالتالي الشمعة الأولى لتجارب فنية ستتطور لتكون مدرسة وتقليدا فنيا مهما في بلادنا .وستبقى في ذاكرتي هذه التجربة مرتبطة بأغنية «ياعوم الغيد» والتي كثيرا ما نغنيها في لقاءاتنا الشبابية ورحلاتنا .وهذه الأغنية من التراث ساهم في التعريف بها على سعيدان وحمادي العجيمي وقد كتب كلماتها شاعر شعبي اسمه سالم العيدودي في بداية القرن التاسع عن ملحمة حسونة الليلي والذي كان قايدا في مناطق الوسط والتقى يوما بمجموعة من ابناء وبنات قبيلة دريد.فأخذت إحدى البنات لب وعقل حسونة الليلي .الا ان القبيلة غادرت المكان لتنتقل الى مكان آخر- وهذا الحب الجارف دفع حسونة الليلي الى التنازل عن منصبه ومسؤولياته ليتبع قبيلة دريد في حلها وترحالها مترجيا منهم قبول طلبه في زواج ابنتهم.وبعد سنوات من الرفض والتعنت قبلت قبيلة دريد مطلب هذه المحب الأعمى ليتم تزويجه من ابنتهم.
والى اليوم مازلت أتذكر أبياتا ومقاطع كاملة من هذه الملحمة الشعبية . ويقول مدخلها :

يا عوم الغيد
ما نحساب ديري لي
زي بنت دريد غرت بحسونة الليلي
حاكم في بلاده كان وزير مع الباشا
فوق الموقاد راكب والخيل تشالي
طالع يصطاد ركبت خيلوا وشواشوا
ومعاهم أولاد على يمينه وشمالي
عرضوه ارياد يمشوا صربة كأنهم حشاشة

عرفت سيدي علي منذ تلك السنوات فكان السؤال الذي يخامر ذهني دائما ماذا يعمل هذا البدوي العميق مع أولاد الحضر والذين كانوا يتزعمون الحركة الثقافية؟ أو لعل السؤال هو كيف فسح أبناء البرجوازية الحضرية وزعماء الحركة الإبداعية في تلك الأيام لهذا البربري أو الامازيغي الساخر والمعتد بأصوله مجالا للعمل معهم والمساهمة في تلك الحركة الثقافية والثورة الإبداعية التي انطلقوا فيها حال رجوعهم من فرنسا ؟

وسنجد بعض الإجابات لهذه التساؤلات ولمساهمة علي سعيدان الأساسية في المشروع الثقافي الوطني من خلال الإبحار في هذه التجربة وخصوصياتها.
وسنعود للبدايات ولقرية الدويرات حيث رأى علي سعيدان النور في منتصف القرن الماضي وقد كانت قرية الدويرات يشقها ككل المجتمع التونسي تناقضا بين خطين.

الخط الحداثي التنويري والذي مثله في تلك الفترة أعيان ورجال الدويرات والذين كاتبوا السلطة الاستعمارية مطالبينها بفتح مدرسة باعتبار أن هذه المنطقة هي منطقة عسكرية وتتطلب بالتالي موافقة السلطات العسكرية.والشق المحافظ من جهة ثانية والذي رفض الانفتاح على المدرسة الحديثة ودافع عن أسلوب العيش التقليدي لأهالي الدويرات.
وستستجيب السلطة الاستعمارية لمطالب أعيان الدويرات وتفتح مدرسة ابتدائية سنة 1949.وسيبدأ علي سعيدان في الدراسة في هذه المدرسة سنة 1950 مما أثار حفيظة جزء من أهالي الدويرات على والده الذين اعتبروا انه كان من الأصلح أن يشتري له قطيعا من الماعز ليرعاه ويواصل بالتالي تقاليد الأوائل.

ويعتبر سيد علي أن دخوله إلى المدرسة سيكون التحول الأساسي والذي سيحدد مصيره ومسرحياته.ولأن المدرسة في الدويرات بقيت مقتصرة على القسم الأول فستنتقل العائلة إلى تونس العاصمة لتمكين الابن من مواصلة دراسته.وستكون هذه السنوات مليئة بالنشاط السياسي إلى جانب التقدم المدرسي.فقد كان الاستعمار يعيش سنواته الأخيرة وكانت الحركة الوطنية في أوج بريقها مع انطلاق الكفاح المسلح في 1952 ثم الحصول على الاستقلال ثم إقرار الجمهورية في 25 جويلية 1957.وقد عاش علي سعيدان هذه الفترة الهامة في تاريخ بلادنا وهذا الزخم السياسي بطريقة مباشرة باعتبار علاقة والده بالحركة الوطنية .
وهذه الفترة بزخمها السياسي ستكون كذلك فترة بداية الفعل الثقافي وستكون الشبيبة المدرسية والأنشطة الثقافية التي تقوم بها نقطة لقاء جيل أبناء الاستقلال والذين سيساهمون خلال الخمسين سنة القادمة في بناء وبلورة المشروع الثقافي التونسي.

ونجد في هذا الجيل الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ورجاء فرحات وحمادي بن عثمان ورؤوف بن عمر وغيرهم..
وسيكتشف هذا الجيل في نهاية الخمسينات كل مجالات الإبداع والعمل الثقافي من مسرح وأدب وسينما.

وقد تقاطع العمل الثقافي لهذه النخب مع العمل السياسي وبصفة خاصة المجموعات الشبابية الثورية والطامحة إلى تغيير جذري في المجتمعات التقليدية كمجموعة برسبكتيف في بلادنا والمجموعات المنبثقة عن ثورة ماي 1968 في فرنسا.
إلا أنه وبالرغم من هذه اللقاءات والتقاطعات فان النخبة الثقافية الجديدة لم تنخرط في العمل السياسي المباشر ليبقى همها الرئيسي منصبا على العمل الثقافي ومقاربتها لتغيير الواقع هي مقاربة ثقافية.

وفي حديثه عن التجربة الثقافية في بلادنا يعود علي سعيدان إلى الفترة الذهبية لجيل أبناء الاستقلال وهي فترة السبعينات مع عودة الأبناء المدللين من الخارج بعد استكمال دراساتهم وتعليمهم ليساهموا في تبرعم أزهار الربيع الإبداعي الذي ستعرفه بلادنا في تلك السنوات – فستكون هذه السنوات سنوات غليان ثقافي على جميع الأصعدة وستعرف هذه الفترة ظهور اهم الأصوات الإبداعية والثقافية المجددة كصالح القرمادي وعزالدين المدني ونجا المهداوي ونجيب بلخوجة في ميدان الرسم ومحمد إدريس ورجاء فرحات في الساحة المسرحية وسيكون لسيد علي مساهمة أساسية في هذا الزخم الإبداعي والثقافي من خلال اهتمامه بالموروث الشعبي وباعتبار أصوله والعلاقة القوية التي بقيت تربطه بالدويرات فقد حافظ علي سعيدان على روابط حميمية وشاعرية مع الثقافة الشعبية وكان يحز في نفسه اقتصار الثقافة الجديدة والحداثية على الجانب الحضري والتغافل عن الموروث الشعبي بل حتى رفضها له باعتباره وريث الأنظمة السياسية الاجتماعية البالية والتقليدية والتي كانت سببا في خروجنا من حركة التاريخ.

وكان سيد علي يعتقد راسخا أن هذا التوجه جعل من ثقافتنا عرجاء بسبب تغييبها لذاتنا الدفينة واعتمادها على الموروث المستورد وسيكون إصلاح هذا الاعوجاج ومصالحتنا مع ذواتنا في المجال الثقافي الهاجس الرئيسي الذي سيقود مساهمة وتجربة علي سعيدان في المجال الفني.وانطلق علي سعيدان في هذه التجربة منذ عودته من فرنسا.فقام بتجميع الأشعار مع فرق الغناية وقد أكدت هذه التجارب أهمية المخزون للثقافة الشعبية وضرورة الاهتمام به وقد كون علي سعيدان في تلك الفترة مع ثلة من الشباب مجموعة ايمازيغن والتي ولئن دامت بعض الأشهر فقد كانت تجربة مميزة واهتمت بإحياء الغناء الشعبي الملتزم. وقد قامت هذه المجموعة بتقديم عديد الأغاني والتي بقيت إلى اليوم في قاموس الأغنية الجديدة اذكر منها «لا نطيق الذل « و»يا من عزم» من تلحين المرحوم حمادي العجيمي وأغنية «بعد امهاج الغالية» كتبها الفيتوري تليش من مدنين سنة 1939 والأغنية المشهورة «يا عوم الغيد» والتي كتب كلماتها سالم العيدودي في بداية القرن التاسع عشر.

وكانت هذه التجارب مخبرا لتمخض مقاربة وتجربة موسيقية وشعرية هامة.والى جانب هذه الأغاني الأولى تمت إضافة أغاني جديدة «كاوكاموتو» للمختار اللغماني و»لو كان ما يحبونا» من كلمات المنصف المزغني .وتميزت هذه التجارب ببروز المرحوم حمادي العجيمي والذي قام بتلحين عديد الأغاني الهامة ك»الكلمات «لمنور صمادح و»بنت القمرة» و»قرنفلة» وقد كان لتجربة مسرحية الجازية الهلالية التي افتتحت بها فرقة قفصة بإشراف رجاء فرحات مهرجان الحمامات الدولي تأثير كبير على علي سعيدان ومكنته من التعرف عن قرب بأهمية وقيمة هذا المخزون الثقافي الشعبي وبالرغم من العمل الكبير الذي قام به علي سعيدان فقد أحس بالكثير من الحسرة للتهميش الذي مازالت تعيشه الأغنية الشعبية .فقرر في 1978 أن يطوي صفحة الفن والخروج من العاصمة والذهاب إلى قابس أين اشتغل في معمل للحديد.

لكن هذا الغياب لن يدوم طويلا فسيتصل به رجاء فرحات سنة 1980 ليدعوه للمساهمة في حفل افتتاح مهرجان قرطاج والذي قرر مع سمير العيادي كاتبه العام آنذاك تخصيصه للفن الشعبي للاحتفاء بفناني كل الجهات.وسافر علي سعيدان إلى كل الجهات لاختيار الفرق التي سيقع برمجتها وتمت دعوة كل هذه الفرق أسبوعا كاملا قبل العرض إلى مدينة تونس.واشرف الفاضل الجزيري والفاضل الجعايبي على إعداد الجانب الفرجوي للعرض .

طبعا كانت هناك بعض التجارب للتعريف بالفن الشعبي ومن ضمنها دعوة بعض الفرق الشعبية للفضاء الخارجي لمسرح قرطاج كمجموعة القوقو من جرجيس وعبيد غبنطني من مدنين.كما اشرف علي سعيدان على نادي الشعر الشعبي في دار الثقافة ابن رشيق حيث تتم دعوة بعض الشعراء الشعبيين يوم الجمعة إلا أن الشعر الشعبي بقي مهمشا ومغمورا .وقد ساهمت المؤسسات الرسمية في هذا التهميش وأعطت رؤية فلكلورية للتراث الشعبي فنفت التعدد في ثقافتنا .ويشير علي سعيدان في هذا المجال الى برنامج «قافلة تسير «والذي أكد هذه النظرة الدونية للمخيال الثقافي الشعبي.

وقد قام المخرج علي حرز الله بعمل هام في حصصه التلفزية والإذاعية بالتعريف بالثقافة الشعبية .وقد تميزت برامجه بالكثير من العشق والحب والحساسية تجاه هذا المخزون.

الا ان التحول الرئيسي والحقيقي للفن الشعبي سيكون مع افتتاح مهرجان قرطاج لسنة 1980. لقد احدث هذا العرض رجة لا فقط عند الجمهور في مسرح الهواء الطلق والذي بقي اكثر من عشرين دقيقة لتحية الفرق بل كذلك عند الجمهور العريض والذي تابع العرض مباشرة عن طريق شاشة التلفزة.
لقد كان هذا العرض فرصة للجمهور لاكتشاف جزء من ذواتنا والذي حاولنا نسيانه بل حتى نكرانه .فقد كان هذا العرض نقطة تحول وانطلاق والمصالحة بيننا وبين هذا الجزء الهام من مخزوننا الثقافي المغمور وسيكون في هذا العرض نقطة انطلاق للاهتمام بالثقافة الشعبية لتتوالى التجارب لاكتشاف عديد الجوانب الأخرى في أعمال «كالحضرة» و«النوبة» وليصبح هذا المخزون جزءا هاما من ثقافتنا ومن تنوعها .

وتوالت المشاريع والبرامج لسيد علي للتعريف بهذا المخزون الشعبي فقدم سنة 2002 حصة تلفزية تحت عنوان «رحلة في تراثنا الشعبي» ثم حصة إذاعية بعنوان «معنى وقافية وسبب» ليشتغل الآن على مشروع ضخم لتغطية التعابير الثقافية في فيلم وثائقي طويل.
هذه بعض الأفكار والمحطات في مسيرة سيد علي سعيدان والتي تؤكد مساهمته الهامة لا فقط في التعريف بالمخزون الثقافي الشعبي بل في مصالحتنا مع ذواتنا
هذه المساهمة تفسر مقدار الاحترام والحب الذي يحظى به هذا البدوي الساخر في ربوعنا .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499