عيب والله عيب !

لم يكن البيان الذي أصدرته يوم الخميس دول التحالف الأربع في قائمة الإرهابيين بالأوّلِ، لكنّه يتضمّن مواقف جديدة في غاية الدقّة.. ولم تمرّ المسألة مرور الكرام في المواقع الاجتماعية على وجه الخصوص، بل أدرك الجميع الجزئيات التي أحدثت الفارق.

فقد تمّ الإعلان رسميّا على تصنيف الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين و المجلس الإسلامي العالمي ( مساع) باعتبارهما تنظيمين إرهابيين، إضافة إلى 11 شخصيّة معظم أفرادها ينتمون إلى قطر. وبقطع النظر عن الحيثيات السياسية التي تلفّ هذا الإعلان فإنّه كان بمثابة الرجة الكهربائية بالنسبة إلى أعضاء وحلفاء هذين التنظيمين في جميع الدول العربية، وبصفة أدقّ في تونس والمغرب كذلك. وليس السبب بخفيّ فكلا البلدين تميّزا بسياسة تختلف عن سياسة الدول العربية مع الإسلام السياسي، بل إنّ الإرادة السياسية التونسية اختارت، إن طوعا أو قسرا، أن تسير البلاد على أساس التشارك في الحكم مع الإسلام السياسي والتوافق معه، واعتبرته مظهرا من مظاهر نجاح التجربة الديمقراطية، كلّ هذا استقام رغم معارضة المجتمع المدني الذي يرى في حضور الإسلام الإيديولوجي سببا رئيسيا في الوضع المتأزّم الذي تعيشه تونس اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

أدرك معظم التونسيين خلفيات البيان الصادر من الدول الأربع، فإدراج الاتحاد ضمن قائمة الإرهاب لا يحمل استثناء لبعض من أعضائه، والجميع يعلم أنّ راشد الغنوشي ونور الدين الخادمي وعبد المجيد النجار من بين 42 عضوا في مجلس الأمناء، وعلى هذا الأساس يكون إدراجهم ضمن القائمة الإرهابية مسألة منطقية.
لكن، يبدو أنّه كان لردود فعل المجتمع المدني وقع أقسى على حركة النهضة من تصنيف قيادييها ضمن بقية قياديي الاتحاد . فنشرت بيانا تهدّد فيه بتتبّع كلّ من يطال زعيمها، متجاهلة البيان نفسه.. ثمّ في وقت لاحق ينتشر المسؤولون عن الإعلام في الحركة في القنوات الإذاعية مستنكرين اعتبار زعيمهم من حركة الإخوان، وهنا لا يسعنا أن نستمع إليهم، وهم المسؤولون، في هدوء، ويقتضي منّا المقام أن نوضّح ما يلي:

كم أزعجني إنكارهم لانتمائهم الإيديولوجي.. وشبهته بإنكار الابن لأبوّة أبيه.. وكم أخافني، لأنّي لم أكن أظنّ البتّة أنّ هذا الحزب له من القدرة على القطع مع جذوره التي يتغذّى منها، و القطع مع المنابع التي ترويه.. واسمحوا لي في العبارة « فهذا أعلى درجات الجحود».. لأنّ الجماعة ينتمون إلى حزب حركيّ، وأيّ حزب حركيّ يلتمس بقاءه بمدى ثباته على المبادئ.. وفي هذا السياق أقول لهؤلاء الباحثين عن « عذرية جديدة»: ما قولكم فيما خلّدته وسائل الإعلام الحديثة بالنصّ والصورة من علاقات وطيدة مع اتحاد الإخوان، المؤتمرات والبيانات الرسمية، وحتى موقعكم باب نات خلّد انتصاركم في انتخابات أوت 2014 باسطنبول: وإليكم الدليل حتى لا أتّهم بالكذب عليكم

اتحاد علماء المسلمين :
التجديد للقرضاوى لرئاسة الاتحاد وانتخاب الغنوشي
والخادمي ضمن مجلس الأمناء
وإن توقّف القرضاوي عن القدوم إلى تونس فلأنّ المجتمع المدني لفظه في شدّة، أمّا نائبه القرداغي فقريبا سنعدّه من بين المقيمين عندنا. فهل هذا جزاء سنمّار؟ وجزاء من بجّلكم واعتبركم سندا رئيسيا في عمله الجهاديّ؟ وهل هذا هو مفهوم النضال عندكم؟ ونلخّصه في مثلنا الشعبي « الله ينصر من صبح» أو «أخطى راسي واضرب»؟ وكيف لقواعدكم أن يستأمنوكم على مستقبلهم ومصيرهم إن كانت هذه هي سياستكم؟

مسألة ثانية استوقفتني: اصطدمت في سياق بحثي في المنظمات المصنّفة إرهابية بحضور لافت لأعضاء النهضة ، والمسألة موثّقة بالصوت والصورة، وأوضّح:

أوضح البيان أنّ المجلس الإسلامي العالمي يتعاون مع عدة كيانات مصنفة إرهابية مثل منظمة الكرامة، وقطر الخيرية، مؤسسة الشيخ عيد آل الثاني الخيرية، ومؤسسة قرطبة في بريطانيا. وعندما نطّلع على أنشطة هذه الجمعيات نتبيّن أنّها تعتمد سياسة التشبيك مع الاتحاد العالمي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا يسعني السكوت عن جمعية قطر الخيرية، وقد انغرست في بلادنا منذ نوفمبر 2012، أي زمن حكمكم المزدهر. ولا تقدرون أيضا على إنكار نشوتكم بالفتح الذي أنجزتموه في ربوع بلادنا، وخاصّة منها الفقيرة، وقد خلّدت تسجيلات أنشطة هذه الجمعية حضوركم باعتباركم حزبا وباعتباركم حكومة حاكمة بأمرها: وأكتفي بالرابط حتى يطّلع عليه القارئ:

https://www.youtube.com/watch?v=6FlBZg81MQM&feature=share

مسألة ثالثة، وأعتبرها في غاية الأهميّة: هو التشابه البيّن بين خطابات هذه الجمعيات وما يسوّق الآن من حديث عن إسلام ديمقراطي، وما سمعناه في سنوات قريبة من تأكيد على أنّ أجدادهم هم زعماء الإصلاح.

فرابطة علماء المغرب العربي ، وهي إحدى المنظمات المتفرّعة عن المجلس الإسلامي تأسست في جوان 2014 ، تلحّ في بيان نشأتها على: «نبذ أسباب الفرقة والاختلاف… وتوجيه الأمة وإرشادها، وإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها، بما يتوافق مع المنهج الرحب لأهل السنة والجماعة، وبما ينسجم مع هويتنا الإسلامية المغاربية؛ تحصيناً لمجتمعاتنا من الفكر الدخيل، وتحريراً لها من كل أشكال التبعية”.

كما تهدف الرابطة إلى “معالجة أسباب الغلو والتطرف، ونشر قيم التسامح والوسطية والاعتدال، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف والظلم والاستبداد، وتكريس قيم العدل والحرية والكرامة والسلم الاجتماعي، وإحياء معاني البذل والتضحية، وحماية الأسرة من التفكك، والطفولة من الإهمال، والشباب من الانحراف، والمجتمع من الانحلال”.
وهي امتداد للحركات الإصلاحية بالمغرب العربي، كحركة محمد بن علي السنوسي والطاهر الزاوي في ليبيا، وعبد العزيز الثعالبي ومحمد الطاهر بن عاشور في تونس، وعبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي في الجزائر، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي ومحمد بن العربي العلوي والمختار السوسي في المغرب، ومحمد الأمين الشنقيطي (آبَّ ولد اخطور) وبُدَّاه بن البوصيري في موريتانيا، وغيرهم....

والمجال يضيق لو تعرّضت إلى مبادئ كلّ المنظمات التي تندرج تحت مظلّة المجلس والاتحاد، لكن تأكّدوا من مسألتين، هما: الإلحاح على صبغة الإسلام الديمقراطي، والنسبة القطرية ، لكن على أن تكون اجتماعاتهم خارج قطر وبصفة خاصّة بتركيا. وفي هذه المسألة لا أقدر على الإجابة.
سألت DW عربية محمد بن عبدالله آل زلفة، عضو سابق بمجلس الشورى السعودي «هل تصنف الدول الأربعة كل أعضاء الاتحاد إرهابيون؟ ( كذا) فأجاب أنه «طالما يتأسس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين على التطرّف والتشدد، فقياداته تحمل الفكر ذاته»، موضحاً أن «القرضاوي روّج طوال سنوات لفكر متطرّف يعادي غير المسلمين، وكان مفتياً للمسلمين الذين حملوا هذا الفكر في الغرب».

واليوم هل إنّ تونس والمغرب قادرتان على الاحتفاظ بدور الوساطة؟ خاصّة بعد أن أدرج قياديوها من الإسلام السياسي ضمن قائمة الإرهاب؟ الجواب تأتي به الأيّام.

بقيت مسألة أخيرة لا أستطيع أن أفوّتها: وخطابي أوجّهه للمرّة الثانية إلى رئيس حكومتي يوسف الشاهد، وأبدأه بالسؤال التالي: ماذا فعلتم بمكاتب الاتحاد العالمي التي فتحت بتونس؟ فأنا لم أقف على أيّة ردّة فعل، خاصّة بعد أن نبّهناكم سيدي إلى الخطر الذي يحدثه هذا التنظيم في بلادنا.. ثمّ هل ستتمادى الحكومة في الصمت والتسامح مع من صدر فيه حكم بأنّه إرهابيّ ، وتتركه يلتهم أبناءنا لقمة سائغة؟ ثمّ تتساءلون من أين يأتينا الإرهاب؟ متى ستقتنع الحكومة بأنّ ما يقوم به المجتمع المدني إنّما هو حزام أمان من مخاطر مستوردة؟ متى ستعتق المجتمع من عبودية التطرّف الذي انغرست جذوره من 2012؟ متى توقف عمل هذه المنظّمات الخيري في ظاهره والملغّم بالإيديولوجيا في باطنه؟ متى ستنقذ المجتمع من فتنة قادمة إذا ما أبقيت على أناس غرباء عنّا ينشئون أجيالا ستكون سيوفا على رقاب التونسيين حمانا الله من عنفهم؟

كلمة أخيرة أوجّهها إلى قياديي النهضة: كفى، «باستا».. كفاكم تهديدا للمجتمع المدني.. وإن كانت لكم الجرأة بل والقدرة فلترفعوا قضايا بمن صنّفكم إرهابيين.. أم « كلا طريحة دار على مرتو»؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499