حديث الأنا: أنا متقاعد... ماذا عساي أن أفعل؟

في هذه الأيّام، تفتح الجامعة أبوابها. ها هي الحياة فيها تعود، تنطلق، من جديد. ها هم الأساتذة وخلفهم الطلبة. الكلّ مفعم أملا، فرح بالعودة، منشرح. هي العودة الجامعيّة، يا سادتي... أنا لن أعود. هذه السنة، لن تكون لي عودة جامعيّة. لن ألتقي بالطلبة. لا قسم لي ولا درس ولا تدريس. هذه السنة، أنا حزين...

منذ عديد العقود، كلّ سنة، لي عودة جامعيّة. أتهيّا للعودة كأحسن ما يكون. أشتري لباسا وأحيانا حذاء. أفرح وتراني بين غبطة وتوتّر. أفرح بالعودة الجامعيّة وبملاقاة زملائي وطلبتي. بالتدريس أكون. بما كان من علاقات أتأسّس. في قلبي، بعض توتّر. أهاب العام الجديد وأخشى ما سوف يحصل فيه وما سوف يكون... أفرح بالعودة الجامعيّة أيّاما، بضعة أسابيع ثم تتوالى الأشهر ويصيبني الضجر. أنا كثير الضجر. لا أستقرّ على منهج. في القسم، في التدريس، ألقى رتابة. ها أنا أعيد ما كنت أتيت منذ سنين. ها أنا أجترّ. أدور. أكره الجامعة وأكره التدريس. أحيانا، أمشي الى القسم كمن يمشي الى المشنقة. يجب أن أنتهي من التدريس...
في كلّ عودة جامعيّة، تراني في حركيّة، في حبور. أعدّ ما كان من برنامج وما كان من نصوص. أحبّ البدايات، كلّ البدايات، ولمّا بطلبتي ألتقي. ها أنا في القسم، أمشي وأجيء. أتبختر بين الصفوف. أشرح ما كان للدرس من مقاصد ومن منهج ومن فصول. بفرنسيّة مهذّبة، أقول بصوت واثق، جليّ فينبهر الطلبة لطلاقتي وأفرح. أقول لهم إسمي ولقبي. أقول لهم إنّي بربري، إنّي يهودي، إني من غير هذه الربوع. أقول ما شئت وأنظر في أعينهم وما فيها من تطلّع ومن فضول...

أحبّ طلبتي. أغلب طلبتي. أحبّ معاشرة الشباب وأعشق ما في الشباب من عبث ومن غلوّ. رغم السنين، بقيت صبيّا. دوما، في شكّ، في سؤال، في بعض شذوذ. عند تخرّجي، كنت اشتغلت في السكك الحديديّة حيث رأيت الناس تمشي على أربع. همّهم امتيازات وترقيّة. كلامهم قوالب وأفقهم قصير. في الجامعة، تجري الحياة بهيّة، مختلفة. في الجامعة هناك نظر وصدّ وتجاوز. في الجامعة، هناك خيال ونار تلهم... رغم ما كان من حرّيّة ومن عصيان، سئمت الجامعة وكرهت التدريس. مع السنين تجري، كلّ عمل الى الرتابة ينقلب. كلّ فعل مع الأيّام يفسد... أكره الرتابة. أكره كلّ معتاد يعود. أكره العادات والتقاليد. ليت التدريس والشغل محدود الزمن. دورتان وينتهي ونمشي الى شغل جديد...
هذه السنة، لا عودة جامعيّة لي. انتهى القسم. انتهى التدريس. هذه السنة، أنا متقاعد. هذه كتبي كما تركتها فوق الرفوف. هذا حاسوبي وقد أغلقته منذ شهور. هذه أقلامي منثورة كأوراق الخريف. هذه ملفّاتي مبعثرة وفيها خطوط ورسوم... انتهت الجامعة. انتهى التدريس. يجب أن أطوي الصفحة. يجب أن أفتح أخرى، بيضاء، ناصعة، كما يقولون. أي صفحة أخرى أفتح بعد أربعة عقود؟ أيّ حياة أبتغي بعد كلّ هذه العقود؟ انتهت الجامعة. لن تفتح لي أبوابها من جديد. يجب أن أدرك أن قد انتهى ذاك الزمن. يجب أن أفهم أن قد طويت الصفحة.

أنا متقاعد. أنا اليوم مدعوّ إلى القعود. لا قسم لي ولا طلبة ولا دروس. يجب أن أقعد، أن أخلد الى الراحة، الى النوم، الى السكون... كيف لي أن أركن الى السكون؟ كيف لي أن أبقى بقيّة العمر في قعود؟ أنا أبغض القعود. أنا أكره الرتابة والسكون... يقول المنصف صاحبي «الآن وقد تغيّر الأفق، حان وقت المراجعة. يجب أن تدرك وتتدارك ما فات من العمر». ماذا يعني صاحبي؟ ماذا يريد أن يقول؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499