قهوة الأحد:وجوه من الإبداع (5) الحبيب بلهادي : تجربة التحرر من سطوة الايديولوجيا في الثقافة

نواصل في هذه الحلقة الحديث عن أهم الفاعلين والمبدعين الثقافيين .وكما اشرنا منذ البداية فإن الهدف من هذا التقديم ليس فقط التعرف على ابرز وجوه الإبداع الفني في بلادنا بل كذلك التعريف بمساهمة الحركة الفنية في بناء المشروع الحداثي والتجربة السياسية وتفردها في بلادنا.

قمت إلى حدّ الآن بالحديث وتقديم وجوه بارزة في الساحة الفنية ببلادنا.فتحدثت إلى المخرج رضا الباهي ورجل المسرح رجاء فرحات والفنان نجا المهداوي والناشط الثقافي المنصف ذويب.وسنواصل الحديث وتقديم عديد الوجوه الفاعلة والمعروفة في الوسط الفني والإبداعي.
إلاّ أن هذا العمل ومساهمة الفنانين والمبدعين في بناء مشروع ثقافي داعم للمشروع السياسي لم يكن ممكنا لولا وجود عدد كبير من رجال الظل والذين يعملون في صمت من اجل تمكين المبدعين والفنانين من الظروف الطيبة للعمل والإنتاج .وأكد لي عديد المبدعين والفنانين أنه لو لا هؤلاء الناشطين والفاعلين للاهتمام بعديد الجوانب العملية كالبحث عن التمويل وإمضاء العقود وتوزيع العمل وغيرها من الأعمال اللوجيستية والقانونية والمالية لما تمكنوا من التفرغ للإبداع ولترجمة أحلامهم وآمالهم في أعمال فنية رائعة.

ولردّ الاعتبار لهؤلاء الناشطين والعمل الهام الذي يقومون به قررت تخصيص بعض اللقاءات لبعض هؤلاء الفاعلين وسأبدأ في هذه الحلقة بالصديق الحبيب بلهادي صاحب قاعة الريو والتي أصبحت تحت إدارته أحد أهم الفضاءات الثقافية الخاصة في بلادنا.
تعرفت على الحبيب بلهادي في نهاية سبعينات القرن الماضي لما كان وكيل اغلب الفنانين الملتزمين.فتعاملت معه لاستدعاء عدد كبير منهم كعدلي فخري ومحمد بحر وخاصة المرحوم حمادي العجيمي وخماسي الموسيقى العربية لدار الثقافة ابن رشيق.وقد كان حمادي العجيمي حامل لواء الأغنية الملتزمة واشتهر بعديد الأغاني الملتزمة «كعاش يتمنى في عنبة مات جابولو عنقود» وأغنية «الكلمات» من كلمات الشاعر الكبير منور صمادح و»اوكاموتو» للشاعر الكبير المختار اللغماني.

عند لقائي بالصديق الحبيب بلهادي منذ أيام بمقهى الشيلنغ أثرنا هذه الذكريات الجميلة – كان الحبيب بلهادي مهتما ومنكبا على عمله الجديد وهو عبارة عن مسرحية من وحيه وكتابته بعنوان «المغروم يجدد» وهي عبارة عن خمسة أعمال متتالية من إخراج المسرحي لسعد بن عبد الله ويشارك في التمثيل بعض من أهمّ مسرحيينا وممثلينا كجمال المداني وفتحي المسلماني وفرحات الجديد ومريم الصياح وقيسالا النفطي ووجدي البرجي وحاتم اللجمي وغيرهم.وهذا العمل هو عبارة عن كوميديا موسيقية لاستحضار المرحلة الانتقالية بعد الاستقلال تستحضر أهم الأحداث السياسية والاجتماعية لنهاية الستينات وبداية السبعينات من خلال حكاية إحدى كافيشانطات باب سويقة وحكاية محرز الشخصية الرئيسية لهذه المسرحية والذي يحاول إقناع فرقته الموسيقية باللعب وإحياء رمضان 1968 بالرغم من انه لم يكن قادرا على دفع أتعابهم والإيفاء بالتزاماته تجاههم في الموسم الرمضاني الفائت الموافق لجوان 1967 بعد سفر زوجته اليهودية إلى فرنسا إثر الحرب واستقرارها هناك وبيع كل أملاكها قبل سفرها.والمسرحية تعود من خلال محاولة صاحب الكافيشانطة إقناع الفرقة الموسيقية بالعمل وإحياء كل السهرات الرمضانية إلى الأحداث السياسية والاجتماعية التي صاحبت تلك الفترة وبدايات ثورة الشباب ضد استبداد الدولة الوطنية والمؤشرات الأولى لدولة التسلط والاستبداد.
تحدث الحبيب بلهادي بكثير من الحماسة عن هذا العمل الجديد ومساهمته في التعريف بفترة هامة من تاريخنا لا فقط السياسي بل كذلك الفني وبدايات الثورة الشبابية.

رجعت مع الحبيب بلهادي إلى بداياته الأولى منذ سنوات الطفولة والصبا في حي باب سويقة أين كانت الانطلاقة والتعرف على تراثنا الفني والأدبي.ومن المراهقة سيهتم صديقنا بالفعل الفني والثقافي وسيبدأ رحلته الثقافية كمنشط ثقافي في بعض دور الثقافة كجبل الجلود وابن زيدون في نهاية السبعينات.

ثم سينتقل إلى مؤسسات أهم ولها إشعاع ثقافي اكبر كالمركز الثقافي لمدينة تونس والذي سيصبح اليوم مقرا لمدينة الثقافة وسيقضي عديد السنوات في دار الثقافة ابن رشيق والتي شكلت في تلك الفترة إحدى منارات الإبداع والعمل الثقافي في بلادنا.وقد تمكن الحبيب بلهادي من خلال هذه التجارب المختلفة من ربط علاقات كبيرة مع عديد الفنانين والمبدعين ليصبح في فترة قصيرة صديق ورجل أعمال العديد منهم كالمصريين عدلي فخري والشيخ إمام عيسى وسعيد المغربي وحمادي العجيمي ومحمد بحر والهادي قلة واولاد المناجم والبحث الموسيقي وغيرهم في ميدان الموسيقى وتوفيق الجبالي ومحمد إدريس والفاضل الجعايبي وجليلة بكار في الميدان المسرحي.

وقد تزامنت هذه الفترة الخصبة من الإبداع والإنتاج الفني والثقافي في نهاية السبعينات مع تصاعد الاستبداد السياسي الذي عمل على خنق مجالات التعبير والتقاء الفنانين مع الجمهور العريض- وقد ساهم تأثير وانخراط اغلب الفاعلين الثقافيين في تلك الأيام في الحركات اليسارية في تصاعد المنع والرفض من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية – وقد تحمل الحبيب بلهادي هذا المنع والمحاصرة من قبل هذه المؤسسات باعتباره كان عضوا في الحزب الشيوعي التونسي واحد المسؤولين الثقافيين ضمن الحزب.وقد نظم واشرف على إعداد التظاهرات الثقافية للحزب كمهرجان الطريق الجديد جريدة الحزب على غرار مهرجان L’humanité للحزب الشيوعي الفرنسي.

وقد كان لسياسات المنع والرفض من المؤسسات الرسمية انعكاس هام على الساحة الثقافية في بلادنا حيث ستكون وراء ظهور مسالك التوزيع الموازية والخاصة.وستشكل هذه المسالك الخاصة وفرق وشركات الإنتاج الخاصة نقطة تحول هامة في ميدان العمل الثقافي والإبداع في بلادنا إذ ستساهم في دعم وتطور العمل الإبداعي في ظل الانغلاق والرفض الذي واجهت به المؤسسات الرسمية التجارب الإبداعية الجديدة والمستقلة.

وسيكون الحبيب بلهادي أحد الأوائل الذين دخلوا ميدان الإنتاج الثقافي الخاص – فغادر الوظيفة العمومية وانخرط في هذا المجال من خلال لعب دور رجل أعمال عديد الفنانين والمسرحيين في الثمانينات والتسعينات – كما دخل الحبيب بلهادي مجال الإنتاج الخاص وكون مع الفاضل الجعايبي وجليلة بكار مجموعة فاميليا للإنتاج سنة 1992.وقد كانت هذه المجموعة وراء ربيع المسرح في بلادنا وأنتجت في بضع سنوات اهم الاعمال المسرحية الجديدة في بلادنا كفاميليا وعشاق المقهى المهجور وسهرة خاصة والبحث عن عائدة وخمسون ويحي يعيش وتسانامي.

وفي ظل محاولات خنق الفضاءات الرسمية للتجارب الثقافية والإبداعية الجديدة ورفض إعطائها التراخيص وفتح أبواب المسارح أمامها كان الحبيب بلهادي من الأوائل الذين اتجهوا إلى تجربة الفضاءات الثقافية الخاصة.فساهم في البدايات الأولى لمسرح التياترو مع توفيق الجبالي – كما ساهم في الأشغال الأولى لإعادة ترميم مسرح الحمراء الذي سيفتحه لاحقا المرحوم عزالدين قنون ليواصل عمله مع ابنته الممثلة والمخرجة الشابة سيرين قنون.

وقبل أن يواصل تجربته مع الفضاءات الخاصة سيعود الحبيب بلهادي بضع سنوات إلى المؤسسات الرسمية وبصفة خاصة إلى المسرح الوطني عند إدارته من طرف الممثل والمخرج الكبير محمد إدريس.وسينتج هناك «يعيشو شكسبير» ،»العوادة»،»كوميديا» للفاضل الجعايبي وجليلة بكار و»سمفونية» للحبيب شبيل و»جنة على الأرض « لرشاد المناعي .
واثر هذه التجربة التي دامت أربع سنوات في المسرح وبعض التجارب الأخرى سيعود الحبيب بلهادي إلى تنشيط الفضاءات الخاصة وستنطلق هذه التجربة سنة 2007 في سينما أفريكا لتتواصل إلى ما بعد الثورة – وستقف هذه التجربة سنة 2011 عندما هاجم السلفيون القاعة وحاولوا تهشيمها عند عرض شريط «إن شاء الله Laïcité» للمخرجة نادية الفاني .
كما قام الحبيب بلهادي بتحويل قاعة سينما المونديال إلى مسرح في إطار شركة فاميليا .

ثم سينطلق الحبيب بلهادي سنة 2014 في التجربة الأهم في هذا المجال لتحويل قاعة سينما الريو في وسط العاصمة الى فضاء ثقافي متعدد الاختصاصات بدأت التهيئة سنة 2013 لتنتهي الأشغال سنة 2014 ليصبح ركح هذا الفضاء اكبر ركح بعد المسرح البلدي ولينطلق في العمل التنشيطي والثقافي.

وتجربة الحبيب بلهادي كانت كذلك هامة باعتباره عاش مرحلة هامة من تاريخ الفن والإبداع في بلادنا تميزت بتطور السياسي والاديولوجي ومحاولة هيمنته على العملية الإبداعية.وكانت هذه الفترة مرحلة مخاض عسيرة وأصبح الفن الدعائي السياسي والإيديولوجي مهيمنا على الساحة الفنية.وتحت شعار محاربة مقولة الفن للفنّ والتي اعتبرها دعاة الجدانوفية الحديثة كقولة بورجوازية لا تتوافق مع متطلبات التغيير الثوري الذي يريدونه لبلادنا .اذن هيمنت الحركات اليسارية على الفعل الثقافي والإبداعي في السنوات الثمانين والتسعين.وقد ساهم تصلب السلطة وانغلاقها في هذا الهروب إلى الأمام وهيمنة الايديولوجيا في الساحة الثقافية.

ويعترف الحبيب بلهادي بصعوبة حالة المخاض التي عرفتها الساحة الفنية في تلك الأيام.إلا أن هذا المخاض وبالرغم من صعوبته وتعقيداته فقد نجح في التخلص من هيمنة الايديولوجيا وجعل الفن والإبداع مجالا للحلم والأمل والتحرر من سطوتها.وهذا الهامش لا يعني نهاية السياسة والقيم التي دافع عنها المثقفون كالحرية والعدالة والديمقراطية لكن الغلبة أصبحت للإبداع والفن.

هذه إذن تجربة أحد رجال الخفاء في بناء المشروع الثقافي التونسي والذي كان دعامة لتفرد تجربتنا السياسية .ولعل أهم نتيجة يمكن أن نستخلصها وهي أن تواصل هذه التجربة في أحلك فترات الاستبداد كانت نتيجة للعمل الهام الذي قام به الحبيب بلهادي وغيره من الناشطين في الميدان الثقافي ببناء مؤسسات موازية وفضاءات خاصة مكنت المبدعين من التواصل من

الجمهور متجاوزة رفض وانغلاق المؤسسات الرسمية.وقد ساهم هذا التواصل في تغذية الأمل والحلم بمستقبل مغاير وبإمكانية زوال الاستبداد ونهايته.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499