منبــر: الدستور يفرض.. والبرلمان يرفض .. أو بالأحرى «العزري أقوى من سيدو»

بقلم: يوسف محمدي (محام وناشط حقوقي)
لقد اعاد الدستور التونسي المصادق عليه بتاريخ 27 جانفي 2014 الاعتبار لنظرية مونتسكيو حول توزيع السلط وطورها في اتجاه اعادة التوزيع بين ثلاث سلط تقليدية وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية وبين سلطتين مستحدثتين

وهي السلطة المحلية في الباب السابع وسلطة الهيئات الدستورية المستقلة وهي التي بوّأها الدستور تلك المكانة في المشهد كسلطة تعديلية وتقريرية.
هذه الهيئات الدستورية التي استبشر بها كل مؤمن بالثورة كونها ستساهم في نزاهة الانتخابات وفي حماية حقوق الانسان وتعديل المشهد السمعي والبصري وجعله متعددا وشفافا وحرا كما تساهم في حماية حقوق الأجيال القادمة وتعمل على مكافحة الفساد وإرساء الشفافية والحوكمة الرشيدة في نطاق توجه عام لدعم الديمقراطية .
هذه المكتسبات والصلاحيات التي اقرها الدستور (الفصل 125 ) للهيئات وخاصة هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ( الفصل 130) منوط بها محاربة الفساد والتصدي له في القطاعين العام والخاص , بعد ان فشلت السلط التقليدية في الحد منه وفقدت ثقة المواطن فيها في هذا المجال , يبدو ان مشروع القانون الذي تم تقديمه من السلطة التنفيذية لإرساء الهيئة

الدستورية القادمة والذي صادق عليه مجلس نواب الشعب بأغلبية 116 صوتا قد شهد تراجعا كبيرا عما ضمن بالدستور من صلاحيات بل شكل تراجعا حتى عما جاء بالمرسوم 120 المحدث للهيئة الحالية لمكافحة الفساد وبالاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد لسنة 2003 والمصادق عليها من الدولة التونسية سنة 2008 , اذ تم العدول عن منح هذه الهيئة اية صلاحيات تذكر عدا اصدار تقرير تضمن به عدد الملفات والشكاوى وابتعد المشروع نهائيا عن ارساء هيئة مستقلة وقوية تكون في مقدمة المجهود الرامي لاجتثاث الفساد او على الأقل الحد منه فلم تٌعط لهذه الهيئة ولمجلسها ولرئيسها أية صلاحيات فعلية وجردت من صلاحيات الضابطة العدلية ووضعت تحت الرقابة المسبقة للقضاء ومنحت بعض الصلاحيات لأعوان جهاز غير منتخب ولا سلطان لرئيس وأعضاء مجلس الهيئة عليه وبالتالي افرغ مشروع هذه الهيئة ممّا هو منتظر منها وجعلها مجرد هيكل متآكل في مشهد سريالي يوحي بوهن السلطتين التنفيذية والتشريعية في حربها على الفساد ويطرح التساؤل حول جدية من ذكر في تلك الحرب وهي تسعى لرفض ما منحه الدستور للهيئة من استقلالية وسلطة وصلاحيات... فهل يٌعقل أن الدستور يفرض... والحكومة والبرلمان يرفضان.

يبقى الأمل معلقا على الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين للتصدي لذلك بعد ان تقدم النواب مشكورين بالطعن حماية للدستور من تغول الحكومة والبرلمان وتخوف النافذين فيهما من وجود هيئة مستقلة بالفعل قادرة على مكافحة الفساد الذي ينخر كل القطاعات... في انتظار ذلك فان ما حدث من تغليب القانون على الدستور وخرقه له, ينطبق عليه المثل الشعبي «العزري أقوى من سيدو»... وللحديث بقية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499