حول أزمة تركيز المجلس الأعلى للقضاء: بين أزمة الترقّب وانعدام التوافق وضرورة الخيار التشريعي

بقلم وليد الهلالي،
رئيس اتحاد القضاة الإداريين


مازالت أزمة تركيز المجلس الأعلى للقضاء تلقي بظلالها وسط تعدد الأراء وتناقضاتها لحلّ هذا الإشكال.

الأستاذ وليد الهلالي رئيس اتحاد القضاة الاداريين يعطي في هذا المقال الذي ننشره على حلقتين قراءته القانونية والحلول التي يقترحها للخروج من هذه الأزمة.

كانت انتخابات المجلس الأعلى للقضاء المعينة ليوم الأحد 23 أكتوبر 2016 عرسا انتخابيا بأتمّ معنى الكلمة خاصّة وأنّ المجلس هو التجسيد الحقيقي للسلطة القضائية والضامن لاستقلاله ولحسن سيره، وقد تمّ الإعلان عن النتائج مساء اليوم الذي أجريت فيه الإنتخابات ورحّبت جميع الهياكل الممثلة للقضاة بتلك النتائج باستثناء جمعية القضاة التونسيين التي عبرت عن استيائها الشديد من انتخاب القاضي خالد عباس عضوا بالمجلس وصرّحت علنا بأنّ «قضاة الرتبة الثالثة يختارون الإنقلاب» في إيحاء منها بمسألة سحب الثقة من المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين خلال سنة 2005، وهو تشكيك في الحقيقة في قدرة قضاة الرتبة الثالثة على اختيار مرشحهم والذي نراه خطيرا باعتبار أن القضاة المذكورين هم «شيوخ القضاء» وقضاة التعقيب أي قضاة القانون وهم بالتالي الملاذ الأخير للمتقاضي والتشكيك فيهم بهذه الطريقة غير المسؤولة هو تشكيك في نزاهة القضاء عموما.

وعلى إثر البتّ في النزاعات المتعلقة بالنتائج الأولية للإنتخابات من طرف المحكمة الإدارية، تمّ التصريح بالنتائج النهائية للإنتخابات من طرف الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات يوم 14 نوفمبر 2016 وتمّت إحالة النتائج في نفس اليوم إلى رئيس الهيئة الوقتية للقضاء العدلي باعتباره السلطة التي خوّل لها الفصل 73 من القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء دعوة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء للإجتماع لأوّل مرة وقد مكّنه الفصل المذكور من أجل شهر للقيام بالدعوة المذكورة، علما أنّ المجلس كان يشكو في ذلك التاريخ من شغور واحد في خطة وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب بحكم الإحالة على التقاعد من أجل بلوغ السن القانونية منذ 1 أوت 2016 وشغورا آخر في مجلس القضاء المالي في خطة أستاذ جامعي التي لم يترشّح لها أحد، وبالتالي فإنّ تركيبة المجلس في تاريخ الإعلان عن النتائج النهائية كانت في حدود 43 عضوا من جملة 45.

إلاّ أنّ رئيس الهيئة الوقتية للقضاء العدلي أحجم عن دعوة المجلس الأعلى للقضاء للإنعقاد وبادرت الهيئة المذكورة في الأثناء، أي بعد تاريخ الإعلان عن النتائج النهائية للإنتخابات، بإصدار قرارات ترشيح أحدثت بمقتضاها شغورات إضافية وتغيير في تركيبة المجلس من خلال إبعاد الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف بتونس وإحداث شغور في خطة رئيس المحكمة العقارية وفتح باب الترشح إلى خطة الرئيس الأول لمحكمة التعقيب والحال أن الخطة ليست شاغرة في تاريخ اتخاذ قرارات الترشيح.

وأمام هذا الإعتداء الصارخ على تركيبة المجلس الأعلى للقضاء بادرت الهياكل الممثلة للقضاة والمتمثلة في اتحاد القضاة الإداريين ونقابة القضاة التونسيين واتحاد قضاة محكمة المحاسبات والجمعية التونسية للقضاة الشبان بإصدار بيان إلى الرأي العام بتاريخ 22 نوفمبر 2016 طالبنا من خلاله السيد رئيس الحكومة بعدم إكساء قرارات الترشيح الصادرة عن الهيئة الوقتية للقضاء العدلي الصيغة القانونية وذلك بالإستناد إلى عدة أسباب أهمها ما يلي:

لقد تحولت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي إلى هيئة تصريف أعمال فور الإعلان عن النتائج النهائية لانتخابات المجلس الأعلى للقضاء وذلك طبق ما استقرّ عليه فقهاء القانون العام في البلاد وفقه قضاء مجلس الدولة الفرنسي وكذلك فقه قضاء المحكمة الإدارية والذي مفاده أن الهيئة المتخلية تتحول إلى هيئة تصريف أعمال ولا يحق لها اتخاذ قرارات هامة ومصيرية تدخل في مجال اختصاص الهيئة المنتخبة التي ستحلّ محلها إلاّ استثناء وذلك من أجل تحقيق المصلحة العامة وشريطة أن تتم المصادقة على تلك القرارات من طرف الهيئة المنتخبة. وما يجب التأكيد عليه في هذا الخصوص هو أنّ الأستاذ Chapusيعتبر أنّه عندما تجرّد سلطة إداريّة من مهامها لأيّ سبب من الأسباب، تنتقل اختصاصاتها حالا إلى السلطة الجديدة المعيّنة أو المنتخبة لتعويضها. وإذا لم يتمّ التعويض حالا، فإنّ السلطة القديمة تبقى مؤقتا في مهامها لكن باختصاصات محدودة، وذلك عملا بقاعدة مترسّخة في القانون العام ومكرّسة في فقه القضاء تقتضي أنّ اختصاصاتها تقتصر على تصريف الأعمال الجارية.

تنص الفقرة الثامنة من الفصل 148 من الدستور على أن: «تواصل الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي القيام بمهامها إلىحين استكمال التركيبة مجلس القضاءالعدلي»، وقد تمّ استكمال تركيبة المجلس الأعلى للقضاء بالأعضاء المنتخبين باعتبار أنّ هناك أعضاء معيّنون بالمجلس بصفاتهم قبل الإنتخابات. وما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أنّ جمعية القضاة التونسيين أوّلت عبارة «استكمال تركيبة المجلس الأعلى» بضرورة عدم وجود أي شغور في تركيبة المجلس أي ضرورة أن يكون المجلس الأعلى للقضاء متركبا من 45 عضوا حتى يمكنه مباشرة مهامه وفي غياب هذا الشرط فإنّ الهيئة الوقتية تبقى مباشرة لمهامها إلى حين سدّ كل الشغورات الحاصلة بالمجلس.

إنّ هذه القراءة تتنافى بداهة مع روح النصّ والمنطق والواقع ذلك أنّ هناك شغورا آخر في مجلس القضاء المالي في خطة أستاذ جامعي لا يمكن للهيئة الوقتية للقضاء العدلي سدّه إلا من خلال انتخابات جديدة تدعو إليها الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات في خطة أستاذ تعليم عالي مختص في الجباية والمالية العمومية وما يستتبع ذلك من فتح آجال جديدة للترشحات وفتح باب الطعون من جديد أمام المحكمة الإدارية سواء بمناسبة الترشحات أو النتائج، كما لا يمكن للهيئة أيضا سدّ الشغور الذي حصل في 1جانفي2017 في خطة الرئيس الأول لدائرة المحاسبات. كما أنّ نفس هذه القراءة تؤدي بنا إلى المجهول باعتبار أنّ شغورات أخرى سوف تحصل في الأيام القادمة من أجل الإحالة على التقاعد دون الأخذ بعين الإعتبار حالات الوفاة التي قد تطال أعضاء المجلس الأعلى للقضاء لا قدّر الله لنبقى بذلك في حالة شغور متواصل صلب المجلس!! لذلك وجب قراءة عبارة «إستكمال تركيبة المجلس» في تاريخ معيّن وهو تاريخ 14 نوفمبر 2016 الموافق للإعلان عن النتائج النهائية للإنتخابات ضرورة أنّه في التاريخ المذكور حصل لنا العلم بعدد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وبأسمائهم وصفاتهم وبعدد الشغورات الحاصلة والتي لم تتجاوز في ذلك التاريخ شغورين إثنين علما أنّ فقه قضاء المحكمة الإدارية استقرّ على اعتبار أنّ الشغورات الحاصلة في المجالس المنتخبة لا تأثير لها على تركيبة تلك المجالس طالما أنّ النصاب القانوني متوفر وهو ما ينطبق تمام الإنطباق على وضعية المجلس الأعلى للقضاء. من جهة أخرى، فإنّ قراءة جمعية القضاة التونسيين تؤدّي بالضرورة إلى وضع يد السلطة التنفيذية على القضاء ذلك أنّها تعتبر أنّه طالما لم يتمّ استكمال تركيبة المجلس حسب مفهومها السالف ذكره فإنّ الهيئة الوقتية للقضاء العدلي لا تزال قائمة الذات وكذلك الشأن بالنسبة للمجلس الأعلى للمحكمة الإدارية والمجلس الأعلى لدائرة المحاسبات، إلاّ أنّه غاب عن الجمعية أنّ رئيس كلّ من المجلس الأعلىللمحكمة الإدارية والمجلس الأعلى لدائرة المحاسبات حسب القانون القديم، هو رئيس الحكومة وبهذه الصفة فإنّه لا يمكن للمجلسين المذكورين الإلتئام إلاّ بإذن منه كما يجوز لرئيس الحكومة حسب ذات القانون تعيين من يراه مناسبا على رأس دائرة المحاسبات دون الرجوع إلى أي أحد كما يمكنه أيضا إقالة الرئيس الأول للمحكمة الإدارية إن رأى ذلك، وبالتالي فإنّ قراءة الجمعية تؤدّي إلى الإبقاء على المنظومة القديمة بكلّ مساوئها.

تعمّدت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي إدخال تغيير على تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وذلك من خلال نقلة الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف بتونس دون رضاه والحال أنّ تلك الخطة كانت تسمح له بالعضوية الآلية بالمجلس وأحدثت في الآن ذاته شغورا بنفس الخطّة لاسيّما أنّها برّرت قيامها بهذه الترشيحات بحرصها على سدّ الشغورات الحاصلة بتركيبة المجلس الأعلى للقضاء.

يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499