قهوة الأحد: عندما زمجر السود في أمريكا

كنت في زيارة خاطفة هذا الأسبوع للعاصمة الأمريكية واشنطن لحضور أحد الاجتماعات وكان الحديث حول الانتخابات أخذ كل اهتمام الشارع والنقاش العام. ولعل الشغل الشاغل للنخب الأمريكية هو معضلة المرشح الجمهوري دونالد ترامب فلئن اتفق الجميع على محدوديته خاصة

بعد اكتشاف تصريحات سابقة عن عدم احترامه للمرأة إلا أن هذا المرشح لا يزال ينال ثقة عدد كبير من الناخبين في استطلاعات الرأي وبالتالي حظوظه في الفوز في الانتخابات مازالت قائمة وكبيرة.
وتشكل هذه المعضلة الانتخابية القضية الأساسية التي تستأثر باهتمام الناخب الأمريكي والجمهور الواسع بصفة عامة فلا تفتح صحيفة أو محطة تلفزية أو إذاعية إلا وتجد الاهتمام موجها للانتخابات والتخوف الكبير من أن يفيق الأمريكيون غداة الانتخابات ليجدوا دونالد ترامب رئيسا لهم.

إلا أنه وإن أخذت هذه المسألة اهتماما كبيرا عند الجمهور الأمريكي فإننا نجد بعض القضايا الأخرى التي نالت بعض الاهتمام. وأريد أن أحدثكم في هذه المقالة عن حدث تاريخي خُصّصت له عديد المقالات في عديد الصحف والمجلات ومن ضمنها الأسبوعية المشهورة عالميا News Week والتي أثثت مقالا مطولا حول هذا الحدث التاريخي الهام.

هذا الحدث يهم الذكرى الخمسين لميلاد حزب راديكالي يدافع عن حقوق السود ويحميهم بقوة السلاح أمام عنف وغطرسة البوليس الأبيض. هذا الحزب هو Black panthers party أو حزب الفهود السود. قد لا يعرف الكثيرون هذا الحزب أو نسوه بالرغم من كونه عرف انتشارا كبيرا في نهاية الستينات وبداية السبعينات وأصبح قبلة كل الشباب الأسود وحتى الأبيض والرافض لعنهجية البوليس الأبيض.

ولعل أهم صورة تذكرنا بتأثير هذا الحزب على الشباب السود نذكر صورة العدائين طومي سميث وجون كارلوس ورفضهما شعار هذا الحزب عند فوزهما في الألعاب الأولمبية بالمكسيك سنة 1963 أثناء عزف النشيد الأمريكي.

ولعل العودة للحديث عن حزب الفهود السود في خمسينيته يأتي في ظرف سياسي واجتماعي في الولايات المتحدة يتميز بميزتين رئيسيتين. الأولى هي تنامي الانتهاكات والتجاوزات والاعتداءات البوليسية على السود. وقد نتج عن هذه الاعتداءات عديد القتلى مما أدى إلى القيام بعديد الانتفاضات والمظاهرات في عديد المدن الأمريكية للتنديد بهذه الاعتداءات.

أما الميزة الثانية والتي تفسر اهتمام الرأي العام الأمريكي هذه الأيام بظاهرة حزب الفهود السود فهي ظهور حركات راديكالية سوداء في عديد المدن الأمريكية لعل أهمها حركة « Black lives matter » والتي تذكر في عديد الجوانب مثل الدعوة لاستعمال العنف وفقدان الثقة في المؤسسات الأمريكية بأول تجربة ثورية لشباب السود في الولايات المتحدة.

وعودة المنحى الثوري لدى الشباب الأمريكي يدفعنا إلى التساؤل عن مدى نجاح الاختيار الديمقراطي والسلمي الذي اتبعته مختلف الحركات الشبابية عند السود منذ نهاية حزب الفهود السود بعد الضربات الموجعة التي وجهتها له الآلة البوليسية والقمع المتواصل. وقد أدى فشل هذا الخيار الثوري بالعديد من الحركات إلى الاتجاه إلى العمل السلمي وتغيير المؤسسات الرسمية للنظام العنصري الأمريكي من خلال الانتخابات. وقد نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد كبير من خلال انتخاب العديد من السود في عديد الولايات وفي الكنغرس ومجلس الشيوخ ولعل أهم هذه الانتصارات للخيار الديمقراطي هو انتخاب الرئيس باراك أوباما ذو الأصول الإفريقية على رأس الولايات المتحدة الأمريكية.

إلا أن العديد من المحللين يعتبرون أن هذه الانتصارات هي كالشجرة التي تخفي الغابة فبالرغم من هذه الانتصارات الانتخابية والتحسن النسبي لوضعية بعض الشرائح المتوسطة السوداء فإن وضعية السواد الأعظم لهذه الشرائح بقي يرزح تحت التهميش الاجتماعي والعنف البوليسي. مما يطرح مسألة سياسية وفلسفية هامة وهي قدرة المؤسسات والديمقراطية على تغيير الواقع وتحسين واقع عيش الملايين من المهمشين وعلى بناء عقد اجتماعي قوامه العدل والمساواة.

لنعد الآن إلى هذا الحدث وولادة حزب الفهود السود. يعود ظهور هذا الحزب إلى لقاء بين مناضلين شابين من أصول إفريقية وهما huey newton وBobby Seal في سان فرنسيسكو كاليفورنيا في إحدى اجتماعات منظمة تدافع عن حقوق السود في جامعة بركلاي. وسيتأثر الشابان بتنامي الحركية السياسية لدى الشباب ورفضهم للقمع البوليسي المسلط عليهم وعنهجية المؤسسة الأمنية في التعامل معهم. كما ستعرف هذه الفترة ظهور بعض الجمعيات التي ستدعو إلى رفع السلاح للرد على الاعتداءات الأمنية وحماية أحياء السود.

وسيقوم نيوتن وسيل بتحرير برنامج سياسي في عشر نقاط في بداية أكتوبر 1966 وستكون نقطة انطلاق لحزب الفهود السود وستؤكد هذه النقاط على بعض المطالب السياسية كنهاية العنف والاضطهاد البوليسي للسود وعديد المطالب الاجتماعية كحق السود في الصحة والدراسة والتشغيل والحماية الاجتماعية. وسيقع تعيين سيل رئيسا بينما ستسند لنيوتن مهمة وزير الدفاع.

وستنطلق نشاطات الحزب بتكوين لجان مهمتها مراقبة أنشطة البوليس وحماية أحياء السود وأماكن تجمعاتهم من دخول البوليس. وسيقوم الحزب بتوفير أسلحة لهذه اللجان وكذلك كتب قانون يقع الاستظهار بها أمام رجال البوليس لتذكيرهم بالحقوق التي ضمنها الدستور.
وإلى جانب هذه الأنشطة السياسية سيقوم الحزب بعديد الأنشطة الاجتماعية الموجهة إلى الجماهير العريضة من الفقراء في الأحياء المهمشة فسيقع فتح العيادات الطبية المجانية والتي سينشطها العديد من الأطباء المتطوعين كما سينظم الحزب العديد من حملات التلقيح على نطاق واسع ضد الأمراض.

ولعل أحد أهم أنشطة الحزب هو برنامج «فطور الصباح المجاني للأطفال» الذي عرف نجاحا منقطع النظير وساهم في ازدياد وتطور شعبية الحزب لدى الشرائح الرافضة لغطرسة البوليس العنصري الأبيض. وقد وصل هذا البرنامج إلى حد توزيع 10.000 وجبة يوميا.

وسيساهم اغتيال مارتن لوثر كنغ في 4 أفريل 1968 في نمو الراديكالية في صفوف الشباب السود وحزب الفهود السود. فنهاية Luther King ستكون بداية النهاية للحل السلمي والنضال المدني من أجل حصول السود على حقوقهم السياسية والاجتماعية. وستعرف هذه الفترة صعود الحل الثوري مما سيجعل حزب الفهود السود قبلة أغلب الشباب الرافض لهذا الواقع والحالم بحل جذري لمعضلة الاضطهاد العرقي في أمريكا. وسيعرف الحزب تطورا كبيرا في تلك الفترة وسيفتح فروعا في أغلب المدن الأمريكية وستزداد شعبيته بعد القيام بأنشطة نوعية كخطف طائرة من قبل خمسة مناضلين من الحزب في جويلية 1972 وطلب فدية مالية لتمويل الحزب على طريقة مناضلي الثورة الفلسطينية في تلك الفترة.

وستقابل السلطات الأمريكية وخاصة الأجهزة الأمنية بحملة كبيرة للقضاء عليه. وقد اعتبر ادغار هوفر مدير جهاز المخابرات FBI في تصريح له في سبتمبر 1968 أن حزب الفهود السود هو أهم خطر على الأمن القومي الداخلي الأمريكي. وستضع الأجهزة الأمنية برنامجا كاملا للقضاء على الحزب يتضمن الاغتيالات والإيقافات وزرع المخبرين داخل الحزب لافتعال الانشقاقات والخلافات وسينجح هذا البرنامج في إضعاف الحزب وإخفاء بريقه.

وسيكون تراجع الحزب وراء نهاية الحل الثوري للقضية العرقية في الولايات المتحدة لينخرط السود في الحل السلمي وسيجعلون من الانتخابات طريقا للوصول إلى السلطة لتغيير سياسة التمييز العنصري منذ نهاية السبعينات. ولئن ساهم المد الثوري الشبابي في إحدى الجامعات الأمريكية والمناهض لحرب الفياتنام في نهاية السبعينات في نمو شعبية وتأثير حزب الفهود السود فإن التراجع الذي عرفته الحركة الراديكالية الشبابية انعكس سلبا على تواجد الحزب وتأثيره. وسيساهم هذا التراجع في هبوط تأثير الحل الثوري.

ومع نهاية السبعينات سيشهد النهج الديمقراطي صعودا هاما في أوساط الشباب الأسود الذي سيعود إلى إتباع المنهج المدني والسلمي والذي نادى به مارتن لوثر كنغ قبل مماته. وسيتجه العديد من السود وحتى من قادة حزب الفهود السود إلى الانتخابات لتغيير واقع معاشهم والوصول إلى نهاية النظام العنصري من خلال المؤسسات الرسمية.

وستعرف هذه السياسة عديد الهزائم في بداياتها إلا أنها سرعان ما ستحقق بعض النجاحات من خلال انتصارات انتخابية هامة ليصبح العديد من القادة السود مسؤولين على العديد من المؤسسات الرسمية كولاّة عديد الولايات والمقاطعات وكذلك شيوخ ورؤساء بلديات لأهم المدن الأمريكية الكبرى. ولعل أهم انتصار للنخبة ذات الأصول الإفريقية هو انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية.

وقد ساهمت هذه الانتصارات الانتخابية في تغيير أوضاع السود وظهور طبقة متوسطة استفادت من انفتاح النظام ومن تراجع العنصرية لإيجاد تموقع اجتماعي وسياسي جديد يجعل منها جزءا من النخبة الحاكمة في هذا النظام.
إلا أن هذا التغيير لم يمس غالبية الأقليات التي بقيت تعاني من التهميش والبطالة فكانت الجريمة والعنف والمخدرات هو ملاذها أمام تراجع فرص العيش الكريم وساهم هذا الوضع المنفجر في تصاعد القمع البوليسي وعودة العنهجية في تعامل الأجهزة البوليسية مع هؤلاء الشباب. فتصاعدت التجاوزات والقتل مما أدى إلى انتفاضات كبرى واحتقان اجتماعي وسياسي كبير لدى شباب السود.

وقد أدت هذه الأزمات السياسية والاعتداءات المتكررة إلى ظهور حركات راديكالية تذكّرنا بحزب الفهود السود. ومن هذه الحركات نذكر حركة « Black Lives Matter » أو «حياة السود مهمة» والتي لعبت دورا كبيرا في إعادة تعبئة الأحياء والمدن والحركة الاجتماعية لإيقاف الاعتداءات والعنف البوليسي المسلط على الشباب ذي الأصول الإفريقية.

وقد رجعت هذه الحركة إلى تاريخ حزب الفهود السود والذي نظم له متحف أوكلاند المدينة التي انطلق منها هذا الحزب معرضا هاما بعنوان «كل السلطة للشعب: خمسون سنة من الفهود السود».

وتشير عديد المظاهر إلى نفس التطور والتأثير الذي تعرفه الراديكالية السوداء الجديدة في صفوف الشباب. وكما كان الشأن بالنسبة للفهود السود فإن التمشي الثوري الجديد له تأثير على أوساط الرياضيين. فمثلا أصبح بعض الرياضيين في كرة القدم الأمريكية على غرار اللاعب كولن كابيرنيك يرفضون الوقوف أمام النشيد الوطني الأمريكي بل يجلسون القرفصاء للتعبير عن رفضهم لواقع السود في الولايات المتحدة.

إن النقاش الذي تعرفه الولايات المتحدة الأمريكية حول وضع الأقليات لهو هام ومفيد ويطرح بقوة قدرة المؤسسات على تغيير واقع القمع والتهميش ويبقى التحدي الأساسي والرئيسي في هذه المجتمعات هو بناء عقد اجتماعي جديد قوامه نهاية التهميش والاندماج الاجتماعي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499