إعدام.. شجرة وهيمنة شعار برا هكاكة

إن كان و لا بد من بداية لحكاية من وحي هذا الزمان الذي توالت فيه المضحكات المبكيات و تفاهات الأنفس الضيقة و شقاء اللحظات الضائعة فانه يمكن الاكتفاء بأول مثال يتبادر إلي الذهن . لن نجد عناء كبيرا في الاستئناس بأي مثل يقترحه علينا واقعنا فالحالات كثيرة التي تصلح للاستدلال علينا

و علي تفاهة سلوك البعض منا. الإشكال الوحيد يتمثل في الاختيار وهذا أمر بالغ المشقة لأننا و الحمد لله نتشابه كثيرا في بعض المجالات تحديدا مجالات اللغو و الخروج عن المألوف و التطاول عليى الأعراف والعادات. ما حدث بجهة قرطاج في الأيام القليلة الأخيرة يمكن اعتباره أوفى استدلال على ذلك لانه و في هذا المستوى من سلوك الإهمال و اللامبالاة يمكن القول انه يصعب على الغير أن يزاحمنا في ذلك. كيف ذلك و أين تكمن أوجه «الإبداع» ان صح التعبير؟

شخص من هذا الزمان ، زمن اللاستقرار و التردى و الاستهانة بكل شيء، أطلق العنان لرغباته في أن يزيح من أمام أعينه ما اقتنع و تصور انه يضيق من مجاله الحيوي و يحرمه حلاوة التلذذ بسلطته في محيطه و على ما يخاله جازما ملكا له. لم يفكر كثيرا لان الزمن أصبح منذ مدة يحمل شعارا (هو في الواقع عنوان لأغنية شعبية معروفة ) «برا هكاكة» بل توقف فقط ليصور في خياله المشهد وفق ما يريده و تطالب به رغباته، قرر و أمر ...و نفذ.

النتيجة : دمار بيئي و تطاول على بعض المفاهيم النادرة اليوم وهي مفاهيم الحق المشترك و الشيوع في الواجبات و الاحترام المتبادل لمقومات الموروث التاريخي و لسلطان الذكريات و لرمزية الأمكنة والدلالات.
شجرة من زمن بعيد، زمن الثوابت و المعاناة الجميلة، عاشت بيننا و ترعرعت في أحضان الذكريات لتلهمنا بسلطان قوامها وعلو قامتها وتوحي لنا في كل مرة تأخذنا الأقدار للمرور حذوها بأنها ستظل وفية لذلك التاريخ المشترك الذي لن يمحى من الذاكرة و سيظل هو و هي شاهدين على بداية حلم هذه البلاد و عزم رجالاتها على بناء فسحة حياة تكون مع مرور الأجيال خير رافد لما يليق بالحنين و المحبة و الأخوة.

شجرة من زمن بعيد غادرت منذ أيام زمننا.. نهائيا... ليس بإرادتها أو بإرادة من يشاركونها التاريخ و الصحبة، غادرت بإرادة واحد ممن رفضوا التظلل تحت أوراقها و اعتبروها من الإضافات التي لا معني لها ولا فائدة منها إضافة إلى كونها و بوجودها فقط تنال من مجاله الحيوي ( والتجاري). نفذ فيها الإعدام مؤخرا في غياب الأحباب و الخلان ... استفاق السكان و هلعوا جميعهم من وطأة الصدمة . تغير المكان و تمزق المجال من شدة وقع الفعلة. صورة فرضت نفسه بأوجاعها الشجرة العظيمة و هي تذوب في بقاياها، ممدة أغصانها على امتداد الناصية التي طالما ظللتها.. جثة خامدة على بعد أمتار قليلة من المكان الذي كانت عروقها متواصلة معها. انتهى كل شيء و انتهت إلى الأبد قصة قرابة المائة سنة من المودة و الصحبة بين سكان مدينة قرطاج و شجرة طالما ما آنستهم و كانت رجع صدى لجمال المكان والزمان.

الحكاية بطريقة مبسطة و أكثر واقعية من حيث الألم و الحزن: تولى مؤخرا صاحب مقهى في ضاحية قرطاج قطع شجرة «اوكالبتوس» تقع أمام محله. هذا العمل أثار حنق متساكني المنطقة الذين تولوا تحرير عريضة في الغرض وقع تقديمها للقضاء. تعهدت الجهة المعنية بالموضوع و أحيل الرجل على المحكمة التي قررت إدانته و القضاء في شانه بما يقوله القانون بخصوص فعلته هذه.

لكن و بقطع النظر عن كل هذه الجزئيات و خصوصا مسالة إدانة الفاعل فان هنالك وجعا لن يمحي من جراء غباء سلوكنا و يتمثل في رمزية عملية قطع الشجرة و طريقة النيل من الحق المشترك بين الناس فيها وفي مدلولات وجودها لأنها ملك للجميع و لا يحق لأحد ترتيبا على ذلك بعنوان الأنانية الضيقة أن ينال منها و منا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499