اغتيال الطفولة.. مرة أخرى

و كأن في الأمر سرا لا ندرك كنهه و في المشهد المعروض بعد لا تطاله عقولنا القاصرة و تفشل عن الوصول الى فلسفته و مفهومه. مشهد سريالي ذلك الذي اقترحته علينا مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسبوع تقريبا. كهل في العقد الخامس تقريبا يسقي ابنته ذات الثلاث السنوات تقريبا خمرا و تحديدا علبة جعة.

ملامح الرجل في مظهرها الخارجي لا توحي بالشذوذ وتعابير وجهه تعطي صورة الأب «النموذجي» أو ما يعبر عنه في لغة القانون بـ«رب الأسرة الصالح».. مشهد سريالي حقا و مرهب أينما قلبت الفرضيات بخصوصه و حاولت « تنسيب الأمور أو حتى تفنيد ما توحي إليه إذ انه من المستحيل منطقا و واقعيا أن يحدث ذلك في هذه الدنيا و أن يعمد أب مهما كانت درجة وعيه إلى مثل هذه الأساليب «القذرة» بأتم معنى الكلمة. لا يعقل أن يصدر ذلك من أي كان مطلقا. كيف يمكن تصور حدوث ذلك و أن يعمد شخص إلى اغتيال الطفولة بهذه الطريقة و أن يرتكب محارم الأفعال هذه؟ كيف و كيف .....

الصور «الفاجعة» التي اكتشفناها منذ أيام تتحدانا جميعا و حتى لو كانت «مفبركة» أو مستعارة آو «مدبلجة» فان النتيجة ذاتها و البشاعة نفسها. أن يقوم حيوان بشري بمثل هكذا سلوك حتى و لو كان من قبيل الكذب فان العمل يصبح من قبيل التحدي لنا جميعا و استهتارا بأقدس ما نؤمن به من مبادئ وافضل ما نسعى إلى صيانته و حمايته. التطاول على الطفولة بهذا الشكل او بغيره يمثل جرما في حق الإنسانية جمعاء. المتابع للأخبار في تونس هذه السنوات الأخيرة – و التحديد الزمني هنا على سبيل الذكر لا الحصر- يكتشف الكم الهائل و المتزايد للانتهاكات والتجاوزات التي تتعرض لها الطفولة . لا نتحدث هنا عن جرائم الاغتصاب والقتل التي أصبحت بالكاد امرا مألوفا بالنسبة إلينا .. لا حول و لا قوة إلا بالله.. نتذكر ما حدث لذلك البرعم الذي اختطفه وحش ادمي من أمام الروضة و تولي ذبحه بعد سويعات يمثل احدى محطات الرعب الذي أصبحنا نعيش من حين إلى آخر على وقعها...

إن ما أقدم عليه هذا التافه و هو «يسقي» ابنته آو ذلك الأخر الذي يدفع ابنه إلى التدخين إضافة إلى شرب الخمر هي من الأعمال التي يعجز القلم و اللسان عن وصفها. ما يؤلم بشكل خاص هو هذا الاستهتار الصارخ بالقانون و هذا التطاول على المؤسسات وتحديدا النيابة العمومية و مندوب الطفولة. المشاهد جاءت بالصور المكشوفة و الواضحة معنى ذلك إن صاحبها لا يسعى إلى التخفي آو تغيير ملامحه. يقوم بفعلته بهدوء و«بشفافية» تامة إن صح التعبير.

يمثل كل ذلك استدعاء واضحا لمندوب الطفولة الذي يحتم عليه القانون و تحديدا ما جاء في الأمر المحدث لخطته المؤرخ في 17 جوان 1996 . فما وقع ترويجه يمثل ما يسمي بالإشعار و بالنظر إلى ما جاء فيه فان التدخل أصبح واجبا و لا بد من التذكير هنا ان لمندوب الطفولة هنا صفة المأمور العمومي على معنى الفصل 36 من مجلة حماية الطفولة مما يضفي على أعماله الصبغة الرسمية . هذا بالاضافة إلي أن مجال تدخله بناء على مبدأ أولوية حقوق الطفل و مصلحته الفضلى.
ما حدث مؤخرا يغتال... الطفولة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499