بأي ذنب قتلت؟

«أجمل الأمهات التي انتظرته... و عاد مستشهدا...» كم أخذتنا الأحاسيس والمشاعر عندما كنّا – ولا نزال- على مرمى شوق من هذه العبارات الرائعة التي تتماهى و الصوت الملائكي لمرسال خليفة وهو يداعب فينا أوتار الحب للوطن وعزة الانتماء له. كنّا طلبة نكتشف أنفسنا

على امتداد الم الواقع و قهر الطغيان وحرقة الرحيل. كنا على عتبة الزمن المتجدد ونحن نبحث عن طرق النضال وعن مسالك الانتظار؟، انتظار الغد الأفضل والأمنيات القادمة. مرت السنين وعانينا من وطأتها وشدّة قسوتها. لم نذبل و لم نتراجع و بقينا أوفياء لها ولواقعنا و للكلمات. «أجمل الأمهات..» هن كثيرات والحمد لله لكن يصادف أن تضعك الأيام على مقربة من واقع مرير، قلّما عشت مثيله ودفعتك إليه الأيام.. بن قردان وتلك اللحظات التي امتزج فيها كل شيء وتقاطعت من خلالها الأحاسيس بكل عنفها لتجدنا في ذات الوقت ملتاعين على فقدان البعض منا و الذين ذهبوا ضحية الغدر والخيانة و فخورين بما سجلناه من بطولة واستبسال أحب الأصدقاء و الأخوة لنا. بن قردان هي في الآن نفسه عنوان للشهادة ولعلو الهمة لأنها مكنتنا جميعا من الاعتزاز بالانتماء لهذا الوطن..
و نحن نلملم ذواتنا جراء ما حدث تأخذنا الذاكرة الحينية إلى تلك الأمهات اللاتي انتظرن وانتظرن وعانقهن على حين غرة منهن ومنا استشهاد فلذات أكبادهن. جاءت تصريحات البعض منها لتؤكد –مرة أخرى- الفسحة العظيمة للصبر والرضاء بما شاء الله. الكلمات كلها كانت تتوج بعبارة «الحمد لله».. هؤلاء الذين قضوا لم و لن يغادروا الدنيا بل هم أحياء عند ربهم وعندنا جميعا وفي قلوب تلك الرائعات من أمهاتنا.

هي طفلة في عمر الزهور، لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها ، جميلة كملامح البراءة، عيناها تتوقد حياة و ربيعا. استشهدت في الساعات الأولى من يوم الغدر. أصابتها رصاصة جبانة وهي تدفع بجسمها النحيف نحو الأمام محاولة الهروب من خطر النيران و دوي الطلقات. لم يدم هروبها طويلا إذ لحقت بها رصاصة فاردتها جثة هامدة على الأرض. كان ذلك الاثنين الحزين آخر موعدها مع الدنيا، ربما كانت تحلم بالمدرسة وبالربيع القادم لحظات قبل خروجها وأهلها من المنزل اثر مداهمة الخطر لهم، ربما كانت تظن أن كل ذلك هو من قبيل أضغاث الأحلام وأنها لعبة من العاب الكبار، ربما كانت تفكر آنذاك في أصدقائها البنات اللاتي ستلتقي بهن في الصباح في ساحة المدرسة ليتناولن جميعهن الحديث عن الامتحانات والألعاب وأخر أخبار المسلسلات التلفزية. لكن قدرها أوقف كل ذلك وضرب لها ولنا موعد، لا احد قادر على أن يخلفه، فحصدتها رصاصة غادرة وجبانة وأنهت حياتها دون أن يكون لها ذنب اقترفته غير أن شياطين الإنس أرادوا ذلك.

« أجمل الأمهات» التي ودعت ابنتها بكلمات لا يقدر إلا الصدق أن يبوح بها. روت المشهد الفاجعة بلغة عذرية و جميلة مثل حزننا جميعا عليها وعن ذلك الطيف الذي غادرنا» ...نحس بالجمرة عافسة عليها..خافت على خوها الصغير، خرجنا من الدار الصبح قبل زروق الشمس.. جتها الضربة في مسلانها..»

«أجمل الأمهات..» عنوان من عناوين بن قردان وكل ربوع البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499