قضاة القطب المالي وملفات الفساد: «تشريعات غير ملائمة للواقع،غياب وحدات أمنية مختصة ومتفرغة وإدارات غير متعاونة»

مكافحة الفساد شعار رفعته الحكومات المتعاقبة على تونس منذ الثورة إلى اليوم حيث وضع ضمن جدول الأولويات مع مكافحة الإرهاب،ولهذا الغرض تم

تركيز القطب القضائي الاقتصادي والمالي في سنة 2015 هيكل مختص بالبت في قضايا الفساد التي تعدّ بالآلاف فمنها ما هو ثمرة عمل لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ومنها ما تمت إحالته من قبل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وغيرها،قضاة القطب أمام مهمة صعبة ومسؤولية جسيمة نظرا لتشعب تلك الملفات وما تتطلبه من تدقيق وتقصي ،في المقابل هناك معيقات تحول دون قيام القاضي بعمله على أكمل وجه وهي خارجة عن نطاقه وتتعلق بالتشريعات وغيرها الأمر الذي يجعله في غالب الأحيان محلّ اتهام بالبطء في الفصل أو بمقولة «الداخلية تشد والقضاء يسيّب، «المغرب» فتحت هذا الملف ووقفت على جملة الإشكاليات والنقائص على المستوى التشريعي والواقعي.

يختص القطب القضائي الاقتصادي والمالي طبقا للفصل الأول من القانون المنظم له بالبحث والتتبع والتحقيق والحكم في الجرائم الاقتصادية والمالية المتشعبة على معنى هذا القانون وفي الجرائم المرتبطة بها وذلك بالطورين الابتدائي والاستئنافي. ويعرّف الفصل الثاني الجريمة المتشعبة بأنها جريمة اقتصادية ومالية تتطلب إجراء أعمال استقرائية معمقة ودقيقة باستعمال وسائل تحري خاصة أو فنية تقتضي الاستعانة بخبرات متخصصة أو هياكل متعددة الاختصاصات أو اللجوء إلى تعاون قضائي دولي، وذلك بالنظر خاصة لتعدد المظنون فيهم أو المتضررين أو أماكن ارتكابها أو لامتداد أثارها أو حجم الأضرار المترتبة عنها أو لصبغتها المنظمة أو العابرة للحدود الوطنية.

«التخلي عن قضايا الحق العام»
يتعهد القطب القضائي الاقتصادي والمالي إلى حدّ كتابة هذه الأسطر بأكثر من 1060 ملف يشتغل عليها فقط 11 قاضي تحقيق وثلاثه ممثلي نيابة عمومية، وبالرغم من النقص في الطاقم القضائي مقارنة بالكم الهائل من الملفات فإنه وبالنظر إلى الإحصائيات التي قدّمها سفيان السليطي الناطق الرسمي باسم القطب مؤخرا تترجم المجهود الذي يقوم به القضاة المتعهدون بملفات الفساد حيث تم الفصل في الفترة الممتدة من 16 سبتمبر 2017 إلى 2 ماي 2018 في 339 قضية من بين 549 ملفا تمت إحالتها،علما وان هذه الملفات متشعبة جدّا باعتبارها تتعلق بقضايا استيلاء على المال العام نذكر منها ملف اللوالب القلبية ،ملف البنك المركزي،ملف الشركات المصادرة. من جهة أخرى فإن القانون الأساسي عدد 77 المتعلق بالقطب المالي يوجب على القضاة العاملين فيه التخلي عن القضايا الأخرى (قضايا حق عام) للجهة المعنية وهذا ما لم يكن مخوّلا منذ إنشاء القطب،وبالتالي فالقضاة قد تفرغوا أكثر لملفات الفساد ولكن هناك عوائق أخرى أكثر أهمية.

أين الفرق المختصة؟
من بين العوائق التي تساهم في بطء الفصل في قضايا الفساد وتجعل القضاء محلّ انتقادات واتهامات عدّة هي غياب الوحدات الأمنية المتفرغة والمختصة في البحث في قضايا الفساد المالي والإداري وفق ما أكده سفيان السليطي الناطق الرسمي باسم القطب القضائي المالي مؤخرا في إحدى البرامج التلفزية أين عبّر عن شكره للوحدات الأمنية من حرس وفرقة الأبحاث في الجرائم الاقتصادية وفرقة الأبحاث في الجرائم الديوانة نظرا للمجهود الذي يقومون به رغم تعهّدهم بعديد القضايا الأخرى،هذا وقال السليطي في هذا السياق «هذا العائق جوهري وأساسي بالنظر إلى طبيعة الملفات وبالتالي لا بد من التفكير في إيجاد حلول في اقرب الآجال وذلك من خلال تركيز وحدات أمنية متفرغة مختصة في قضايا الفساد وتكوينها أيضا مثلما هو الحال بالنسبة للقطب القضائي لمكافحة الإرهاب» ودعا في نفس الموضوع إلى ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار لإيجاد حلول بديلة».

منظومة تشريعية بالية
الجانب التشريعي مهم جدا في التعامل مع قضايا من الوزن الثقيل ومتشعبة تتطلب الوقت والجهد للتقصي ،إذ لا بد أن يكون القانون نتاجا للواقع ،هذه المعادلة اليوم غير متوفرة فيما يتعلق بقضايا الفساد حيث يجد القاضي نفسه مضطرّ لإصدار قرار بالإفراج الوجوبي عن موقوف نظرا لانتهاء مدّة الإيقاف التحفظي،هنا علّق سفيان السليطي فقال «لا بد من تغيير المنظومة التشريعية وخاصة فيما يتعلق بآجال الاحتفاظ في قضايا متشعبة تتطلب الدقة ،كما أن القوانين يجب أن تواكب وتتلائم مع خصوصية هذه الجرائم».

المبلغون على الخطّ
صادق مجلس نواب الشعب بتاريخ 22 فيفري المنقضي على القانون الأساسي عدد 10 المؤرخ في 7 مارس 2017 والمتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين الذي دخل حيّز النفاذ مؤخرا بعد تفعيله،هذه الوثيقة سيكون لها دور كبير في التصدي للفساد والمفسدين إذ تبعث في المواطن الطمأنينة وتحثّه ليبلّغ عن حالات الفساد التي يكتشفها سواء في مكان عمله أو غير ذلك،ولكن هذا لا يمنع أن هناك من لا يعترف بالقوانين ويسعى إلى التنكيل بالمبلغين عن الفساد حيث أحالت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مؤخرا 6 شكايات للنيابة العمومية في الغرض كما وفّرت حماية لعدد من المبلغين. سفيان السليطي الناطق الرسمي باسم القطب المالي من جهته أيضا ثمّن دور المبلغين عن الفساد في هذا المسار موضّحا أنه «هناك ملفات خطيرة وكبيرة تم الكشف عنها وإماطة اللثام عن المتورطين فيها بفضل سماع عدد من المبلغين على غرار ملف البنك المركزي وملف الذهب».

ماذا عن الإدارات ؟
القضاء وحده لا يمكنه مكافحة ظاهرة الفساد اذ لا بد من توفر المناخ المناسب وتضافر كلّ الجهود من اجل الإطاحة بالمفسدين وتحديد المسؤوليات والسرعة في فصل الملفات وذلك من خلال تعاون مؤسسات الدولة من وزارات وإدارات وغيرها مع القطب القضائي المالي ولكن يبدو أن هذا غير متاح إذ هناك إدارات غائبة عن هذا المشهد،إذ أوضح السليطي فقال «هيئة الحقيقة والكرامة تناقض نفسها ورفضت إلى اليوم تسليم القرص المضغوط لتسجيل شهادة عماد الطرابلسي الذي يتضمن معلومات مهمة بالإضافة إلى الإدارات غير المتعاونة مع القطب وهي من أسباب البطء في الفصل فعندما تتوجه بتسخير للحصول على معطيات من وزارة أو إدارة فلا من مجيب وهنا اقول لماذا لا يسري الفصل 66 من قانون العدالة الانتقالية على القطب المالي؟».علما وأن الفصل المذكور ينصّ في إحدى فقراته على أن « يعاقب بالسجن لمدة أقصاها ستة أشهر وبخطية قدرها ألفا دينار كل شخص يعيق عمل الهيئة بشكل متعمد، لا يمتثل عمدا لدعوة الهيئة للإدلاء بالشهادة أو يحول دون النفاذ إلى الوثيقة أو المعلومة المطلوبة»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499