الإشكاليات المطروحة بخصوص مسألة تنازع الاختصاص الحكمي المتعلقة بأحداث بن قردان: هل القضاء العسكري هو المختص بالنظر؟

تطرح حاليا على الساحة القضائية عديد التساؤلات المتعلقة بملفات بن قردان و تحديدا هل هي من اختصاص القطب القضائي لمكافحة الإرهاب أم هي من مشمولات المحاكم العسكرية. الجواب على هذه التساؤلات ليس بديهيا لأن لكل موقف أسانيده المنطقية والقانونية ولكل تمش حقوقي مرجعياته

و دفوعاته ذات قوة حجاجية مقنعة. جدل فرض نفسه في الآونة الأخيرة ونحن نستعد لفتح الملفات القضائية المترتبة عن الأعمال الإرهابية الواقعة مؤخرا ببن قردان.
الإشكالية في الواقع تفرض نفسها لأننا بصدد موضوع خلافي شديد الخطورة. ما حدث من جرائم في بن قردان هو دون أدنى شك عمل إرهابي مروع ذهب ضحيته العديد و العديد من الضحايا الأبرياء و ممن خاضوا المواجهة لحماية البلاد والعباد. بفضل ذلك تم تجنيبنا الكارثة واستبعاد الخطر بشكل قوي وصارم. وقعت العديد من الإيقافات و جمع الأدلة والبراهين على خطورة و نوعية الأعمال الدامية المسجلة. دخلنا الآن في مرحلة التعهد القضائي والتحريات والأبحاث التي وحدها سوف تستكشف الحقيقة وترصد كل تفاصيل العملية وتتعهد بتتبع ومحاكمة المجرمين الضالعين في هذا العمل الإرهابي. هنا نجد أنفسنا أمام إشكالية لتحديد الجهة المختصة بالتعهد ، من ناحية هنالك القضاء العسكري و الذي يغري القول بأنه هو المختص بالنظر إلى ما جاء به التشريع في هذا الإطار و إلى ما هو معروف علىه من سرعة و حسم في إجراء التحقيقات و في انجاز الأبحاث. هذا بالإضافة إلى رمزية التعهد العسكري بالنظر إلى خطورة وفداحة الجرائم المسجلة. من ناحية أخرى هنالك القطب القضائي والذي احدث خصيصا لمكافحة الجرائم الإرهابية.

ولاية القضاء العسكري
بادئ ذي بدء لا بد من الوقوف عند التشريع المحدد للاختصاص العسكري و المتمثل في الفصل الخامس من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية المنقحة في 29 جويلية 2011 و الذي جاء فيه ان الجرائم المرتكبة ضد الثكنات العسكرية والمقرات التي تشغلها القوات العسكرية من اختصاص القضاء العسكري. انطلاقا من ذلك و اعتبار أن الأعمال الإرهابية المسجلة ببن قردان استهدفت مقرات عسكرية مثلما وقع الإعلان عنه و أثبتته المعاينات والأبحاث الأولية حسم الإشكالية المطروحة يصبح واضحا وبالتالي لا مجال للخوض في التحليلات القانونية الموازية لان الجواب يفرض نفسه و يشير إلى تعهد القضاء العسكري فحسب. يتأكد ذلك أيضا بالرجوع إلى وقائع هذه العملية و التي تفيد وقوع استهداف ثكنة عسكرية و استشهاد عسكري. ترتيبا على ذلك يصبح ولاء القضاء العسكري على الموضوع صحيحا و لا تثريب عليه وبالتالي يستوجب قيام هذه الجهة المختصة باتخاذ قرار فتح تحقيق في الغرض وقيام النيابة العمومية الراجعة لها بالنظر بتكليف احد القضاة العسكريين لمباشرة أعمال التحريات و التقصي .

الخاص يقدم على العام
هذا الموقف رغم و جاهته وسعة حججه ومنطقية اسانيده القانونية يتعرض للنقد و الانتقاد من لدن الحقوقيين – وهم في الواقع كثر- الذين يرون أن مسالة تنازع الاختصاص هذه تحسم لصالح القطب القضائي لمكافحة الإرهاب بناء على منهجية قرائن تتضافر لإبراز عدم استساغة تعهد القضاء العسكري بالموضوع. أول هذه الاعتبارات يعود أساسا إلى طبيعة الأعمال المسجلة ببن قردان و التي كان الهدف منها تحديدا النيل من الدولة ومؤسساتها بما يعني أن الاعتداء طال النظام العام وامن الدولة. هذه الاعتبارات تجعل من الجرائم المرتكبة بالخطورة القصوى التي تخرجها من إطار الاعتبارات المعتمدة بالنسبة لتعهد القضاء العسكري. صحيح انه وقع استهداف للعسكريين وللمقرات العسكرية لكن هنالك الأبعاد الاخرى للجرائم الواقعة والتي من بينها النية الواضحة للارهابيين محاولة إسقاط النظام . هذا الأمر لم يكن من الأهداف المذكورة في مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية و التي تناولت موضوع استهداف المؤسسات العسكرية. لكن المستند الأهم حسب البعض لترجيح كفة اختصاص القطب القضائي لمكافحة الإرهاب يتمثل في اعتبار أن المجلة العسكرية المذكورة هي النص العام و أن قانون الإرهاب هو النص الخاص.
وباعتبار أن هنالك مبدأ قانوني يعتبر أن الخاص يقدم عن العام فان المسالة تحسم لصالح هذا الأخير.

«قاضي التحقيق صاحب القرار»
أكّد وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس في تصريح لـ«المغرب» أنّ القطب القضائي لمكافحة الارهاب قد اذن بفتح تحقيق في كافة الاحداث التي كانت قد جدّت بالمنطقة الحدودية بنقردان ومن بينها محاولة اقتحام ثكنة العسكرية بالجلاّل، مشيرا انّ قانون الارهاب باعتباره استثنائيا فهو يخوّل للمحكمة المختصة قانونا بالنظر في مثل هذه الاحداث. واوضح في السياق نفسه بانّه قاضي التحقيق المتعهد بالقطب القضائي لمكافحة الارهاب له سلطة القرار امّا التخلي لعدم الاختصاص اذا تراءى له ذلك ، او مواصلة النظر.
واعتبر انّه بإمكان النيابة العسكرية ان تاذن بفتح تحقيق، وفق ما يخوله لها القانون، في محاولة اقتحام الثكنة العسكرية المذكورة.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499