منبر: ليبيا.. سيادة منتقصة أم وصاية قادمة؟ مبررات ودوافع التدخل العسكري في ليبيا؟ (الجزء الأول)

د. محسن ونيس القذافي (مستشار ليبي)
لقد فاقم التدخل الإنساني في ليبيا الحالة السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وعمق الخلافات المجتمعية، والذي تسبب

في اطالة امد الصراع، ناهيك عن حجم خسائر الأرواح المهول والرهيب في ظل إستمرار النزاع العسكري المغذي من قبل الكثير ممن لديهم أطماع ومصالح دول وجماعات بالخارج والداخل. حيث تصبح التبريرات الديمقراطية والإنسانية والمكاسب أو الإخفاقات ضئيلة واقل ملاءمة للتفسير، رغم أننا لا نقلل من شأن طبيعة النظام الليبي الأوتوقراطي، ومع ذلك فإن ما قامت به الدعاية الأمريكية وحلفاؤها غربا وعرباً وغيرهم ضد نظام القذافي لم يكن سـوى حجة بالباطن لتبرير تدخل طامح للولايات المتحدة الأمريكية وشركائها في تحقيق مصالح إستراتيجية، بعيداً عن منظومة حقوق الإنسان والحماية الإنسانية الدولية، فلم يتدخل المجتمع الدولي – على سبيل المثال - في قضية روندا، وقضية بورما، وقضايا إنسانية كثيرة، كما كان لهم دور أسوأ في معالجة قضية كوسوفو.

التدخلات العسكرية الدولية للحماية
أن قضية التدخل العسكري لحماية حقوق الانسان تظل واحدة من القضايا الأكثر تعقيداً في العلاقات الدولية المعاصرة،
فلم تعد كما عرفها ريفيرو « الحريات العامة أو حقوق الإنسان هي مجموعة من الحقوق المعتبرة أساسـية للفـرد والتي تحتاج إلى حماية قانونية خاصة.» ولا يمكن لنا أن نغفل أن مما يمنح الفرصة الي التدخل أسباب عديدة، منها غياب الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، ومبادئ حقوق الإنسان، التي لم تمارس بشكلها الصحيح من خلال حكم النظام السابق، هذا، بالإضافة الى توجهات غير واضحة بكافة المسارات وأهمها المسار الاقتصادي، والتوجه السياسي للدولة الليبية حينها.

الحقيقة انـه وبغض النظر عن سبب التدخل الدولي، فـإن ليبيا اليوم ليست بأحسن حـالاً مما كانت عليه عشية التدخل الغربي ، غير أننا لا نلوم المواطن الليبي، في تفاعله، وموافقته، ودعمه، وفرحته، للتدخل الأجنبي يوم التاسع عشر من مارس عام 2011، وبالأخص تلك المدن الشرقية (بعاصمتها بنغازي) وأصوات المدافع، وارتال النظام السابق تدك المدنيين، وتنبئ بكارثة قادمة، حيث كانت ستقمع الحريات وتنصب المشانق، وتدك البيوت، وتنتهك الحرمات، وهكذا كان المشهد يومها، أو ما يعرف برتل بنغازي، وهو الخطأ الجاسم من ضمن الأخطاء الكبرى التي إرتكبها النظام وقتها، حيث تسبب بشكل مباشر، بتفعيل السياسات الأمريكية في التدخل لتحقيق مطامع بسط النفوذ وإستراتيجيات كثيرة بعيدة عن شأن المواطن الليبي وهمومه، وهو ما يذكرنا بدخول العراق الي الكويت عام 1991، ورغم ما قدمه العراق من مبررات وتقارير وضمانات وآخرها كان الانسحاب، إلا أن كل ذلك لم يشفع، بل منح الفرصة الناعمة لتدخل خشن تحت مسمي الحماية الدولية.

توجهات السياسات الخارجية الأمريكية ..امن الطاقة
بين نظرتي الواقعية والميكافيلية تبدو توجهات السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في ليبيا، وهو ما يفسر ديناميات وأهداف ومسارات تلك السياسة، فلم يكن الموقف الأمريكي في حالة ليبيا وغيرها، منطلقا من مبادئ القيم أو الحفاظ علي الحريات ودعمها، بل كان تعبيرا (لفرصة مواتية) تحقق سياساتها مصالح قومية منفردة، رغم دخولها في إئتلاف دولي. ويبقي دائما الأمن الإسرائيلي والأمن الطاقوي محدداً رئيسا لكافة التوجهات والسياسات الأمريكيةً (بدرجة أولي).

ان الاستراتيجية الأمريكية ترتبط كثيراً بأمن الطاقة لدرجة جعلت بعض المحللين يصفونها بــ «الإمبريالية النفطية الجديدة»، وبالرغم أن النفط والغاز الليبي لا يتصل بشكل مباشر بالمصلحة الأمريكية، فالولايات المتحدة توقفت عن استيراد النفط الليبي منذ عقود، وان كانت الشركات النفطية الأمريكية المؤثرة راغبة في تنافسها أمام الغير، غير أن الجانب المركزي للسياسة الأمريكية في المنطقة ويتصل بالحرص الأمريكي على تأمين مصادر الطاقة لحلفائها في اوروبا من ناحية (المملكة المتحدة-إيطاليا)، ومن ناحية أخرى، تماسك حلف شمال الأطلسي وتوسعاته لأدوار مستقبلية تحقيقا للشرق الأوسط الكبير، مع إعتبار التكلفة كمحور رئيسي لمستقبل الحلف ومستقبل الإستراتيجية.

قرارات أمريكية تجاه ليبيا
ورغم تردد التدخل الأمريكي (غير المتوافق مع ما ذكرنا من سياسات، ولكن التردد أتى ليرفع أي حرج عنها مستقبلاً كالحرج الذي وقع في التدخلات السابقة (أفغانستان والعراق)، وتعبيراً عما احتوته الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي الصادرة في 2010 التي انطلقت من امكانية واهمية العمل على تحقيق المصالح الأمريكية والتركيز على العمل مع المجتمع الدولي في خطوة لتجاوز السلبيات التي ترتبت على قيام الولايات المتحدة في السابق منفردة بأعمال خارجية واحتلال لدول اخرى. وهذا ما يوضح موقف الرئيس اوباما، لتجنب المخاطر، والظهور المتوافق مع المجتمع الدولي وفق أطر ومعايير دولية.

لقد قررت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل والقيادة من وراء الستار وفي دوائرها المغلقة، مع تحمل كل تكاليف القيادة وأعباء المواجهة، فلم يكن التدخل إطلاقاً للأغراض الإنسانية، بل أصبح الوسيلة الدولية المعاصرة لإنتهاك الحقوق بدلاً من جلبها، وأصبح يزيل ستر الأنظمة الموالية بالباطن، ويعمق الرؤية المستقبلية لإضمحلال سيادة الدول، كما يضع مفهوما آخر، بدلاًمن الحماية، وهو مبدأ تقرير المصير مخالفا بذلك ميثاق الأمم المتحدة بمادته الثانية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499