آخر تقلبات المشهد الإيطالي: «حكومة تغيير» بقيادة الشعبويين: جيوزيبي كونته من جديد على رأس الحكومة

في خطوة غير منتظرة بهذه السرعة، تمكن لويدجي دي مايو، زعيم حركة 5 نجوم الإيطالية، من إقناع ماتيو سالفيني، رئيس حزب الرابطة، بالتخلي

عن ترشيح باولو صافونا لمنصب وزارة الاقتصاد و تقديم تشكيلة حكومية يقبل بها الرئيس سرجيو ماتاريلا. و كانت تلك خطوة حاسمة مكنت الأغلبية الحزبية في البرلمان من تشكيل حكومة يرأسها جيوزيبي كونته الذي كان قد اعتذر منذ أيام بسبب الفيتو الذي رفعه رئيس الدولة في وجه صافونا.

و نجح هكذا لويدجي دي مايو في مشروعه الأول: تغيير خطاب حركة 5 نجوم لتتمكن من التحول من قوة رافضة و معارضة إلى حركة تشارك في الحكم بدلا عن الأحزاب التقليدية التي عجزت عن الحفاظ على و تمرير سياساتها. الجديد هنا هو أن إيطاليا تشهد منذ يوم الجمعة غرة جوان صعود اليمين المتطرف و الشعبويين إلى الحكومة رقم 65 منذ الحرب العالمية الثانية، لأول مرة منذ الحكم الفاشي في القرن الماضي. تغيير تاريخي خاصة أن التشكيلة الحكومية الجديدة المكونة من 18 وزيرا من بينهم خمس نساء أعلنت أنها سوف تكون «حكومة التغيير».

رئاسة ضعيفة رهينة الأحزاب
رئيس الحكومة ،أستاذ جامعي عديم الخبرة السياسية، يبدو رهينة لنائبين هما لويدجي دي مايو وزير التنمية الاقتصادية و العمل و الشؤون الاجتماعية و ماتيو سالفيني وزير الداخلية. وهما مركز السلطة الحقيقية. جيوزيبي كونته الذي أعلن عن نيته «تطبيق كل الإصلاحات في البرنامج الحكومي» سوف يجابه بذلك الزعماء الأوروبيين و المفوضية في بروكسل. وهو في ذلك يحتاج إلى سند الأحزاب الاثنين – وهو مستقل ليس له حزب يعتمد عليه في البرلمان. لذلك سوف يكون، بشكل من الأشكال، رهينة لدى مساعديه الأولين.

الإشكال هنا أنه في العلاقة مع أوروبا لا يتفق لويدجي دي مايو الذي أعلن عن مساندته للبقاء في الإتحاد، مع ماتيو سالفيني الذي يعتبر الاتحاد الأوروبي الشر الذي وجبت مقاومته. و ينتظر الملاحظون و الرأي العام الإيطالي، المنقسم هو الآخر بين مساند للمشروع الأوروبي و معارض له، الخطوات الأولى للحكومة لتقييم مدى قدرة الائتلاف الحكومي على الصمود و البقاء في السلطة. ولم يستثن بعض المراقبين أن يفشل الائتلاف خلال السنة الأولى في تحقيق أهدافه مما يدخل الشقاق في صفوفه و يفتح الباب إلى انتخابات سابقة لأوانها في الربيع القادم.

«شكشوكة» وزارية
كان من الواضح منذ البداية أن البرنامج الحكومي المتفق عليه بين التنظيمين السياسيين يفتقر إلى الحد الأدنى من العقلانية في تصور السياسات المبرمجة للتشكيلة الحكومية الجديدة. فشملت الحكومة 9 وزراء من حركة خمسة نجوم و 7 من حزب رابطة الشمال ومستقلين من الكفاءات المعروفة في البلاد. و لا تقتسم هذه الشخصيات أدنى اتفاق حول بنود برنامج الحكومة الذي بان و كأنه تعداد غامض الملامح لإجراءات متناقضة فيما بينها. وجوه تساند المشروع الأوروبي و أخرى تقاومه، وبعض منها تتمسك بالمشروع الوزاري لباولو جنتيلوني الوزير الأول اليساري المستقيل، وفي مقدمتهم ... الوزير الأول الجديد الذي شرع بعد في دراسته.

البرنامج الحكومي يهدف إلى الخروج من سياسة التقشف برفع الإستثمار و الدخول في سياسة تنمية الإقتصاد عبر مشاريع كبرى، وفي آن واحد، يقرر إرساء دخل قار بنسبة 780 يورو لكل الفقراء و العاطلين على العمل (بمجموع 20 مليار يورو سنويا) و خفض دخل الدولة عبر إرساء نظام أداءات جديد على الأفراد بنسبة 15 % و على الشركات بنسبة 20د%. وهو ما يهدد توازنات الميزانية الإيطالية و استقرار أوروبا. كما أن حزب رابطة الشمال أصر على تخصيص 4 مليار يورو من أجل ... ترحيل 500 ألف مهاجر مقيم في إيطاليا بصفة غير شرعية و تفكيك مراكز إيوائهم وغلق المواني الإيطالية أمام زوارق إغاثة المهاجرين.

هذه التصورات الأولية أعطت تشكيلة حكومية مخضرمة فيها وجوه لا تسير في نفس الطريق منها من هو متشبث بتواجد إيطاليا في الإتحاد الأوروبي و منهم من هو حليف «الإيطاليكسيت»، أي خروج البلاد من الإتحاد على غرار بريطانيا، ومنهم من يريد الخروج من عملة اليورو. وبعض الوزارات تم إسنادها لوزراء «تقنيين» التزموا بمواصلة مشوار الحكومة اليسارية المتخلية. «شكشوكة» سياسية لا يرى الملاحظون السياسيون في إيطايلا كيف يمكن لها أن تصمد أمام الواقع السياسي التي تتخبط فيه البلاد. و يتصور البعض أن أول فرصة «للهبوط على الأرض» هي اجتماع قمة السبعة المبرمجة الأسبوع القادم في كندا التي سوف يشارك فيها رئيس الحكومة الجديد جيزويبي كونته الذي لا يملك أي خبرة حزبية أو وزارية أو مؤسساتية غير خبرته كأستاذ جامعي في الحقوق.

مخاوف أوروبية
قوبل تشكيل الحكومة الإيطالية بشيء من التخوف من قبل الزعماء الأوروبيين. أول الطلقات النارية جاءت من رئيس المفوضية جون كلود يونكر. فقد أوردت صحيفة «لوغارديان» البريطانية أنه صرح في لقاء داخلي للمفوضية في بروكسل أنه «على الإيطاليين أن يعملوا أكثر و أن يكونوا أقل فسادا (...) سوف نساعدهم كما قمنا به دائما، لكن كفوا عن هذه الألاعيب التي تحمل المسؤولية للاتحاد الأوروبي». وقوبل هذا التصريح المنسوب لرئيس المفوضية بردود حارقة من ماتيو سلفيني الذي وعد بإجراءات حاسمة ضد المفوضية وقال إن باولو صافونا الذي عين وزيرا للعلاقات مع الإتحاد الأوروبي سوف يجد الطريق الأسلم لمقاومة قوانين بروكسل المتدخلة في الدول الأعضاء. وهو تهديد يبشر بعلاقات صدامية مع الإتحاد. لكن رئيس المفوضية أعلن في رسالة خطية للحكومة الجديدة «سوف تقف المفوضية على مواكبة إيطاليا في إصلاحاتها».

من ناحيته، كان دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي أكثر احتراما للتقاليد ورحب بالتعاون مع جيوزيبي كونته و دعاه لزيارة بروكسل للتشاور. لكن خبراء المفوضية لن يخفوا تخوفاتهم من سيناريو العدوى الذي يمكن أن «يمس دولا أعضاء أخرى» مما يهدد استقرار الإتحاد إذا ما أصرت روما على التحرر من السياسات الجماعية. أحد الخبراء الأوروبيين صرح للصحافة الإيطالية، رافضا الكشف عن هويته، أن «احترام القوانين العامة والتضامن المتبادل هما قوام الوحدة. لكن هذا الأخير قد ولى» بسبب التجاذب و الخلافات بين دول الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب الذين لهم مواقف سياسية و أخلاقية متناقضة. وهو عنصر انشقاق وجب على إيطاليا أن تتجنبه في نقاشاتها مع إيمانويل ماكرون و أنجيلا ميركل في خصوص إعادة صياغة المشروع الأوروبي المطروح عليهم بعد خروج بريطانيا من الإتحاد خاصة أن إسبانيا تشهد تغييرا على رأس حكومتها بتولي بيدرو سانشز رئيس الحزب الاشتراكي السلطة خلفا لماريانو راخوي الذي رمي المنديل بعد نجاح لائحة اللوم ضده في البرلمان بسبب فضيحة الفساد الذي تخبط فيها حزبه. فبدون تنسيق بناء حول صياغة مشروع أوروبي شمولي يأخذ بعين الاعتبار المطالب المختلفة و المتضاربة و يسوقها في إطار موحد يضمن تطلعات الجميع يبقى باب انحلال الإتحاد الأوروبي مفتوحة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499