الأزمة السورية في عامها الثامن ... أكثر من 500 ألف قتيل: المخاض الصعب والتسوية المؤجلة

تدخل الأزمة السورية اليوم عامها الثامن فيما تتواصل المعارك العنيفة بين النظام السوري وفصائل المعارضة بكل اشكالها

وكذا الجماعات الارهابية. في هذا التاريخ منذ سبع سنوات تحديدا خرجت الجموع السورية للمطالبة بإطلاق الحريات والديمقراطية ، لم يدرك السوريون حينها ان يوم 15 مارس 2011 كان تاريخا مفصليا وصعبا، لم يغير وجه سوريا فقط بل المنطقة ككل ووضعها في اتون بركان متفجر .
لقد أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان في آخر احصائية له إن نحو 511 ألف شخص قتلوا منذ اندلاع الاحداث في هذا البلد.. وفي معادلة المتصارعين على النفوذ في هذا البلد لا قيمة تذكر لأعداد الضحايا والمشردين ولا لمصير هذا الشعب الذي دمر وطنه ووجد نفسه امام مرحلة جديدة من تاريخه، تلخص كل بؤس اللحظة الحضارية التي يعيشها العالم العربي ، وهذا المخاض الصعب لواقع جديد لا احد يدرك كنهه.

اكثر من حرب تدور رحاها في الشوارع السورية ، فبات الشمال السوري ساحة تصفية المصالح بين تركيا الاردوغانية ووحدات حماية الشعب الكردية .. اذ تواصل القوات التركية حصار عفرين استعدادا لاقتحامها واسقاط آخر ملاذ يمكن ان يمهد لقيام دولة « كردية» تعتبرها انقرة بمثابة خطر يهدد امنها القومي . اما في مدن الوسط والشرق فيواصل الجيش السوري معاركه ضد المجموعات المسلحة المعارضة له سواء التابعة للجيش الحر او الجماعات الاسلامية المتطرفة مثل جبهة النصرة وداعش الارهابي وغيرها... ويبدو ان اللاعبين الاساسيين في الملف السوري -موسكو وواشنطن- لا رغبة لديهما في قرب تسوية الازمة وذلك في انتظار من سيربح المعركة على الأرض. ولم تحقق محادثات جنيف اية نتائج مرضية تفتح الامل بنهاية الحرب.

شرق اوسط جديد؟
يقول الباحث والكاتب الكردي السوري زيد سفوك في حديثه لـ«المغرب» :«مضت سبع سنوات على الأزمة السورية وستمضي مثلها سبع سنوات ولن يجد الشعب السوري أي امان ، مخطط تقسيم المنطقة لم يكن مخطط تقسيم ارض ، بل مخطط قتل الشعوب واستنزاف ثرواتهم واضعاف قدراتهم للتحكم بهم وجعلهم عبيدا كما كان في السابق حين اصبحت دول الشرق الاوسط مجرد ولايات خاضعة للقوى العظمى والغازية. ويضيف محدثنا :«الحقيقة التي يجب ان يدركها الجميع انه لا يوجد حتى الان ممثلون عن الشعب السوري للدفاع عنه والتضحية لأجله، فالمعارضة بجميع منصاتها مجرد موظفين تابعين لدول خارجية يقبضون الثمن فقط لاعتلاء منصات الاعلام والحديث بانهم يمثلون الشعب ويفاوضون النظام ، مع العلم ان غالبية هذه المعارضة ما زالت اعضاء في حزب البعث وهو نفس الحزب الذي يديره النظام ، ومن جهة اخرى النظام اداة بيد روسيا وايران وينفذ ما يتم الطلب منه ، وطالما لا يوجد حتى الان سوريون اوفياء في هيئات القيادة فلن يكون هناك حل للازمة وسيشهد الشعب المزيد من المأساة والدمار.فالواجهة الحالية للمعارضة وللنظام مجرد تجار حروب يبيعون الشعب على طاولة المفاوضات». ويرى سفوك ان ما يحدث هو حرب عالمية ثالثة، مضيفا بالقول :«ما يفعله الوكلاء على الارض من قتل وصراع مميت هو في الحقيقة قتال بين القوى العظمى، وبحسب الوقائع فان سوريا في المستقبل لن يكون لها وجود أبدا».

وبالنسبة للمعارك الساخنة حاليا في منطقة عفرين يقول محدثنا :«ان الامر لا يتعلق بالكرد بشكل مباشر ، صحيح ان تركيا تحارب المشروع الكردي في كافة اجزاء كردستان الا ان التوقيت الحالي لبدء معركتها في منطقة عفرين هو نتيجة تفاهم روسي ايراني تركي امام المشروع الامريكي في المنطقة». ويشير الى ان تركيا حشدت قوة هائلة من جيشها وعتادها العسكري يرافقها جميع الفصائل الاسلامية المتشددة من المعارضة السورية اصحاب الجنسيات الاجنبية كالشيشان والافغان وما يقارب عشرين الف مقاتل من التركستان القادمين من الصين ، واستخدموا في هذا العدوان منذ 50 يوما جميع الاسلحة المتطورة بما فيهم سلاح الطيران وما زالوا لا يستطيعون دخول مدينة عفرين ، ولن تتوقف هذه المعارك الا بتدخل امريكي غربي ضد النظام الذي سيأتي لصالح وحدات حماية الشعب بذات الوقت ليبدأ بالتقدم واعادة التوازن في المعركة» .
اما المعارك في باقي المناطق الاخرى في الغوطة وغيرها فهي تأتي لإنهاء اي تدخل خارجي خليجي في المفاوضات واضعاف موظفيهم من المعارضة في جنيف .

الصراع التركي -الكردي
وعما يحدث في الشمال السوري وحصار عفرين يؤكد الكاتب والباحث والصحفي السوري مصطفى عابدي لـ «المغرب» ان تركيا الان تحاصر مدينة عفرين بعد أن سيطرت على مساحة كبيرة من الريف خلال معارضة دفاع خاضتها وحدات حماية الشعب طيلة 54 يوما، استخدمت فيها تركيا سلاح الجو في قصف وتدمير البلدات والقرى الاهلة بالسكان والقصف المدفعي والدبابات، وهو ما ادى لارتفاع حصيلة الضحايا بين صفوف المدنيين لاكثر من 450 شهيدا واكثر من 700 جريح غالبهم اطفال ونساء منهم بحدود 100 في حالات حرجة و80 حالة بتر الاطراف. ويوضح محدثنا ان مدينة عفرين الان يعيش فيها قرابة 700 الف مدني في ظروف انسانية صعبة للغاية لا سيما بعد ان تم تدمير غالبية المراكز الخدمية من الافران ومحطات المياه والكهرباء، والمشافي . ويضيف :«ان الوضع ينذر بكارثة انسانية ان لم يتدخل المجتمع الدولي لوقف تركيا التي تواصل حملتها بكل عنجهية بهدف تدمير المدينة فوق رؤوس ساكنيها واحتلالها. فالمجازر التي ارتكبها الجيش التركي منذ 20 جانفي 2018 وحتى اليوم أوقعت 263 شهيداً، و698 جريحاً من المــدنيين، بينما ما يزال هناك

العشرات تحت الأنقاض». ما هي اطماع تركيا في سوريا الجديدة التي هي بطور التشكل يجيب محدثنا :
«يحاول النظام التركي بسياسته العنصرية الدكتاتورية وارتكاب المجازر وحملات الابادة ودعم التنظيمات الاسلامية السنية المتطرفة في سوريا اعادة امجاد اسلافه العثمانيين بكل ما مثلوه من سقوط وتخلف وعنصرية واجرام ولكنه ينسى ان هناك شعوباً تتحلى بإرادات لا تُقهر ستحيل احلامه هذه إلى كوابيس.
وانقرة في حرب عفرين تعترف صراحة انها استمرار لحرب 1920 ضد «الصليبيين» لضمها الى تركيا ولم تخف طموحها في ضم ادلب ايضا، كما احتلت وضمت سابقا لواء اسكندرون ومن يتابع الاخبار الواردة من مناطق دخلتها تركيا في جرابلس يصل لذات القناعة حيث تدار امور المدينة من محافظة عينتاب التركية وفرض التعليم في مدارسها باللغة التركية والاعلام التركية وصور وشعارات اردوغان، الى جانب اقامة مستوطنات للتركمان وتهجير العرب والاكراد من قراهم.

اية تسوية؟
الى اين يسير الوضع في هذا البلد والتسوية هل باتت صعبة المنال في ظل اختلاط التحالفات والمصالح؟ يجيب الكاتب والمحلل السوري بالقول :«قبل التدخل التركي كانت الامور تتجه للأفضل باتجاه التسوية، لكن يبدو ان تركيا كطرف مستفيد من الحرب الاهلية في سوريا لا ترغب في اي حل، فهي من ناحية تدعم ميليشيات اسلامية متطرفة وتتحالف مع القاعدة في ادلب كما تحالفت قبل ذلك مع داعش في الرقة وكوباني، وهي اكبر مستفيد اقتصادي من الحرب، وتستخدم ورقة اللاجئين لابتزاز الغرب في الحصول على مساعدات مالية والتهديد بإرسالهم الى اوروبا ان لم يحصل مقابل اغلاقه الحدود على منافع سياسية واقتصادية». ويرى عابدي ان الوضع الان اكثر تعقيدا فتركيا تحاول اعادة احياء داعش الارهابي من خلال دعم تشكيل ميليشيات متطرفة بأسماء اخرى غالبية مجنديها من مقاتلين سابقين لتنظيم داعش الفارين من الرقة ودير الزور والحسكة والموصل».
وفي الوقت الذي تتعزز فيه المخاوف من انبعاث تنظيم تكفيري جديد من رحم «داعش» الارهابي...يتواصل اختلاط الاوراق في الساحة السورية والخاسر الاكبر هو الشعب السوري بكل اطيافه وانتماءاته السياسية ، وهو الذي لا يزال يدفع حتى الآن ثمن سبع سنوات من حرب عبثية تخطت البعد الاقليمي وباتت الهاجس الاول لكبار الفاعلين الاقليميين والدوليين».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499