رئيس مرصد الخليج والعالم العربي وليد خليفة لـ «المغرب»: أمريكا تغير استراتيجياتها ويبدو أن نقل القواعد الأمريكية إلى منطقة أخرى ضرورة عاجلة لها

تحدث رئيس مرصد الخليج والعالم العربي وليد خليفة في هذا الحديث لـ « المغرب»

عن الحلف السعودي في المنطقة ومآل الازمة الخليجية .. معتبرا ان العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي شبه منهارة مؤكدا ان الحلف السعودي- الاماراتي- البحريني المتناغم في اللحظة الراهنة ليس برهانا على العافية في ظل الصعوبات التي تواجه شبه الجزيرة العربية بشكل خاص. وفي ما يتعلق بامكانية نقل امريكا قاعدتها العسكرية في قطر رأى محدثنا ان أمريكا تعيد صياغة نفسها باستمرار لذا بات لزاما أن تغير استراتيجياتها ويبدو ان نقل القواعد الأمريكية إلى منطقة أخرى ضرورة عاجلة لها .

• ماذا عن التقارير بشأن امكانية اغلاق واشنطن قاعدتها في قطر وهل يعني ذلك ان امريكا امام استراتيجية جديدة في الشرق الاوسط؟
تأتي التسريبات المتعلقة بإغلاق القواعد الأمريكية في قطر على رغبة أمريكية لفرض شروطها في الصراع على المنطقة أو الاستحواذ على سلة فرض الشروط دون الحاجة للمرور بشركاء محليين يملكون قوة بشرية على الأرض. أعتقد أن الإمبراطورية الأمريكية وصلت إلى مرحلة الاستفراد بالقرار ومن ضمن استراتيجياتها التحالف مع الشركاء الأضعف قوة والأخف وزنا في معايير الجيوبوليتيك في المنطقة، لأنها مضمونة الولاء. لذلك أرى أن الاكراد في إقليم كردستان هم الطرف الأكثر موثوقية لدى الأمريكان والأكثر تفضيلا ولكنها عاجزة عن تحمل تبعات هكذا خطوة في الوقت الحالي، لذلك يتم استبعاد أربيل في اللحظة الحالية. ويرجح أن تكون أبو ظبي مقرا للقاعدة العسكرية لفترة عشر سنوات، 2023 إلى 2033، فحكومة أبو ظبي التي تقود الامارات تبدو الأقل شعبيةً في المنطقة العربية والأكثر قبولا في المعايير الغربية فيما تأتي قطر بالتوازي معها ولكنها الأكثر قبولا في المنطقة العربية وتبتعد السعودية إلى الظل، حيث الحيرة تصيب الجميع في تحليل أداء الأمير الجديد وخطواته.

أمريكا خسرت الكثير في العراق حتى الآن خساراتها لا تقارن بمكاسبها. خسرت في لبنان أيضا، معرضة للخسارة في سوريا واليمن، مجرد وجود شركاء لها في الانتصار يعني أنها خاسرة ، هذا ما يقلق صناع السياسة في أمريكا. انتهت مرحلة انفرادها بالانتصار في مناطق كثيرة في العالم منذ مطلع القرن الجديد، أمريكا تسائل نفسها وتعيد صياغة نفسها باستمرار مثلها مثل أي شركة منتجة للسلع، لذا بات لزاما أن تغير استراتيجياتها ويبدو ان نقل القواعد الأمريكية إلى منطقة أخرى ضرورة عاجلة لها وربما تبدأ في ذلك قبل نهاية الاتفاق الأمريكي القطري الذي ينتهي في العام 2013 .

• الى اين تسير سياسات الرياض داخليا وخارجيا ؟
منذ صعوده إلى سدة الحكم في المملكة العربية السعودية لم يتوقف ولي عهد المملكة، الشاب محمد بن سلمان، عن إثارة الزوابع ، سواء تعلق الأمر بإعادة ترتيب البيت الملكي من الداخل أو ترتيب تموضع السعودية أو في إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي نحو آفاق لم تعهدها المملكة أو في بث الروح في السياسة الخارجية السعودية التي شهدت جمودا في السنوات الأخيرة من عمر « كيسنجر» السياسة السعودية زمن الراحل سعود الفيصل.

لا يستند ولي العهد في خطواته الطموحة إلى فراغ أو عبث وإنما يملك مشروعا متكاملا يدرك هو قبل الجميع أن فرص النجاح في مشاريعه الداخلية والخارجية هي وحدة متكاملة ولا يمكن الاكتفاء بإنجاز جانب منها دون انجاز الجوانب الأخرى، فمسألة نقل الملكية من الجيل الأول من أولاد مؤسس المملكة إلى الجيل الثاني ليست بالأمر الهين كما يتصور للكثيرين، وخاصة أن الأخطار المحدقة بالمنطقة هي أكبر من أن تحتمل إضافة جديدة لها على عاتق الدولة المحاطة بالنيران من كل صوب وبأخطار اندلاعها داخل المملكة، سواء في المنطقة الشرقية، حيث ملف الشيعة الساخن بعد إعدام أحد أهم رموزهم، الشيخ نمر النمر، أو في الجنوب أو في الحواضر الكبرى حيث ملفات حقوق الانسان والصراع مع رموز الصحوات الذين يجدون جذرهم الطبيعي في جماعات الإسلام السياسي الطاعنة في شرعية ولاية الأسرة المالكة على أهم المقدسات الإسلامية. أو في الشروط الغربية للحكم الرشيد وقدرته على تمرير هذه الشروط بما يتجاوز السقف الذي وصل إليه عمه الراحل الملك، عبد الله بن عبد العزيز .

• وما قراءاتكم لزيارات ولي العهد السعودي الخارجية ؟
الصراعات الحدودية وثقل المملكة في المنطقة إضافة للصراعات الداخلية والأزمة الاقتصادية المرتبطة بالصراعات والحروب والاستنزاف ، وهبوط أسعار النفط وعبء الديون الخارجية والدفع إلى خصخصة شركة أرامكو النفطية العملاقة والتي تعتبر رمزا وتلخيصا للدولة السعودية، كلها مسائل تؤرق الأمير الصاعد إلى الحكم بقوة، وهي الأساس في جولته التي مر في بدايتها على مصر لتأكيد وزن المملكة عبر قيادتها لتحالف عربي مهما بدا هشّا في ظاهره إلا إنه التحالف العربي الوحيد الحاضر حاليا في مواجهة تحالفين آخرين تقود الأول، تركيا وتموّله غريمة المملكة قطر والحشود العسكرية لهذا التحالف هي جماعات الإسلام السياسي السني التي تطعن في شرعية المملكة وتعتبر نفسها البديل المقبول شعبيا داخل بلدانها وغربيا عبر علاقات مع دوائر القرار منذ نشأتها وحتى الغد و تواصل قطر تغذيتها بأموال الغاز والبترول والسير بها للوصول إلى أهدافها. والثاني بقيادة الدولة الدينية الأخرى في المنطقة، جمهورية إيران الإسلامية، وممولة بالنفط العراقي والإيراني معاً، بعد اتحادهما في خزانة واحدة بعد سقوط بغداد ، وقواتها العسكرية حكومات وأشباهها تبدأ بعراق بول بريمر ، باختلاف أغلب عناوينها واتجاهاتها. ولا تنتهي في سوريا ولبنان وأفغانستان ووصولا إلى عمق السعودية نفسها واليمن حيث المشاريع السعودية تعيش أصعب أيامها وكأن الأمير يبحث عن مخرج لحرب لا يبدو أن ثمة بارقة أمل بانتصار فيها. فقد تحولت هذه الحرب إلى نافذة تهدد الرياض بمقتل ، ناهيك عن خسائر السعودية التي لا يمكن أن تعوض في العراق ولبنان وسوريا، ولعل الانتصار الوحيد الذي يسجل حتى الآن للمملكة هو في البحرين ومصر، حيث ما زالت أوراق المملكة تعيش ربيعا لم يطمئن بعد بالاستقرار.

يدرك الأمير أن ذهابه إلى لندن، القوة الأكثر تأثيرا على منطقة الخليج، عبر التاريخ وحتى يومنا هذا ـ على الأغلب أن الخليج حصة أبدية للأنكليز وأحفادهم الأمريكان ـ ذهاب المضطر لمراجعة صاحب الشركة التي سيديرها ليثبت جدارته بإدارتها، يتشبه بجده الملك المؤسس وتكتب القصائد به وتمجده الأغاني «معرّب الجدين» يريد أن يستعيد خطواته في التأسيس،فيتخلص من الأخوان كما فعل جده بقيادات الاخوان ، بن سلطان الدويش و بن بجاد وبن حثلين . ولكن الزمان ليس نفسه وبريطانيا العظمى ليست وحدها من تحدد الآن مصائر ممالك الخليج العربي، والاخوان ليست لهم قيادات واحدة فهناك ألوان وأشكال ودول، فهل سينجح في مسعاه لتأكيد جدارته في إدارة الملفات الأعقد في الشرق الأوسط والأعقد في العالم،أم إنه مجرد شاب حالم ومشروعه «نيوم» ليس إلا تلخيصا لهذا الحلم المستحيل، أمير يريد نقل المملكة من السعودية إلى السليمانية، من الدولة الدينية إلى الليبرالية ، تأسيس جديد لدولة ملأت الدنيا وشغلت العالم على مدار نصف قرن تماما، مشروع الانتقال من المملكة العربية السعودية إلى المملكة السلمانية أمام الامتحان الأصعب في تاريخه ، امتحان الولادة الشرعية. تلك هي الزيارة.

• هل هناك خارطة تحالفات سعودية جديدة في المنطقة؟
تحالفات السعودية في المنطقة ليست كما يتمنى حلفاؤها التقليديون ، ففي لبنان أصيبت العلاقة بصدع شديد نتيجة خلط الأوراق الداخلية في المملكة مع أوراق الحليف الآخر ، وكلنا شاهدنا أزمة الرئيس سعد الحريري في الرياض منذ أشهر والتي ترافقت مع فشل الرياض في محاولتها تعويم عبد الله آل ثاني والنهاية الدرامية لهذه المحاولة وحملة الاعتقالات المفاجئة لأول حملة اعتقالات واسعة لأمراء ورجال أعمال وشخصيات عامة في تاريخ المملكة وهشاشة الرواية الرسمية لهذه الحملة.
أما في سوريا فالمشهد أكثر مأساوية ويبدو أن المملكة تعيش حالة فقدان أمل بأي دور لها في الأزمة السورية بعد أن فقدت أهم حلفائها وتحول أغلبهم مضطرين إلى الحلف التركي القطري هناك ولم تكن ردة الفعل السعودية إلا بالمزيد من الهروب أو التهرب من واجباتها والسعي لبناء تحالفات بديلة ، ظهرت وكأن أمر سوريا لا يعنيها. همشت الملف أو وضعته على الرّف أو سلمته لوزير من الدرجة الثانية. حتى حين حاولت العودة بوفد الرياض لم تستطع أن تقدم رؤيتها من خلاله، لم تحاول بناء أية جسور لها في العمق الاستراتيجي لها طوال التاريخ وحاليا وفي المستقبل رغم توفر ذلك البعد في الواقع السوري وخاصة أبناء القبائل العربية الكبيرة في المناطق المنكوبة شرق الفرات وغربه.

وماذا عن ازمة دول مجلس التعاون الخليجي ؟
• العلاقات على صعيد مجلس التعاون الخليجي أيضا شبه منهارة فالحلف السعودي الاماراتي البحريني المتناغم في اللحظة الراهنة، ليس برهانا على عافية تحتاجها المنطقة عموما وشبه الجزيرة العربية بشكل خاص، رياح السموم في أوجها، قطر خارجة عن السرب ومعاقبة من طرف الأخوة الكبار. الكويت ذاكرتها مع صراع الأخوة والجيران تفقدها أية رغبة في لعبة الصراعات والنفوذ، تحولت إلى ساعي بريد بكل براءة، لكن المشهد مثير للغرابة في شبه الجزيرة، تبدو دولتا الامارات وقطر وكأنهما قادة أوركسترا للمنطقة. تضاءلت المملكة الأم لشبه الجزيرة منذ أن وصل أمير الخارجية السعودية الراحل سعود الفيصل مرحلة الشيخوخة. الأزمة المستفحلة بين الامير السعودي الشاب وبين قطر لا يظهر لها حل في الأفق، لا رابح فيها في كل الأحوال، وصلت إلى أزمة وجود، شروطه على قطر مستحيلة التحقق إلا إذا قبلت إمارة قطر بالفناء. كذلك الامارات العربية المتحدة، والحقيقة ان الصراع هو بين الامارات وقطر على زعامة المنطقة والحلم بزعامة العالم، هكذا يظهر من تسريباتهم بحق بعضهم في وسائل الإعلام، أن تصل دولة خليجية فتية وصغيرة إلى مستوى القدرة على التدخل في القرار الأمريكي والانتخابات الامريكية وشراء السياسيين والنفوذ والشركات عبر العالم ، إنه مؤشر على القوة، فيما السعودية تكتفي بالتعريف المختصر لها على كونها الممول الذي لا يستفيد من أمواله، الشريك في الصراع بصفة ممول وفقط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499