في منتدى دافوس ، ميركل و ماكرون ضد ترامب

انتهى المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس (سويسرا) عدد 48 يوم الجمعة بقدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان بدون منازع نجم الدورة

حيث أن جل المدن السويسرية شهدت مظاهرات ضد قدومه منددة بسياساته الانعزالية و تصريحاته العنصرية و بتخليه عن الاتفاق الدولي حول المناخ و بتراجعه عن معاهدات التبادل المشترك التي وقعها سابقوه في البيت الأبيض ضاربا عرض الحائط بالتزامات الولايات المتحدة الأمريكية وبالمعاهدات الدولية. لكن الحدث الجديد في المنتدى تمثل في تصريحات المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللذين هاجما الإستراتيجية الأمريكية دون ذكر صانعها وأكدا على ضرورة تركيز نظام عالمي متعدد الأقطاب.

نظرتان للعلاقات الدولية تمحورتا حول الموقف الأمريكي من جهة و المواقف المعلنة للقادة الأوروبيين وللصين الشعبية من جهة أخرى. كل هذه المواقف وجهت لقادة كبرى الشركات العالمية وزعماء الدول والحكومات ومديري المنظمات الأهلية وكبار الشخصيات الدولية التي قدمت إلى دافوس بعد أن دفعت 50000 دولار مقابل حضورها للاستماع للتصريحات الرسمية والمشاركة في الندوات الجانبية و في النقاشات حول الاستثمارات الممكنة في شتى المجالات مع كبار المستثمرين.

ميركل في المضمار
مشاركة المستشارة أنجيلا ميركل في المنتدى شكل رجوعها إلى الساحة الدولية بعد أشهر من المشاكل المتعلقة بتشكيل الحكومة الألمانية الجديدة و التي خلصت إلى التوصل إلى اتفاق مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي. الموقف الألماني المعادي للإستراتيجية الانعزالية الأمريكية فهم كردة فعل على عدم مصافحة ترامب لميركل عند زيارتها واشنطن بعد انتخاب الرئيس الأمريكي. خطاب ميركل، كالحركة الرئاسية الأمريكية، كان بمثابة الصفعة السياسية لدونالد ترامب حيث أكدت ميركل يوم الأربعاء 24 جانفي أن «الانعزالية ليست الحل الأفضل» لمشاكل العالم. و أضافت: «نحن نعتقد أنه من الضروري أن نتعاون» و أنه «اليوم بعد 100 سنة من كارثة الحرب العالمية الأولى، لا بد لنا أن نتعظ بدرس التاريخ. و أعتقد أننا لم نفعل ذلك. الجواب الوحيد بالنسبة لي هو التعاون في نظام دولي متعدد الأقطاب».

و أطلقت المستشارة ميركل شعار الدورة 48 للمنتدى الذي لخصته في «بعث مستقبل مشترك في عالم مجزأ». وهو الشعار الذي تناقلته جل وسائل الإعلام في العالم بعد الشعارات السابقة التي تطلقها كل دورة مثل «التنمية المستدامة» (عام 1990) و«الحوكمة الشاملة» و «النمو الشامل»، كلها عبارات تهدف إلى توجيه الرأي العام في إطار النظام الرأس مالي الليبرالي المعولم. لكنها أنهت كلمتها بالدعوة إلى توحيد أوروبا «من أجل أن تصبح قوة حقيقية أمام الصين و الولايات المتحدة و أن تكون قادرة على التحرك من أجل مساعدة إفريقيا».

عقد دولي جديد
في نفس يوم الأربعاء كان لقاء المشاركين مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن تحت تصفيق الحضور أن «فرنسا تعود» إلى الساحة الدولية بعد انسحابها منها معلنا نيته تزعم حركة إصلاح الإتحاد الأوروبي بمعية المستشارة الألمانية. و كان الرئيس الفرنسي قد اجتمع يوم الاثنين في قصر فرساي بأكثر من 150 رجل أعمال ومسؤول على كبرى الشركات الدولية لحثهم على الاستثمار في فرنسا. و لعب الرئيس الفرنسي دورين الأول تجاه المستثمرين المتواجدين في القاعة معددا الإصلاحات التي قام بها عل المستوى القانوني و المالي والإداري لتحسين مناخ الاستثمار وتطوير القدرات التقنية و الاقتصاد للبلاد.

من ناحية أخرى طرح ماكرون فكرة إرساء «عقد دولي جديد» يوحد الأقطاب الفاعلة على الساحة الدولية و لا تقتصر على الدول و الحكومات بل تتفتح تجاه كبرى المنظمات الدولية و تلك التي تتبع المجتمع المدني من أجل تطوير مجموعة العشرين وتفعيل التعاون و التشاور على أساس نظم و تقاليد و قيم مشتركة. وهذا التصور موجه بالأساس ضد الإستراتيجية الأمريكية الإنعزالية. و لم يستثن الرئيس الفرنسي انتقاد النظام العالمي الحالي معتبرا أن «فكرة التركيز على النمو لحل كل المشاكل ليست صحيحة». بل ذهب ابعد من ذلك داعيا الصين و الولايات المتحدة إلى التخلي عن النظام الرأس مالي الذي يركز فقط على تنمية الموارد المالية و التكنولوجية» و أكد على ضرورة «تعديل النظام العالمي في المسائل المشتركة المتعلقة بحماية المحيط والصحة والتربية والتكوين. بدون ذلك، بعد خمس أو عشر سنوات، سوف تفوز القوميات في كل مكان».

الصحافة العالمية سجلت دخول ماكرون الحلبة في موقع قيادي معتبرة أن الصورة التي قدمها تخدم زعامته على الساحة الأوروبية و العالمية خاصة أن الوزيرة الأولى البريطانية أصبحت تشكو من أزمات البريكسيت المتكررة وهي تتخبط في مشاكل داخلية لم تعد تمنحها مرتبة الوسيط بين أوروبا و أمريكا. لكن العلاقات المتميزة التي نسجها الرئيس الفرنسي مع دونالد ترامب، رغم اختلافه معه في التوجهات، سوف تخدمه للعب دور الوسيط مع الولايات المتحدة. وهو دور جديد للدبلوماسية الفرنسية فقدته في السنوات الأخيرة.

ترامب و المصالح الأمريكية
جاء الرئيس ترامب إلى دافوس ليلقي خطابا مكتوبا «توافقيا» حاول فيه أن يقنع بفكرة أن سياسة «أمريكا أولا لا تعني أمريكا فقط». بل أنه لا يبحث على «زعامة» بل على «مشاركة». لكن فكرته هذه لم تصمد أمام قوله :»أنا هنا أمثل مصالح الأمريكيين». و واصل في دعايته تجاه المستثمرين معددا الإجراءات الحاسمة لفائدتهم المتمثلة في تخفيض الضرائب و حماية الاستثمارات داعيا إياهم دخول السوق الأمريكية. و أعطى الرئيس الأمريكي صورة رجل الأعمال بائع حلم الثراء السهل خلافا للرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية اللذين قدما تصورا سياسيا، كقياديين على المستوى الدولي، بعيدا عن الليبرالية المتوحشة و الانعزال بل يجمع، على طريقة طوني بلار، بين التمسك بالليبرالية و البعد الاجتماعي للإقتصاد. وهو ما جعل صحيفة «لوطون» السويسرية تعلق بقولها «الفرنسي يعتنق الفكر المركب أما الأمريكي فكان خاليا من ذلك. إنهما لا يلاكمان في نفس الصنف».

خلال ندوته الصحفية رجع الرئيس ترامب إلى عادته العدائية معبرا عن معاداته للصحافة و لموزعي «الأخبار الزائفة» مشيرا بإصبعه الى الكاميرات التي تصور الحدث. مما أدى بعضهم إلى الاحتجاج و التصفير تجاه دونالد ترامب. هذا الموقف المعتاد للرئيس الأمريكي هو السائد في فريقه المصاحب له الذي اعتبر أن «الحرب الاقتصادية معتادة» مكرسا فكرة أن الأشهر والسنوات القادمة سوف تشهد حربا اقتصادية ضروسا بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والصين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499