في الشرق الأوسط: حلف استراتيجي روسي - إيراني في وجه النفوذ الأمريكي

مع تأزم العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ورفع مستوى العقوبات ضد نظام فلاديمير بوتين، أقدم هذا الأخير على طي صفحة الخلافات مع إيران وإرساء حلف استراتيجي مع طهران في وجه النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. ذلك كان محتوى الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي إلى العاصمة الإيرانية يوم غرة نوفمبر والتي التقى فيها بالرئيس حسن

روحاني وبالمرشد العام علي خاميني، بعد تلك التي قام بها عام 2015 وأسّس لتوخي موقف استراتيجي يحمي المصالح الإقليمية للبلدين. وكانت واشنطن قد رفعت، هذا الأسبوع ، في العقوبات ضد البلدين باعتبار أنهما «خصمان لأمريكا». في المقابل أكد الرئيس حسن روحاني أنّ «روسيا بلد صديق» مضيفا أنه «شريك استراتيجي لإيران».
تمحورت المشاورات بين الجانبين حول ثلاثة ملفات تتعلق بالمسألة السورية وبالاتفاق حول المشروع النووي الإيراني وبالعلاقات الاقتصادية بين البلدين. في كل جانب من هذه المحادثات أكد الطرفان على البعد الإستراتيجي الذي تريد إرساءه موسكو وطهران للتصدي للأجندة الأمريكية في المنطقة مع تمسك دونالد ترامب بمواقفه العدائية ضد إيران وروسيا وعزمه التراجع على الاتفاق الدولي في شأن الملف النووي. و عزز هذا الحلف البعد الإقليمي بحضور بوتين القمة الثلاثية بين إيران وروسيا وأذربيجان الممثل برئيسه إلهام ألياف التي أكدت على حماية المصالح الإقليمية على كل الأصعدة.

محور روسي – إيراني في سوريا
أهم الملفات الإستراتيجية تتعلق بالتعاون بين روسيا و إيران في خصوص المسألة السورية بعد أن ركزت واشنطن في معركة الرقة وحدات قتالية تحت راية أمريكية تساند و تؤطر القوات الكردية والمرتزقة المشاركين تحت غطاء «القوى الديمقراطية السورية». وتسعى روسيا بالاتفاق مع إيران إلى إفشال المخطط الأمريكي الرامي إلى تقسيم سوريا إلى أقاليم تخضع لقوى مختلفة يتم استعمالها للضغط على المفاوضات النهائية. و قال الرئيس حسن روحاني «إن بلدينا تلعبان دورا مهما في ضمان السلم و الاستقرار في المنطقة» مؤكدا بذلك على تواصل التدخل الروسي و الإيراني في الساحة السورية.
تبقى طهران و موسكو أهم العواصم المساندة لنظام بشار الأسد وهي تسعى من خلال مفاوضات أستانا إلى فرض وضع انتقالي يخدم مصالح الروس و الإيرانيين في المنطقة و يخفف من التواجد الأمريكي في إطار الصراع القائم على الأرض الذي تساهم فيه واشنطن بقسط كبير في تدعيم الجماعات المقاتلة عسكريا و ماليا و لوجستيا. و بعد أن نجحت طهران في ربط علاقات متميزة مع أنقرا في المسألة الكردية، تريد تحييد الدور الأمريكي بفتح المجال أمام فلاديمير بوتين لتعزيز وضعها الإقليمي بعد أن شاركت منذ 2015 في مجموعة الاتصال الرباعي التي تعنى بجمع و توزيع المعلومات الإستخباراتية بين روسيا و إيران و سوريا و العراق.

دعم الموقف الإيراني
في المقابل حرص فلاديمير بوتين على تأكيد مساندته لإيران في وجه التهديدات الأمريكية و على رفضه للتراجع عن الاتفاق النووي الحاصل عام 2015. و يوافق هذا الموقف ما عبر عنه باقي رؤساء الدول والحكومات للبلدان الموقعة على الاتفاق وهي فرنسا و بريطانيا والصين و ألمانيا التي لا ترى أي موجب لإعادة فتح التفاوض في شأنه. و يعزز هذا الموقف التمشي الروسي الإيراني بالرغم من تمسك البلدان الأوروبية بفرض عقوبات على موسكو.
لكن الملف الإيراني يشتمل على بعد اقتصادي يخدم مصالح روسيا كما المصالح الأوروبية في المسائل المتعلقة بالملف النووي السلمي و بإعادة إعمار إيران. روسيا التي خلفت ألمانيا في تسعينيات القرن الماضي في الملف النووي قد ساهمت في تركيز مفاعل بوشهر جنوب إيران الذي دخل حيز النشاط عام 2011. وتم يوم الثلاثاء 31 أكتوبر 2017 تدشين الخطوات الأولى من قبل شركة «روزاتوم» الروسية لتكبير المركز و زرع مفاعلين جديدين.

تعويض على الخسائر الاقتصادية
الموقف الروسي تجاه إيران يندرج في مساعدة طهران على تخفيف حدة الحصار الأمريكي المفروض عليها و ترسيخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين لنفس الغرض. و صرح حسن روحاني للصحافة أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية عازمة على توسيع التعاون في كل المجالات مع روسيا. تم توقيع اتفاقات هامة بين إيرانيين و روس في ميادين الطاقة و تكنولوجيا النووي السلمي والنقل والعبور» مرحبا بمشاركة رؤوس الأموال الروسية الخاصة في مشاريع البنية التحتية والصناعات في إيران.
وكانت شركة «روزنفط» الروسية قد أعلنت، على هامش القمة، توقيع «خارطة طريق» مع الشركة البترولية الإيرانية «نيوك» من أجل العمل المشترك على إنتاج النفط و الغاز في إيران. و ذكرت وكالة الأنباء «إنترفاكس» أن مدير عام الشركة الروسية إيغور ساتشين قد أعلن أن الإتفاق يشمل «مجموعة من الآبار التي سوف يتم استخدامها مع شركاء إيرانيين باستثمار جملي يصل إلى 30 مليار دولار».

كل هذه الخطوات تضاف إلى الاتفاقات الحاصلة بين روسيا و تركيا في شأن توصيل أنابيب النفط من روسيا إلى البحر المتوسط و الرامية إلى تسهيل تزويد أوروبا بالمحروقات في خطوة جريئة لكسر المجهود الأمريكي الرامي إلى منع الإتحاد الأوروبي من تطوير علاقاته مع روسيا بالرغم من إرادة حكومة برلين وحكومة روما. وهو ما يخفي صراعا استراتيجيا آخر بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي. وكانت روما قد أعلنت، في خطوة مفاجئة هذا الأسبوع، عزمها على مراجعة الموقف من العقوبات ضد روسيا في محاولة للتصدي للتعنت الأمريكي الذي أصبح يخدم مصالح واشنطن ولا يساعد مواصلة تنمية الإقتصادات الأوروبية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499