المسألة الليبية وأطروحات مراكز الفكر الغربية لمستقبل الشرق الأوسط

فى حين ظلت الأراضي الليبية لعقود طويلة غنية بمواردها الاقتصادية، فإنها باتت في السنوات القليلة الماضية مسرحاً مهيئاً لحالة من التنافس العلني والمُستتر بين الفاعلين الدوليين ، وانعكس ذلك التنافس على الساحة الدولية مؤخراً في طرح مبادرات أو استقبال شخصيات سياسية وحكومية وربما إظهار الدعم لشخصيات لا تتمتع بثقل سياسي أو تأييد شعبي وإنما يتم

استخدامها فقط كأوراق ضغط على الأطراف المنخرطة فيما يُسمى ترتيبات العملية السياسية في ليبيا وتعديلاتها المطروحة.

وهنا نجد على سبيل المثال وليس الحصر، أنه كلما أقدم طرف ما على خطوة – حصرية- قد تسهم في كسب أرضية له، في ساحة التكالب المستمر، على صدارة أو توجيه المشهد السياسي والميداني في ليبيا، يتفاعل معها طرف أخر مناوىء في مناخ تنافسي لا يغني ولا يسمن من تعطش المواطن الليبي لاستعادة الإستقرار إلى بلاده وحل فوري لمشكلات انقطاع التيار الكهربائي وانعدام الرعاية الصحية . وربما تمثل حالة التنافس بين فرنسا وإيطاليا خير دليل على تلك الفرضية في ضوء أن المبادرة الفرنسية التي جمعت بين السراج وحفتر، قد أثارت حفيظة ايطاليا التى مازالت ترى في نفسها أنها الدولة الأقدر على تحمل المسؤولية السياسية والأمنية في الملف الليبي. ومن ذلك المنطلق سعت إلى استخدام ورقة الهجرة غير الشرعية للتحرك في المياه الإقليمية الليبية من جهة الغرب، لترسيخ صورة ذهنية في الداخل الليبي والايطالي والدائرة الاوروبية أن الدور التاريخي لروما في ليبيا لا يمكن إغفاله أو المزايدة عليه.

وفى الوقت الذى ينشغل عدد من المهتمين بمستجدات الملف الليبي، بمتابعة التنافس الأمريكي – الروسي وموعد إفصاح الإدارة الأمريكية – مازالت تحتفظ أوراق جديدة على الرغم من مرور 9 أشهر – عن الانتهاء من عملية المراجعة الاستراتيجية للملف الليبي، تطرح مراكز البحث ومنتديات الفكر الغربية مشروعات ومخططات بديلة لمنطقة الشرق الأوسط في أعقاب تعثر مخطط الشرق الأوسط الجديد أو الكبير ( استناداً الى تبعات الحراك السياسي في مصر 2013)، أخذا في الاعتبار أنه لا يصح إغفال توجهات تفتيت الدول العربية إلى كيانات – على اساس مذهبى وعرقي - أو دويلات .

وإذا ما تطرقنا إلى بحث العلاقة بين تلك الأطروحات واستمرار الانقسام في أرجاء الدولة الليبية، فإننا نشير بداية إلى وضع منطقة الشرق الأوسط المتأرجح بين ، ما يمثله بقاء اسرائيل آمنة من مصلحة غربية مستديمة، وبين مشروعات طُرِحت في المنطقة العربية كبديل لمخططات التفتييت ( سواء ما يتعلق بإحياء المشروع القومي العربي الذى لم يدفع الدول العربية إلى الأمام، أو مشروع الإسلام السياسي الذي دفع المنطقة دفعاً إلى الخلف) ، ويقف بينهما دور القوى الإقليمية غير العربية ( تركيا، وإيران) وطموحات كل منها لتعظيم نفوذها في محيطها الجغرافي ونقاط تماسه، وذلك في ظل تقلص دور جامعة الدول العربية وشبه انهيار لمنظومة مجلس التعاون الخليجي.

في ظل تلك المعطيات بمنطقة الشرق الأوسط ، تشهد الدولة الليبية بمساحتها الواسعة ومصادرها النفطية استمرار السيولة السياسية والأمنية وصراع داخلي على السلطة والنفوذ والمال وصراع بين القوى الدولية لا يراعى المصالح الليبية وخطر استمرار حالة السيولة على تماسك الدولة الليبية.

ومن ثم فإن مواقف المجتمع الدولى ومبادراته – على اختلاف مسمياتها- لم تضع حلاً فورياً وحاسماً للمسألة الليبية والانخراط الشكلي للفاعلين الدوليين لا يراعي مصالح الدولة والشعب الليبي أو المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة ،من أهمية الحفاظ على ليبيا كدولة واحدة لديها حكومة مركزية واحدة ومؤسسات وطنية فاعلة. لذا فإنه من الضروري أن تأخذ مراكز الفكر العربية زمام المبادرة وتطرح نقاشاَ سياسياً وإعلامياً جدياً، حول ما إذا كان هناك مخطط غربي حقيقي يستهدف فصل المغرب العربي عن المشرق العربي عبر جعل الاراضي الليبية بمثابة منطقة عازلة تحول دون تحديث فرص التكامل داخل الفضاء العربي الواحد، أخذاً في الاعتبار أن الأمن القومى العربي متصل بين غرب أسيا وشمال أفريقيا ويمر بمصالح استراتيجية سواء في أطر جماعية أو أطر أخرى ( ثنائية وثلاثية).

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499