استقالة وزيرين في الحكومة الفرنسية: وزير الاقتصاد إمانويل ماكرون في طريقه إلى الرئاسية

قدم وزير الاقتصاد الفرنسي إيمانويل ماكرون ، استقالته للرئيس فرانسوا هولاند، حسب ما أعلن الإليزيه، الذي كشف عن تعيين ميشال سابان محله. وتعزز هذه الاستقالة التكهنات حيال ترشح ماكرون للانتخابات الرئاسية في افريل 2017.

استقال يوم الثلاثاء 30 سبتمبر وزير الإقتصاد الفرنسي من حكومة مانويل فالس ليتمكن، حسب ما صرح به، «للإعتناء بتنظيمه السياسي» الذي أسسه منذ بضعة أسابيع. وكان قد أخذ مكان أرنو مونتبورغ يوم 26 أوت 2014. وفي نفس اليوم أعلنت جورج بولونجوفان ، وزيرة أراضي ما وراء البحار، استقالتها من نفس الحكومة «لأسباب شخصية». وقرر رئيس الدولة تكليف وزير المالية ميشال سابان بمهام الإقتصاد والمالية وتعويض الثانية بإنريكا باراي.

استقالتان كانتا بمثابة المفاجأة، خاصة بالنسبة لوزيرة أراضي ما وراء البحار، بالرغم من أن إمانويل ماكرون سبق وأن لوح بإمكانية ترشحه لسباق الرئاسة بعد أن أسس تنظيم «لنمشي». وبالرغم من التصريحات المقتضبة لقصر الإيليزي فإن استقالة ماكرون تعتبر هزة جدية في الهيكل الحكومي و في إستراتيجية فرنسوا هولاند الذي استند أساسا على أفكار وزيرة للإقتصاد ليوجه مسار سياسته الاقتصادية والاجتماعية نحو التفتح على الليبرالية.

ولم تكن مهام إمانويل ماكرون سهلة في الحكومة. بل بالرغم من المساندة الرئاسية فإنه لاقى اجماعا ضده من قبل أحزاب اليسار والمنظمات النقابية وجزء هام من الحزب الإشتراكي الحاكم الذي اعتبر تعين ماكرون على رأس الاقتصاد الفرنسي «خيانة» للأمانة وتحريفا لنص وروح الالتزام مع الناخبين في رئاسية 2012. وهددت سياسات ماكرون في المقام الأول وحدة الحزب الحاكم الذي انقسم إلى دويلات داخله أصبحت تهدده، حسب مختلف عمليات سبر الآراء، بالانقراض من الخارطة الانتخابية.

تحرير السياسات الإشتراكية
منذ توليه مهام الاقتصاد في حكومة مانويل فالس كان إمانويل ماكرون رمز التحرر الذي أراده فرنسوا هولاند لتغيير سياسات حزبه والتخلي عن القوالب الاقتصادية الموروثة لليسار . وقام إمانويل ماكرون اثر توليه حقيبة الإقتصاد بتقديم «قانون ماكرون» لعام 2014 الذي أسس لتحرير بعض القطاعات الاقتصادية، بالأسلوب الأنغلوسكسوني، مثل نقل الركاب بالحافلات بين المدن والعمل أيام الأحد و بعث مناطق سياحية «دولية» يمكن فيها العمل كامل أيام الأسبوع وحتى الساعة منتصف الليل وتحرير القانون الأساسي للمهن المقننة ومحكمة الشغل.

وكان الرئيس فرنسوا هولاند يأمل بانتهاج مسلك اقتصادي جديد عبر «عقد المسؤولية» الذي أبرمه مع منظمة الأعراف والذي بمقتضاه تتمتع المؤسسات الاقتصادية بتخفيضات في الضرائب مقابل فتح الباب أمام التشغيل، إعادة اإنتعاشة للإقتصاد والحد من تفاقم البطالة. وجاء تعيين ماكرون في هذا الإطار. لكن منذ توليه مهامه لم يشهد الاقتصاد الفرنسي التحسن المرجو إذ لم تفت نسبة النمو 8،0 % في حين ارتفع عدد العاطلين العمل منذ 2014.
عملية فرض نظام الديمقراطية الإجتماعية عن طريق تعيين شخصية شابة نابعة من عالم الأعمال الليبرالي ولا تنتمي للحزب الإشتراكي أدخلت هذا الأخير في منطق «حماية المكتسبات» و»الحفاظ على النموذج الفرنسي» بعدم القبول بأي تغيير. لذلك تكونت مجموعات رفض و تمرد داخل الحزب بقيادة زعماء في الحكومة مثل أرنو مونتبورغ وبونوا هامون التحقت بهما مجموعات أخرى من النواب و المستشارين في الحزب.وأثر ذلك سلبا على تطبيق السياسات الليبرالية المعتزمة و أربك وحدة الحزب. مما أدى ببعضهم للترشح للسباق على الرئاسية ضد الرئيس هولاند.

التحضير للإنتخابات الرئاسية
حسب كل المعطيات المتوفرة، يمكن القول أن خروج ماكرون من الحكومة هو الخطوة الأولى نحو ترشحه لسباق الرئاسة. وقد سبق و أعلن جيرار كولومب، أحد قادة الحزب الاشتراكي، عمدة مدينة ليون و أحد مناصري ماكرون، أنه في صورة لم يحسن الرئيس هولاند من

شعبيته فإن ترشيح إمانويل ماكرون للرئاسة يصبح “طبيعيا”. وهو في تقاليد الحزب الاشتراكي عبارة عن تزكية من أحد رموزه يفتح الباب أمام سباق تتعدد فيه الشخصيات.

لكن إمانويل ماكرون اعتبر أنه لا ينتمي «إلى اليمين ولا إلى اليسار». وصرح للصحافة في شهر جويلية الماضي أنه «ليس اشتراكيا»،مما يجعله في حل من تصفيات الحزب الاشتراكي. في 12 جويلية خلال أول اجتماع شعبي لحركته السياسية قال «لا أحد يمكنه أن يوقف هذا الحراك. سوف نوصله إلى 2017، حتى النصر». وهي عبارات واضحة عن نية ماكرون الترشح للرئاسية بمفرده. إذا كان سنه (38 سنة) وشجاعة خطابه الجديد المتحرر عنوانا لشعبية ملموسة لدى الرأي العام الفرنسي فإن حداثة حزبه وغياب السند السياسي والشعبي وتقسيم اليسار إلى دويلات لا تخدمه في الأخير. بل من الممكن أن يساهم، ولو عن غير قصد، في هزيمة اليسار الذي ينطلق منه للفوز بالرئاسية.

تموقعه غير التقليدي خارج اليسار و اليمين يجعله خارج النظام السياسي. فهو لا يرغب في التحالف مع تنظيمات الوسط التي تعج بالشخصيات الوسطية مثل فرنسوا بايرو. لكنه سوف يجد في نفس الخانة الجمهوري ألان جوبي الذي لا يرغب في اللجوء إلى الخطاب اليميني المتطرف لنيكولا ساركوزي. بل يعتمد على الأسس الديغولية المتفتحة على المجتمع. و في هذه الحال يصعب على ماكرون منافسة جوبي على الرئاسة في صورة نجح في التخلص من ساركوزي في التصفيات المقبلة.

في كتاب حواري لصحافيين فرنسيين صدر قبل استقالة ماكرون أدلى الرئيس هولاند بشهادة لفائدة وزيرة قائلا:«شعبيته تأتي من كفاءته الملحوظة. ما يقوله يدعو للاهتمام. لكن شعبيته متأتية من كونه ليس بالسياسي، يحظى بشعبية لأنه وجه جديد، ولأنه بالخصوص متمرد على الإنقسامات وعلى قواعد الحياة السياسية». ربما تكون هذه الشهادة الرئاسية مفتاحا لدخول المعركة الرئاسية من بابها العالي، ولكنها في النهاية ليست ضمانا للنجاح.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499