النووي الإيراني.. الحرب الباردة الجديدة بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن

«لا يزال أمامنا طريق طويل للتوصل إلى تسوية، فنحن نأخذ مسارين مختلفين تماما» ..

هذا ما اكده وزير الشؤون الخارجية الألماني، هايكو ماس، خلاله لقائه بنظيره الامريكي مايك بومبيو اول امس ويؤشر الى ان دائرة الخلاف تتسع أكثر فأكثر بشأن النووي الايراني بين واشنطن والاتحاد الاوروبي .
لقد اثار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق المبرم عام 2015 ، استياء القادة الاوروبيين معتبرين انه من شأنها ان تزعزع الاستقرار في المنطقة...في حين بدت وانشطن مستعدة للذهاب بعيدا في تهديداتها المتواصلة وآخرها التلويح بفرض «أقوى عقوبات في التاريخ» على إيران، في حال لم تلتزم بشروطها للتوصل إلى «اتفاق جديد» موسع .

حرب غاز ؟
لقد لمح مسؤولون اوروبيون الى ان الولايات المتحدة تسعى الى تجميد استغلال احتياطات غاز ايرانية ضخمة عبر فرض عقوبات على الجمهورية الاسلامية في اطار الملف النووي، بهدف زيادة انتاجها الخاص الذي يشهد ازدهارا مع الغاز الصخري. باعتبار ان العقوبات الامريكية ستطال صادرات النفط والغاز الايرانية الموجهة الى اوروبا . وقد حذر وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو من ان الشركات الاوروبية التي ستواصل التعامل مع ايران في قطاعات محظورة بموجب هذه العقوبات، «ستتحمل مسؤولية» ذلك. والمعلوم ان طهران تمتلك اكبر احتياطي غاز في العالم بعد روسيا ..والجدير بالذكر ان فرضية انسحاب مجموعة النفط العملاقة توتال من ايران وعدة شركات اوروبية اخرى من عدمها، كانت محور المحادثات التي اجراها في الاونة الاخيرة في طهران مفوض الطاقة الاوروبي ميغيل ارياس كانتي. ودافعت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل امس عن الاتفاق النووي مع إيران، مشيرة إلى التأثير الاقتصادي السلبي على اوروبا جراء قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي. اذ قد يؤثر قرار ترامب على الشركات الاوروبية التي فتحت علاقات اقتصادية وتجارية جديدة مع ايران بعد توقيع الاتفاق النووي سنة 2015 .

ابعاد السياسة الامريكية الجديدة
وقد تطرق د. بشير مواس استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية في حديثه لـ «المغرب» الى ابعاد الاستراتيجية الامريكية الجديدة في الشرق الاوسط معتبرا ان قرار ترامب القاضي بالانسحاب من الاتفاق النووي الموقع بين اعضاء مجلس الامن وايران يبين ان السياسة الامريكية في المنطقة اخذت شكلا من الهجوم والعدوانية بعد فترة طويلة من الانكفاء والابتعاد عن التعاطي المباشر. ويضيف بالقول: «من المعروف ان هناك سياسة امريكية منذ فترة طويلة تهدف في الاساس الى حماية الكيان الصهيوني سواء عسكريا في حال احتاج الى أي دعم عسكري ، وكذا الحماية السياسية الاستراتيجية الوقائية ، بمعنى عدم السماح لاية قوة في المنطقة بان تمتلك ما من شأنه ان يعادل او يفوق القوة الاسرائيلية سواء النووية او غيرها». ويتابع: «لذلك نجد ان القرار الامريكي له علاقة بالسياسات الامريكية في منطقتنا . اذ لن يسمح لاية دولة بان تتجه لامتلاك ما يرد عنها الخطر الصهيوني او أي خطر آخر ، فلذلك يمنع على ايران -كما منع على العراق -سابقا من استخدام أي طاقة نووية وحتى في الاستخدامات السلمية في توليد الكهرباء او تحلية المياه».

ويضيف بالقول :«ان انسحاب ترامب ايضا ذو علاقة بالوعود التي قطعها على ناخبيه خلاله حملته الانتخابية ... وهذا الوضع ينطبق ايضا على الدول الغربية الاخرى على غرار فرنسا اذ ان الرئيس ماكرون اتجه نحو تنفيذ تعهداته بالخصخصة وتخفيض التقديمات الصحية لانه رأى ان الاقتصاد الفرنسي بحاجة الى انعاش واتخاذ اصلاحات وتم انتخابه على هذا الاساس . اذن قرار ترامب هو جزء من احد الوعود التي على اساسها نال ثقة الشعب الامريكي .. ولكن طبعا الامريكيون ليست لديهم اهتمامات سياسية خارجية بل يؤخذ الرأي العام الامريكي عادة بتوجهات الاعلام ، وغالبية ادواته في الولايات المتحدة خاضعة للمجالس اليهودية الصهيونية المرتبطة مباشرة بالدولة العبرية في المنطقة».
وعن فرضية تكرار سيناريو النووي العراقي؟ يجيب محدثنا: «استبعد ذلك مطلقا ، فيمكن ان تصل المواجهة الى حد التهديدات المتبادلة كما حصلت خلال الفترة الماضية».

ايران ...الرقم الصعب
من جانبه يؤكد د. عبدو اللقيس الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الايرانية ان ايران الان اصبحت اللاعب الاقوى من خلال مطالبتها للاتحاد الاوروبي بتأمين ضمانات اكثر جدية من تلك التي قدمت لها في الاتفاق النووي لعام 2015 حتى تستمر في البقاء بتعهداتها. ويستطرد بالقول :«لذلك كل ما فعله ترامب ارتد عليه لان ايران بموقع القوي في حركة العلاقات الدولية. وعديد القوى الكبرى التي وقعت على الاتفاق ما زالت تعمل وتبذل الكثير من الحركة الدبلوماسية لاقناع طهران بعدم الخروج من الاتفاق النووي . في المقابل ايران لا يمكن لها ان تبقى على تلك الوعود القديمة بل اصبحت تطالب بضمانات اكثر جدية من تلك التي تم توقيعها والإقرار بها على غرار حقوق ايران في الحالة النووية وغيرها .» ويؤكد محدثنا ان بعض مطالب الادارة الامريكية الجديدة تتعلق بوقف ايران دعمها لحركات المقاومة في المنطقة ..وهذا يؤكد بان الموضوع لا يتعلق اصلا بما يوصف بالتقنية النووية اي منع ايران من امتلاك الاسلحة النووية التي في الاصل لا تريد طهران امتلاكها، بل بالوضع في فلسطين في اطار الصراع الفلسطيني الصهيوني في المنطقة» . وقال محدثنا ان محاولات الضغط على ايران عبر عقوبات اقتصادية لن تجدي نفعا باعتبار ان الجمهورية الاسلامية تأقلمت مع الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها منذ نشأتها حتى اليوم وامتلكت بسببه الاكتفاء الذاتي في الكثير من نواحي الحياة العملية.»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499